رعب حقيقي آخر يعيشه رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون غير رعب الانتفاضة، انه رعب القضية المرفوعة ضده امام القضاء البلجيكي بتهمة ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا التي وقعت للفلسطينيين عام 1982. في البداية حاول شارون وحكومته التقليل من شأن القضية وجدواها، لكن قبول القاضي البلجيكي لأوراق الدعوى أصاب الاسرائيليين بالرعب، لأنها يمكن ان تكون مقدمة لمحاكمة كل مجرمي الحرب الاسرائيليين وكل من ارتكب منهم جرائم بحق الانسانية، وهذا يعني ان معظم المسئولين الاسرائيليين حسب القانون البلجيكي ـ الذي صدر عام 1993 ويسمح بمحاسبة المسئولين عن جرائم الحرب امام القضاء البلجيكي حتى وإن وقعت خارج البلاد ـ يجعل معظمهم عرضة للمحاكمة بهذا القانون، لأن الدولة قائمة في كل مناحيها على الجنرالات باعتبارها مجتمعا ودولة عسكرية. لذا فقد تحولت القضية المرفوعة على شارون في بلجيكا الى رعب يحيط بمعظم المسئولين الاسرائيليين حولوها الى قضية قومية، وسرعان ما صدرت تحذيرات للمسئولين الاسرائيليين بعدم التوجه الى «الدول المثيرة للمشاكل» والتي تتيح انظمتها القضائية اعتقال ومحاكمة الاجانب المتهمين بارتكاب جرائم حرب، وعلى رأس هذه الدول بلجيكا واسبانيا. وقد خرج شارون عن صمته واستهتاره بالقضية المرفوعة ضده وقال في تصريحات صحفية نشرت في السادس والعشرين من يوليو الماضي، وتخفي وراءها قلقه البالغ وقلق باقي افراد العصابة التي شاركته في جرائمه: «الاجراءات التي تتخذها الحكومة الاسرائيلية ليست قضيتي الشخصية، ويتم التعامل معها بالتعاون مع وزارة الخارجية، والهدف من القضية ضدي ـ يقصد المقامة في بلجيكا ـ ومن قضايا اخرى يتوقع رفعها ضد اسرائيليين آخرين هو المس بإسرائيل والشعب اليهودي، ولذلك نبذل جهودا لوقفها». وقد شكلت الحكومة الاسرائيلية بالفعل خمسة طواقم لمواجهة القضية التي بثت الرعب في قلوب المجرمين وليس شارون وحده، الطاقم الاول قضائي ويرأسه المدعي العام الاسرائيلي اليكيم روبنيشتاين الذي عبر عن المخاوف التي تجتاح المسئولين الاسرائيليين من جراء هذه الدعاوى قائلا: «لدى اسرائيل دلائل عديدة جلية على ان الموجة الحالية من الدعاوى القانونية التي ترفع، انما هي جزء من حملة مخططة تشمل اطرافا ذات مصالح سياسية واضحة». اما الطاقم الثاني فهو سياسي ـ اعلامي يرأسه جدعون مائير نائب المدير العام لوزارة الخارجية للشئون الاعلامية، اما الطاقم الثالث فهو طاقم عسكري بحثي مهمته البحث في الوثائق والأدلة العلنية والسرية للمجزرة ويرأسه سكرتير شارون العسكري. هذه الطواقم الثلاثة تعمل داخل اسرائيل، اما خارج اسرائيل فهناك طاقمان احدهما ترأسه المحامية البلجيكية ميشيل هيرش وهي ترأس فريقا من المحامين للدفاع عن شارون، اما الفريق الثاني فيرأسه عضو الكنيست الاسرائيلي ابراهام هيرشزون الذي يعمل الآن على رفع قضايا مضادة في بلجيكا ضد رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات. ورغم ان مسئولين اسرائيليين اعلنوا عن توقعهم لانتهاء المحاكمة خلال ثلاثة اشهر، الا ان الحقيقة يبدو أنها غير ذلك لا سيما بعد عودة القاضي البلجيكي الذي ينظر الدعوى من اجازته وبدئه في دراسة ملفها الذي يزيد على ألف صفحة مدعمة بالوثائق قدمها فريق الدفاع عن ضحايا المجزرة وأهاليهم. غير ان الرعب من المحاكمة لا يعيشه شارون وحده، فقد نشرت صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية تقريرا في 26 يوليو الماضي ذكرت فيه ان «ضباطا كبارا في اجهزة الامن الاسرائيلية المختلفة يبدون مخاوف جدية من امكانية اعتقالهم في دول اوروبية اثناء زيارتهم لها بتهمة ارتكابهم جرائم حرب». وأكدت الصحيفة ان عددا من هؤلاء الجنرالات «قد توجهوا بالفعل لمقر الخارجية الاسرائيلية للاستفسار عن هوية الدول التي قد تقدم على اجراء كهذا» واشارت الصحيفة الى ان القلق يساور ـ على نحو خاص ـ ضباطا اسرائيليين ميدانيين يشاركون الآن في قمع الانتفاضة الفلسطينية. ان المظاهرات الكبيرة التي اندلعت في الدانمارك يوم الاربعاء الماضي احتجاجا على تعيين كرمي غليون رئيس جهاز الاستخبارات العامة (الشاباك) سفيرا لاسرائيل هناك لا سيما وانه اعترف بتعذيب معتقلين فلسطينيين، والمطالبة بمحاكمته كمجرم حرب، دليل على ان ملاحقة المجرمين الاسرائيليين قد بدأت في اماكن اخرى غير بلجيكا ايضا. بقي ان تعرف ان الذين اقاموا الدعوى ضد شارون وأقضوا مضجعه ومضاجع المجرمين الآخرين، ليسوا سوى بعض الشباب العرب المقيمين في بلجيكا وهم اعضاء الرابطة العربية الاوروبية، وينفقون على القضية من مالهم الخاص ومن مواردهم المحدودة دون دعم عربي ملموس، وكأن القضية لا تهم العرب. والسؤال هنا: اذا كان العرب عاجزين عن مواجهة اسرائيل عسكريا فلماذا لا يدعمون مواجهة المجرمين الاسرائيليين في ساحات المحاكم؟ ولماذا لا يدعمون المنظمات والهيئات والافراد الذين يبثون الرعب الآن في نفوس عتاة المجرمين من الاسرائيليين عبر هذه القوانين والمحاكم؟ لا سيما وأن ايدي شارون وعصابته ملوثة بدماء الآلاف من الاسرى المصريين والسوريين والفلسطينيين وباقي العرب الآخرين؟ ـ كاتب وإعلامي مصري