دخل الموقف الفلسطيني الاسرائيلي في نفق اللاعودة، فاما الاحتلال الابدي والتشتت الدائم الذي لاحق الشعب الفلسطيني منذ عام 48 واما حرية الاستقلال وكرامة الوجود وسلام المستقبل الذي يسعى الشعب الفلسطيني اليه. ويبدو ان الوسطية في الوضع الراهن لم تعد ممكنة، خاصة بعد احتلال بيت الشرق بكل رمزيته ثم اعادة احتلال مناطق تابعة للسلطة الفلسطينية. ان نفق الظلام الدامس والصراع المفتوح هو السائد بين الفلسطينيين والاسرائيليين. لكن صراع اليوم يبدو اكثر حدة وحسما من صراعات السابق، وهو يشير بحدة ووضوح الى ان اسرائيل لا تستطيع ان تفوز في حرب تجويع ضد شعب يناضل فوق ارضه وفي ربوع بلاده. فقطاع غزة ونابلس ليست بيروت التي حاصرها شارون وفرض عليها انسحاب المقاتلين منها. ان الحسم العسكري الاسرائيلي لن يكون في مصلحة اسرائيل في المدى المنظور وفي المدى البعيد، بل ان اعادة احتلال ملايين الفلسطينيين سوف يحول الانتفاضة الفلسطينية الى داخل اسرائيل بأكثر مما هي اليوم، وسوف يعيد الصراع الى اساسياته الاولى كما كان الامر في ظل الانتفاضة الاولى التي بدأت عام 1987، كما انه سوف ينهي يهودية الدولة العبرية. المعركة التي تخاض اليوم بوسائل الحرب والمواجهة قد تكون اخر المعارك واصعبها واخطرها واطولها واعنفها قبل نيل الشعب الفلسطيني حقوقه في ارضه، ولكنها قد تكون بداية لمعارك جديدة ولصراع عربي اسرائيلي لا نهاية له ينتقل من جيل اليوم الى جيل المستقبل. بين هذا وذاك تتبلور حقائق صراع قد يفرض نفسه على بقية عوالم العرب، فبين الاستقرار والسلام وبين الحرب والمواجهة ستؤثر احداث اليوم في مستقبل المنطقة العربية. ولتكون هذه الحرب آخر الحروب، وآخر المواجهات ينبغي للعالم العربي ان يقف وقفة حاسمة مع الفلسطينيين، وذلك لمساندتهم معنويا وسياسيا، ماديا واقتصاديا. فصمودهم اليوم في ظل هذه الحرب يجعلهم في مقدمة التصدي العربي للتوسع الصهيوني، بل ان فشل الفلسطينيين سوف يجعل العرب خاصة دول الطوق في مواجهة مباشرة ومدمرة مع اسرائيل في الجوهر. ان المساندة العربية للفلسطينيين في الدفاع عن حقوقهم هو الطريق الوحيد الذي يضمن تغيرا في الموقف الامريكي وانسحابا اسرائيليا من الاراضي المحتلة عام 67، بل ان دعم النضال الفلسطيني الراهن هو الطريق الوحيد الذي يضمن عدم حصول هزيمة عربية جديدة تضاف الى هزائم السابق بكل ما لذلك من نتائج سياسية في كل قطر عربي. الخسائر الفلسطينية كبيرة في هذه الحرب التي لم تكتب كل فصولها بعد، وهي لا تعد ولا تحصى نسبة لمئات الشهداء وألوف الجرحى حتى الآن، اما الخسائر الاقتصادية والحياتية لهذا المجتمع المكافح فهي مدمرة. اذ تتحول خسائر الشعب الفلسطيني الذي عاش تحت الاحتلال المباشر منذ عام 67 الى وسائل لتجويعه وتطويقه ومحاولة كسر ارادته. بل من ينظر لخريطة المستعمرات الاسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة يرى كم صادرت اسرائيل بالقوة من الاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كوسيلة لخنق المجتمع، وكم اقتطعت على مدى السنوات من قوت الناس ورزقهم ويكتشف كل مدقق كم ادت شبكة الطرق حول المستعمرات الى احكام السيطرة الاسرائيلية وتحويل القرى والمدن الفلسطينية الى جزر معزولة في بحر من الاحتلال والسيطرة الاسرائيلية. ومن يرى انتفاضة الشعب الفلسطيني يرى حجم الحمل الذي يتحمله الشعب الفلسطيني لوحده في ظل قدرات متواضعة في مواجهة الآلة العسكرية والنفسية والسياسية والاقتصادية الاسرائيلية. في هذا يدفع الشعب الفلسطيني ثمنا كبيرا من اجل نيل التحرر والخلاص الوطني. ان الثمن الذي يدفع اليوم هو ثمن الدفاع عن الاقصى وعروبته واسلامه. ان العاصفة التي تعصف الآن قد تفتح المجال للجديد. بل ربما من خلال الاعصار تبدأ ومضات الحياة الجديدة، ومع سيل الشهداء تبدأ روح تجديد قضية التحرر والخلاص. هنا بالتحديد وفي هذه المرحلة الحساسة بإمكان العرب ان يقدموا الكثير، فدعمهم وصوتهم وكلمتهم وامكانياتهم واعلامهم مطلوب على كل صعيد وفي كل مجال. يبقى السؤال الذي يتردد صداه مع كل مؤتمر عربي لدعم القضية الفلسطينية: هل قدم العرب ما يكفي لارضاء الضمير العربي تجاه انقاذ بيت المقدس والحفاظ على عروبة فلسطين؟! ـ استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت