فيما يتعلق بتوسيع نطاق السياسة العدوانية الاسرائيلية، فلسطينيا أو عربيا، لم نعد الآن في دائرة الاحتمالات والتوقعات النظرية ضعيفة الإسناد. فقد بات لهذا التوجه مؤشرات عملية قوية ومنظورة، إنهم يتحدثون في اسرائيل عن خطط تتجاوز هدف إخماد الانتفاضة، الى استئصال كل مظاهر المقاومة الفلسطينية، قيادات وكوادر ميدانية ومؤسسات، بدون استثناء السلطة الوطنية ذاتها. تدور هذه الأحاديث بشكل علني كما تجري عمليات تسريب لوسائل الاعلام عن فحوى الخطط ذات الصلة، وبالتفصيل الممل أحيانا. وبسبب هذا التفكير بصوت جهوري، صرنا مع كثيرين وكأننا بعض حضور مجالس الوزراء أو الحرب الاسرائيلية الموسعة أو المصغرة. ولأن افشاء المخططات السياسية ومن باب أولى التحركات العسكرية، يبدو عملا أحمق أو أخرق، فإن العلنية التي تأخذ بها حكومة شارون لابد وأنها مقصودة لغرض ما.. فالحشد العسكري على مشارف مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، المصحوب بتهديدات الساسة والجنرالات، وفي خلفيتها إعلام يروج لخطط الاجتياح الوشيك بأمل القاء الرعب في قلوب الأعداء.. هذه الاجراءات المتزامنة، ربما أريد بها تحقيق ما يعرف في فقه العلاقات الدولية بالردع الثقيل. ومن المتفق عليه أن اقتناع العدو - الفلسطيني والعربي في حالة اسرائيل - بجدية التحول من الردع الى الفعل الحقيقي وممارسة القوة، يمكن أن يؤدي الى تقهقره وارعوائه، لاسيما إن كانت موازين القوى لا تسمح له بالمواجهة الميدانية المفتوحة. ولكن هذا الفقه يعرف أيضا، أنه ليس ثمة ضمانة من احتمال انفلات الأمر من أيدي الراغبين في ممارسة الردع المحسوب، وانزلاقه بهم الى طور الحرب غير المحسوبة بدقة معملية. هذه قاعدة مهمة للجانب الفلسطيني والعربي، الذي يتطلع الى استبصار مغزى التحركات الاسرائيلية. بمعنى أن علينا ألا نستبعد انجراف القيادة الاسرائيلية نحو تنفيذ عملية الاجتياح الشامل لمناطق السلطة الفلسطينية.. وهذا يستدعي ازاحة الاعتقاد بأنه لو كانت اسرائيل جادة في عزمها الاجتياح، لما توسلت بالتحركات والاجراءات العلنية الفجة، وبذلك فإن الأمر لا يعدو مجرد (الردع الثقيل) لاجبار الفلسطينيين، قيادة وشعبا على الانصياع لحقائق القوة. نقول ذلك وفي الذهن، أن ربيع 1982 شهد مثل هذا السيناريو تقريبا. فقبيل عملية الغزو الكبير وصولا الى مشارف بيروت، ثم احتلالها بالفعل في صيف ذلك العام، جرى حديث علني مفتوح عن خطة اسرائيلية لتوجيه ضربة قاصمة للوجود السياسي والعسكري الفلسطيني في لبنان. لقد كان ذلك التقدير، وبتفصيلاته أيضا، معلوما لدى أوساط سياسية فلسطينية وعربية ودولية.. ومع ذلك ثبت أن الحديث الاسرائيلي كان جادا، ووقع الاجتياح وفقا للخطة المعلنة مع إضافات ابتدعها شارون نفسه، الذي يتبنى وحاشيته الآن مشروعا مشابها في ميدان آخر! إن غرور القوة والاطمئنان الى التغطية التي يوفرها الحليف الأمريكي لاسرائيل، يسمحان للقيادة الإسرائيلية باللعب على المكشوف وتحويل المناورات الى عمليات حقيقية، السوابق تقول بذلك، بما يدعونا الى التحذير من الاستخفاف بالتحركات السياسية والعسكرية على محمل أنها ستكتفي بمنهجية الردع عن بعد. وهناك بواعث أخرى تميل الى ترجيح نية التوسع العدواني الاسرائيلي. مثل شخصية رئيس الحكومة الاسرائيلية وإيمانه الراسخ بأولوية القوة كأداة في تحقيق الأهداف السياسية، ووقوفه على رأس نخبة حكم ائتلافي تنتمي الى المدرسة ذاتها، وتحكم النزعة العنصرية في تضاعيف هذه النخبة وبخاصة تجاه الفلسطينيين والعرب. وتوفر قاعدة شعبية عريضة تغذي نداء الحسم العسكري للقضية الفلسطينية. فأغلبية الرأي العام الاسرائيلي (أكثر من 65%) ترى أن الوجود الفلسطيني السياسي أو المسلح، زائدة دودية متورمة في خاصرة المشروع الصهيوني، لا ينبغي علاجها على طريقة أوسلو، بل التخلص منها نهائيا. وكانت التقارير الاستخبارية المتخصصة قد أفضت الى النتيجة ذاتها بالنسبة لوجود سلطة عرفات من عدمها. مؤدى ذلك أن كل العناصر التي ترتد للداخل الاسرائيلي، تعمل على تسخين بديل الاجتياح وتعزيز المواجهة على الجبهة الفسطينية. الاستثناء الكبير في هذا السياق، يتصل بالتقديرات الاسرائيلية للخسائر البشرية الذاتية في حال تطبيق هذا البديل. وهذه تراوح في بعض المصادر حول رقم الثلاثمئة قتيل لكنها طبقا لآخرين قد تصل الى الألف. ومن فيوض عنصريتهم البغيضة، أن أصحاب هذه التقديرات في الوسط السياسي والعسكري الاسرائيلي لا يقيمون وزنا لأرواح الضحايا المحتملين على الجانب الفلسطيني، التي قد تصل بحسب بعضهم الى عشرات الآلاف. في غمرة الهوس الاسرائيلي العام خلف جماعة العسكر الحاكمة (شارون وموفاز وبن اليعيزر) وبديلها المقترح لاستئصال الحقيقة الكيانية الفلسطينية، تغيب الأصوات الواهنة الوجلة للقوى المضادة.. ولعلنا نلاحظ أن هذه الجماعة تحكم بلا معارضة يعتد بها تقريبا.. وليس لعاقل يعي أبعاد السياسة الاسرائيلية أن يأخذ مواقف شيمون بيريس وتطميناته، بشأن عدم وجود نوايا لاجتياح المناطق الفلسطينية، مأخذ الجد. فالرجل مشهور بمراوغاته وهو من شارون وأركان حربه في موقع التابع. المؤشرات تقول بأن الداخل الاسرائيلي يدق طبولا حقيقية للقتال، ولا يبقى للوصول الى تقدير صحيح لأيلولة هذه الحالة سوى إمعان النظر في مواقف القوى المعنية الأخرى، فلسطينيا وعربيا ودوليا، وردود أفعالها من وجهة نظر صناع القرار في اسرائيل. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة