لو أعلنت كل من مصر والأردن غدا قطع العلاقات الدبلوماسية القائمة مع اسرائيل لتدافعت «سي ان ان» و«بي.بي.سي» و«ايه. بي. سي» بالاقدام والمناكب مع «نيويورك تايمز» و«صنداي تلجراف» و«لومند»، في تنافس اعلامي محموم للانفراد بأكبر تغطية اخبارية وتحليلية لهذا الحدث الكبير وتداعياته الواقعة والمحتملة.. ومن ثم ينتبه الرأي العام في العواصم الغربية ليسمع ويستوعب قضية العرب. وهكذا فان المواقف السياسية القوية هي التي تصنع المادة الاعلامية وليس العكس. ومشكلة الحكومات العربية، كما تعكسها «خطة التحرك الاعلامي» التي أقرها وزراء الاعلام العرب الاسبوع المنصرم هي أنها تريد أن تحقق عن طريق العمل الاعلامي ما هي عاجزة عن تحقيقه عن طريق تسجيل مواقف سياسية ذات دلالة قوية. ان محور هذه الخطة الاعلامية هو تفعيل العمل الاعلامي العربي الخارجي «لكسب تأييد الرأي العام العالمي خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا» لقضية الحق الفلسطيني في اطار الصراع العربي الاسرائيلي. هذا الهدف الاستراتيجي الاعظم تريد الحكومات العربية تحقيقه على الصعيد الاعلامي بينما هي تدير ظهرها للمقاومة الفلسطينية على الصعيدين السياسي والدبلوماسي وتتهيب أي مصادمة مشروعة مع الولايات المتحدة أو اسرائيل أو كليهما. الاعلام لا ينطلق من فراغ. والغرض من شن أي عمل اعلامي، كما تقول أبجديات المقررات في كليات الصحافة والاعلام، هو خلق انطباع معين على الصعيد الجماهيري.. اي بث رسالة ذات مضمون محدد سلفا. لكن لن يكون هناك مضمون بلا عمل سياسي سابق على المحاولة الاعلامية. وفي هذا السياق لا أجد مثالاً افضل وأوضح من ظاهرة الانتفاضة الفلسطينية الراهنة. لقد افرزت الانتفاضة لنفسها بؤرة اعلامية عالمية بحيث صار المشهد الفلسطيني المحور الأول والغالب للتغطيات الاخبارية في وسائل وأجهزة الاعلام العالمية الكبرى بما في ذلك الوسائل الاعلامية الغربية والاسرائيلية. فهل كان لهذا ان يتحقق دون حركة النضال اليومي الفلسطيني؟ سئل د. هنري كيسنجر ذات مرة عندما كان وزيرا للخارجية الأمريكية في سبعينيات القرن الماضي لماذا لا يبدي اهتماما كافيا بقضية الشرق الاوسط بمقدار ما يبدي من اهتمام بشأن منطقة شرق آسيا ابان الحرب الفيتنامية فكان رده الفوري: أنا لا أهتم الا بالبؤر الساخنة. واذا كانت رؤية كيسنجر هذه تنطبق تماما على العمل الدبلوماسي وشروط نجاحه فانها اكثر انطباقا على العمل الاعلامي. وعلى هذا الأساس فانه لن يكون بوسع الحكومات العربية أن تكسب الرأي العام الغربي اعلاميا طالما ظلت آلتها الدبلوماسية خامدة في مواجهة آلتين اسرائيليتين راديكاليتين: آلة عسكرية تدعمها آلة دبلوماسية. ماذا يقول الخطاب الاعلامي العربي للرأي العام والجمهور في الولايات المتحدة وأوروبا: أيقول لهم ان العرب عاجزون عن تطبيق مقاطعة اقتصادية وتجارية ضد الشركات الغربية التي تتعامل مع اسرائيل؟ أيقول لهم ان بعض العرب يتهيبون على خلفية الحرب المكشوفة التي تشنها القوات الاسرائيلية بالدبابات والطائرات والصواريخ حتى مجرد قطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة اليهودية العدو؟ أيقول لهم ان الدول العربية تؤيد الرؤية الأمريكية لتطبيق مبادئ وقرارات الشرعية الدولية عندما تكون موجهة ضد العراق ولا تجرؤ في الوقت نفسه على مساءلة واشنطن عندما ترفض تطبيق قرارات الشرعية الدولية ضد اسرائيل؟.. انها أسئلة كثيرة تحتاج لاجابات مقنعة.