مضت الآن عشر سنوات على مؤتمر مدريد وثماني سنوات على اتفاقيات أوسلو، والصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني الذي بدا ذات يوم أنه قريب من الحل تدهور الى حالة من العنف المؤلم. هناك بالطبع حماقة مأساوية في كل هذا، فالعنف في النهاية لن يحصد شيئا الا خسائر بشرية والمزيد من الغضب والخوف واليأس لجميع الاطراف. والقوة المستخدمة من اي من الطرفين لا يمكنها ان تحل الصراع. بل ستؤدي الى اطالته وتعميمه فحسب، وهذا درس لم يتعلمه الاسرائيليون على الرغم من انهم يواصلون تقديم الحديث بشأنه في اغلب الاحيان. وبينما يصاغ كل شيء يقوم به الاسرائيليون بلغة الدفاع عن النفس والامن الدعائية الماكرة، الا انه في الحقيقة ليس اكثر من استخدام للعنف الكاسح الذي يستهدف اخضاع الفلسطينيين واجبارهم على الانصياع للادارة الاسرائيلية، وكان هذا الامر مطبقا منذ بداية الوجود الصهيوني في فلسطين، وهو مطبق اليوم ايضا. منذ عقود وعلاقة اسرائيل بالفلسطينيين يحددها العنف. فمصادرة الاراضي وهدم البيوت والاملاك واستخدام العقاب الجماعي ضد تجمعات سكانية بأكملها، وتعذيب السجناء وطرد القادة الفلسطينيين او اعتقالهم بدون محاكمة او اغتيالهم، وفرض مجتمعات استيطانية مسلحة في المناطق الفلسطينية ـ كل هذه الممارسات تضمنت استخدام العنف الذي يستهدف اخضاع الفلسطينيين. وجميع هذه الممارسات استخدمت بدون طائل. وحتى بعد كل هذا العنف، ظل الفلسطينيون حازمين في تصميمهم على العيش كشعب حر في دولتهم المستقلة. كم مرة حاول الاسرائيليون ان يقنعوا انفسهم بأنهم اذا استخدموا قوة اكبر بقليل، فإن الفلسطينيين سيخضعون في النهاية للارادة الاسرائيلية؟ لقد حاول الاسرائيليون تصفية القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال عمليات الابعاد الجماعية في السبعينيات واستخدموا سياسة «القبضة الحديدية» في مطلع الثمانينيات ويحضرني هنا قول الجنرال رفائيل ايتان «سنكسر ايديهم وارجلهم في المناطق (المحتلة) ونمزق قلوبهم في بيروت» وفي اواخر الثمانينيات، وحاول اسحق رابين ايضا ان يستخدم سياسة الابعاد وتكسير العظام من اجل تركيع الفلسطينيين والآن يعود شارون في محاولة اخرى لحمل هذا الشعب العنيد على الخضوع. وعلى الدوام وفي نهاية كل حلقة من حلقات العنف هذه، يضطر الاسرائيليون الى الاعتراف بحقيقة غير مريحة بالنسبة لهم. وهي ان العنف الذي يمارسونه لم يؤد سوى الى استجابة عنيفة، ولم يجلب الحل في النهاية. والفلسطينيون لم يرحلوا ولم يتم اخضاعهم. فعائلات الألوف الذين قتلوا مشحونة بالغضب، ومئات الألوف الذين تعرضت ممتلكاتهم للتدمير او المصادرة ينتابهم الغضب، والملايين الذين حرموا من حرية العيش في اطار حياة طبيعية يشعرون بالغضب ايضا. وفي الوقت نفسه، فإن المستوطنات والطرق الالتفافية التي كان من المفترض ان توفر الامن لاسرائيل، قد اصبحت عوضا عن ذلك مصدرا لانعدام الامن. والنتيجة النهائية هي انه كلما زادت اسرائيل من استخدام القوة لفرض ارادتها اصبح الفلسطينيون اكثر تصميما وعنادا. والحل، بعد كل هذا العنف والغضب، لا يختلف عما كان عليه في البداية مع انه ربما بات تحقيقه أمرا اكثر صعوبة بسبب العنف والغضب. ان الوسيلة الوحيدة لانهاء العنف تكمن في جلاء اسرائيل عن جميع الاراضي المحتلة، والاعتراف بأن الفلسطينيين هم شعب على الدرجة نفسها من المساواة مع الاسرائيليين ويستحقون حقوقهم الكاملة في تقرير المصير. ان من المزعج حقا سماع الحديث السياسي للجناح اليميني في اسرائيل، اي معظم الائتلاف الحاكم الحالي. فهناك دعوات لـ «القضاء على القيادة الفلسطينية» و«لسحق المقاومة الفلسطينية» و«لاعادة قهر السلطة الفلسطينية» ولاخضاعها والانتظار لبروز قيادة فلسطينية اكثر تساهلا! ان الامر اشبه بقولهم: «ان ما حاولنا القيام به وفشلنا فيه طوال اكثر من ثلاثين عاما، علينا ان نحاول القيام به مرة اخرى». وما الغرض من ذلك؟ فالخيارات التي ستواجهها اسرائيل هي الخيارات نفسها التي واجهتها على الدوام: ـ محاولة الاحتفاظ بالسيطرة على الاسرائيليين من حيث العدد. ـ اجبار هذا الشعب الاسير على شعب أسير سرعان ما يتفوق على القبول، كما حاول باراك، بالاملاءات الاسرائيلية، أي بسلام يحرمهم من حقوقهم الكاملة ومن حريتهم. ـ الاعتراف بالحقوق الفلسطينية والانسحاب من الارض الفلسطينية. لقد جربت اسرائيل الخيارين الأولين وفشلت، والخيار الثالث هو وحده الذي لم يجرّب. واذا كان الاخفاق في فهم الحقيقة القائلة ان العنف لن يجلب الحل هو خطأ اسرائيلي، فان من المؤسف أن هذا يمثل خطأ فلسطينياً كذلك. وتماماً مثلما ان عمليات القصف التي تقوم بها اسرائيل للمكاتب الفلسطينية وقتل المتظاهرين الفلسطينيين تجعل تحقيق السلام أمراً اكثر صعوبة، فان القنابل التي تحصد أرواح المدنيين الاسرائيليين تجعل هي الأخرى الحل اقل احتمالاً. وكما برهن مارتن لوثر كنج وغاندي والحركات الجماهيرية الكبيرة التي حولت اوروبا الشرقية، فان القوة السياسية والاخلاقية للعمل المباشر غير العنيف هي أقوى سلاح بيد شعب مضطهد. ومثلما جعل العنف الاسرائيلي الفلسطينيين أكثر عنادا وتصميما، فان العنف الذي مورس ضد الاسرائيليين قد جعل أبناء ذلك الشعب أكثر تطرفا في قراراتهم وأكثر تلهفا لرؤية قادتهم يردون بعنف كاسح. هذا صراع سياسي لا يمكن حله الا بالوسائل السياسية. ولا يمكن لأي طرف ان يلحق الهزيمة المطلقة بالطرف الآخر أو يخضعه. وفي كل مرة يتم فيها استخدام العنف يصبح تحقيق الحل السياسي المبني على العدل اكثر صعوبة. والامر المزعج بشكل خاص هو ان اولئك الذين يناصرون العنف يفتقرون لأى رؤية سياسية استراتيجية. اسألهم كيف سيفرز تكتيكهم نتائج وستجدهم يستندون الى الخرافات والأوهام التي تتحدث عن تغيير تلقائي. والأمر الذي يعجزون عن وصفه هو كيف بالتحديد سيحرك ما يدعون له أو يقومون به الوضع الراهن نحو هدفهم المنشود. فهذه ليست جنوب لبنان. والمخاطر بالنسبة لاسرائيل مختلفة تماما. وعلى اسرائيل أن تعلم انها لا يمكنها، في القرن الحادي والعشرين وفي قلب العالم العربي، ان تلعب دور رعاة البقر المنتصرين أو تصور الفلسطينيين على انهم هنود حمر مهزومون. وفي دائرة العنف الحالية، توصف الاعمال الفردية بأنها انتقام. لكن الانتقام ليس عملا سياسيا ـ وانما هو حاجة نفسية ـ ولا يسفر عن شيء في طريق التغيير السياسي. وفي الواقع، أنه يجلب المزيد من العنف والانتقام ردا عليه. ان المسئولية النهائية لوقف الصراع ينبغي ان تقع بالطبع، على كاهل الطرف الأقوى، وهو الطرف الذي استخدم العنف بشكل منظم لتحقيق غاياته. والمأساة الحقيقية في هذا الوضع لا تتمثل في أن الفلسطينيين ضعفاء جدا والاسرائيليين اقوياء للغاية. والحقيقة هي انه لا يملك اي من الطرفين القدرة أو الارادة أو الرؤية السياسية لتغيير ديناميكيات الوضع الراهن. وحتى الآن، وضعت الولايات المتحدة واسرائيل على نحو غير منصف العبء على الطرف الاضعف وهو الفلسطينيون. فقد وجهت دعوات للفلسطينيين لوقف العنف. لكن الفلسطينيين مشحونون بالغضب الناجم عن عقود من العنف والهيمنة الاسرائيلية. وبالتالي، فان الخيارات السياسية المتاحة لقيادتهم محدودة جدا. غير ان الاسرائيليين ايضا وقعوا في فخ الاضطراب السياسي والنفسي. فهؤلاء الذين فطموا على الخوف وانعدام الأمن، الذي يجد ما يغذيه في كل عملية عنف جديدة تقع في وسطهم، باتوا يدعمون بشكل اكبر ـ لا أقل ـ الردود المتطرفة. وبالتالي، فان الوضع السياسي الاسرائيلي ليس ناضجا ايضا لاجراء ايجابي تصحيحي، كما اتضح من انتخاب شارون وانهيار تكتل السلام الاسرائيلي. وفي هذا السياق، فان النهج السلبي الذي تبنته الولايات المتحدة لا يؤدي الى المساهمة في الركود المتواصل. واذا لم يستطع اي من الطرفين او لم تكن لديه الارادة لاتخاذ الخطوات السياسية اللازمة لقلب مسار الاحداث الراهن، عندها تكون هناك حاجة لوجود مصدر خارجي للقيادة السياسية. ان ما يعجز الاسرائيليون والفلسطينيون عن القيام به بأنفسهم يتعين على الولايات المتحدة ان تساعدهم فيه، فالمسار المقترح (تينيت، ميتشيل ثم المفاوضات) لن يطبق وحده ولن يحدث التغيير السياسي المطلوب، وخاصة في اسرائيل، بصورة تلقائية. ان ما يتعين على الولايات المتحدة تقديمه هو اكثر من القيادة التي تعتمد على الخطب الطنانة. فعليها ان تعيد جمع الاطرف وتقدم لهم الرؤية السياسية والضمانات التي يمكنها ان تتحدى الخرافات القائمة، وتحطم اليأس وتلهم أملا جديدا. والا فان العنف والخرافات القائلة أن العنف يمكن ان ينجح، ستواصل تمديد هذا الصراع المأساوي. ـ رئيس المعهد الأمريكي العربي