انتهت أيام السفر لتبدأ ليالي السمر حول حكايات اشبه بالطرائف صادفها أو عاشها هؤلاء الذين اتجهوا شمالا بحثا عن البرد والمرح في اجازات وزيارات تعددت اغراضها وتوزعت أماكنها بين الاتجاه شرقا حيث بلدان آسيا أو الاتجاه غربا الى اوروبا وأمريكا. ورغم انني لم اسافر إلا إنني عشت طوال الصيف على تماس دائم ومستمر مع وقائع وأحداث رحلات السفر التي قامت بها اسر الاقارب والصديقات لأن الهواتف المتحركة التي يحملها المسافرون والمسافرات ـ لم تكن تتوقف عن فتح الخطوط ونقل آخر الاخبار من داخل الفنادق أو المتنزهات في شتى بقاع الدنيا المعروفة باستقطابها لأبناء الامارات لقضاء ايام العطلات والاجازات وفقا لما درجوا عليه في سنوات العز والرخاء التي انستهم ـ بلاشك ـ رحلات الأجداد في سابق العصور والازمان، وقد كانت في تلك الايام رحلات للبحث عن الكلأ والماء فسبحان مغير الاحوال المنعم على من شاء بوافر نعمته وعظيم كرمه. وطبعا فإن من عادوا من رحلات البحث عن البرد والمرح قد مارسوا السفر وان كان الكثيرون منهم لم يهتموا باغتنام فوائده السبع وربما لم يخرجوا منها ولو بفائدة واحدة طالما ان السفر لديهم مجرد طائرة وفندق وملاهٍ ليلية او نهارية وبالطبع الكل يعرف معنى الملاهي الليلية اما النهارية منها فانني اعني بها الاسواق والمراكز التجارية التي يقبل عليها اهلنا رغم اننا نمتلك منها في بلادنا المئات وعلى احدث المواصفات وفيها ارقى المنتجات من كافة اقطار الدنيا، لكنها العادة عندما تتحكم في الانسان فتجعله يرى التميز فيما يراه خارج موطنه. ولا ادري كيف يكون شعور ذلك المسافر عندما يجد نفسه لحظة عودته لبلاده وهو مكبل ـ نعم مكبل بلا اية مبالغة بالحقائب الثقيلة التي تحيط به في نهاية اجازة قام بها للتخفف من اعباء عام كامل بحثا عن الراحة والهدوء والاستجمام فإذا به يشقى في اسواق مدن العالم مضيعا اجازته في التسوق!! وإن الاعجب من هذا ان السفر لا يعني بالنسبة للبعض اكثر من تقليد ومجاراة الآخرين والتباهي فحسب ومن ثم ترديد اسم البلد الاوروبي الذي زاره والحديث مرارا عن الايام الجميلة التي قضاها في ربوعه وإن لم يكن ذلك حقيقة، وهناك اخرون يتخذون من اسلوب الذم والقدح في بلد زاره صديق او قريب فيسعى الى التقليل من شأن الزيارة مدعيا ان هذا البلد قد اصبح موضة قديمة، ولم يعد مقصدا للكثيرين لان حرارة الجو فيه اصبحت تنافس حر بلادنا ورطوبتها فضلا عن ان كل من هب ودب اخذ يزوره، وتلك والله نظرة غريبة وقصور في فهم المقاصد السياحية. ولكن في الصيف او غيره، وأينما كانت وجهتنا، ترى هل نظل على العادات التي الفناها في بلادنا، أم ان البلد الذي نزوره وما به من اغراءات وتقاليد لم نعتدها كفيل بأن يدفعنا إلى تغيير الكثير من عاداتنا سواء كان في الملبس او المأكل او حتى في الطقوس اليومية؟ الواقع يشير الى ان البعض يحاول التحرر من روتين حياته الذي اعتاده في موطنه حتى في ابسط الاشياء كتغيير موعد استيقاظه في الصباح، فإن البعض يرفض السفر او التزحزح من بيته إلا وقد اعد عدته بدءاً من الاطعمة وانتهاء بالادوات البسيطة التي يستخدمها في تناول مشروبه المفضل من الشاي او القهوة. ففي الاسفار ـ وحيث تتواجد العديد من الاسر المواطنة تجد الولائم والمآدب منتصبة في كل اماكن الاقامة والتزاور قائم لينهل الجميع من اشهى وألذ الاطباق وعلى موائد اخرى قد تجد المالح حاضرا الى جانب السمك والسحناه وهو لمن لا يعرفونه عبارة عن سمك الجاشع المطحون يؤكل مع الارز الابيض والسمن وتصبح الموائد هناك مثل موائدنا هنا لا تخلو من اطباق الرطب كما انه على الجانب الآخر ترى انواع الدلال والفناجين واشكال «الاستكانات» تتوسطها طاسة الغسول، فتشعرك، وكأنك لم تغادر الوطن. ونعود الى موسم الاياب بعد السفر الطويل او القصير لنبدأ هنا على ارضنا موسم السمر حول ذكريات العائدين وهي في العادة ودائما تحمل الينا الكثير من الطرائف وأحدثها ما سمعته من صديقة وصلت توا للبلاد ومن ساعة وصولها وهي لا تتوقف عن ترديد حكاية الحادثة التي شهدتها بأم عينها بأحد أرقى احياء عاصمة أوروبية عندما فوجيء النزلاء ذات ليلة بأجراس الانذار تدوي بشدة معلنة حالة طواريء اثر حريق اندلع في الفندق، وعندها سارع الجميع الى مغادرة الغرف والنزول الى الشارع ايا كانت الحالة التي هم عليها بينما كان رجال الأمن التابعون للفندق يواصلون البحث عن مكان الحريق الذي اطلقت الاجراس «الاوتوماتيكية» اصواتها بسببه، حتى وصلوا الى الطابق الثالث والثلاثين فوجدوا سيدة من اخواتنا المواطنات تجلس في شرفة جناحها وسط دخان كثيف ينبعث من «الشيشة» الانيقة التي أصرت على ان ترافقها في رحلتها فكان ما كان وضاعت منها هناءة البال لعدة ساعات بسبب ادمان الشيشة حتى في فنادق الفرنجة. ويتسامر الناس عن حكاية اسرة من اهل بلادنا اصرت عند زيارتها لدولة أوروبية ان تقيم في شقة مفروشة نظرا لان افرادها ـ ما شاء الله ـ عددهم كبير وحيث اننا في الشرق معتادون على الحديث بأعلى ما تسمح به احبالنا الصوتية، كما ان الصراخ على اطفالنا امر طبيعي لدى الكثيرين منا ـ فقد فوجئت هذه الاسرة ذات ليلة برجال الشرطة ونسائها يطرقون الباب عليهم طالبين مرافقتهم الى مركز الشرطة لوجود بلاغ ضدهم تقدم به الجيران يتهمون هذه الاسرة الكبيرة والغريبة بالازعاج والسهر حتى الصباح، وبعد اخذ وعطاء، انتهى الامر ليلتها بالاعتذار والتعهد بعدم تكرار الازعاج وبالفعل كان الصمت والحركة على اطراف الاصابع هما الحل حتى حان موعد العودة الى الوطن بلا فضائح. وبالطبع كما يقول الرواة فإن أول ما فعله افراد هذه الاسرة بعد خروجهم من المطار هو قيامهم بالصياح والصراخ دون سبب اللهم إلا التعويض عن فترة الصمت الرهيب عقب تهديد شرطة المدينة الأوروبية لهم بالترحيل في حالة التكرار. ومع الشرطة ايضا قضت عائلة مواطنة اياما عصيبة بعد هروب الخادمة الاسيوية فتقدمت ببلاغ ضدها تتهمها بالهروب من «الكفيل» هذه الكلمة لم تستوعبها الشرطة هناك جيدا فانقلب السحر كما يقولون على الساحر، فأصبحت الاسرة هي المتهمة وماذا تعني بكلمة كفيل فهل هي اشترت الخادمة مثلا وغير ذلك من الاسئلة التي تولى الدبلوماسيون ايضاحها وتمكنت الاسرة من الافلات. ومن اطرف ما يحكى حاليا ذلك الموقف الذي كشف زيف المظاهر لدى صديقات ثلاث حيث أخبرت كل واحدة الاخريات انها مسافرة للخارج بغرض السياحة في مدينة محددة، وبالصدفة التقين هناك في أحد مكاتب الدولة بالخارج لتكتشف كل منهن ان تجمعهن كان لهدف واحد وهو استلام شيكات الاعانة المخصصة لهن كمرافقات لمرضى من الأهل يعالجون على حساب الدولة ومع صديقة اعتاد زوجها السهر حتى وجه الصباح في البلاد وقضاء جل وقته مع الربع، نقل عادته هذه معه الى اوروبا فحجز جناحاً في الفندق الذي يقيم به لهذا الغرض خصيصا. اخت مواطنة ومع كثرة تواجد الاسر المواطنة في تلك المدينة التي راحت تقضي فيها اجازتها عمدت الى ارتداء النقاب لئلا يتعرف عليها احد، فيما تتمكن هي من رؤية ومشاهدة كل شيء. هذه «المنقبة» التي يبدو انها نسيت انها في أوروبا فوجئت مرة بمن يحاول رفع النقاب عن وجهها بطريقة اخافتها وأدخلت الرعب في قلبها، قبل ان تدرك ان الفضولي كان مراهقا أوروبيا اثاره هذا القناع الاسود فأراد لمس هذا الـ(MASK) العجيب الذي يرتديه البعض للتنكر الذي يثير حب الاستطلاع لدى الصبية والمراهقين. ومن تلك الطرائف هناك الكثير العديد منها غير صالح للنشر، ونكتفي بسماعها وترديدها في مجالس الصديقات، ويبقى هناك الكثير من المطبات التي يقع فيها المواطنون وتتكرر كل عام بنفس الصورة والاسلوب ولا احد يرغب في تغيير سيناريو الزيارة مادام السفر قد اصبح لدى الكثيرين مجرد عادة تمارس بروتينية لتتحول بذلك فوائد الاسفار لدى البعض منا الى مظاهر لا تسفر عن شيء الا سفر الاجساد وتغييب العقل بحثا عن راحة لن تدوم طويلاً.