عندما فتحت ستارة نافذة غرفة فندقي المطلة على (قناة السويس) عند مدينة (بورسعيد) شعرت وكأنني أجلس على مقعد في عرض البحر.. أو كأن الفراش قد تحول الى مركب صغير يطفو فوق المياه تجاوره السفن العابرة في رحلة المساء والشمس تأخذ طريقها الى الغروب.. مشهد ساحر.. يندر أن تجده في مكان آخر.. ومايزيد من سحره أنه على الضفة الأخرى تقع مدينة (بور فؤاد).. أول نقطة مصرية على قارة (آسيا).. فكأن الطبيعة والجغرافيا دخلتا في تحالف مثير.. لا يتكرر كثيرا. لكن.. كل هذا السحر لا يجد من يستغله ويستثمره ويبيعه للسياح.. فلا مطاعم.. ولا مقاهي.. وانما (جراج) لمراكب الصيد الصغيرة التي لا تزيد كثيرا عن موقف سيارات الأجرة القديمة.. وهو ماخفض من قيمة هذا الموقع.. وإن لم يمنع ذلك وجود عشاق صغار راحوا يعيشون لحظات أصبحت نادرة من الرومانسية بعيدا عن استعراضات (الروسيات) المثيرة التي وصلت حتى هنا. ولا تبدو السياحة نوعا من الترف الآن في(بورسعيد).. انها أحد البدائل العاجلة للإنقاذ والاسعاف.. فالتجارة الحرة التي عاشت عليها المدينة ـ منذ عام 1976 ـ تعاني الكساد الشديد.. وأكثر من 45 ألف تاجر يشعرون أن خطر التصفية والتشرد قد بات في حجرهم.. ولم تفلح الصناعة في العلاج.. فهي ليست بالحجم الذي يستوعب كل فرص العمل المطلوبة.. إن هناك 25 مصنعا للملابس الجاهزة تصدر ماتنتجه الى الولايات المتحدة الامريكية ودول أوروبا الغربية.. لكن هنا في الوقت نفسه أكثر من 10 آلاف محل لبيع الملابس المستوردة مهددة بغلق أبوابها في العام المقبل بعد أن ترفع الجمارك على الملابس المستوردة.. وهو مايعني أن تفقد (بورسعيد) ميزتها النسبية كمنطقة حرة.. فكل (مصر) ستصبح بعد شهور قليلة منطقة حرة.. ولا أحد سيشعر بالحاجة الى ملابس (بورسعيد) المستوردة.. كما حدث من قبل في السلع الأخرى.. مثل الصابون والأقمشة واللبان والشيكولاته. وتبدو شوارع (بورسعيد) التجارية خالية تماما من حركة البيع والشراء.. ولا يمكن أن تصدق أن منافذ الجمارك التي كانت تنافس مباريات كرة القدم خاوية على عروشها وكأنها أصبحت مهجورة.. ويتكاسل الموظفون وهم يسمحون بمرور السيارات.. فهم متأكدون أنه لا أحد يحمل مايستحق دفع الرسوم عليه. ولا يكابر الناس في (بورسعيد) عندما تحدثهم عن نهاية صلاحية المنطقة الحرة كوسيلة للرزق.. بل أنهم يعترفون بذلك.. ولكنهم لا يعرفون ما البديل؟.. لا يعرفون كيف يمكن تنويع مصادر الرزق؟.. وقد شاركت في ندوة في الغرفة التجارية حول هذا البديل كان على رأس المتحدثين فيها المحافظ اللواء دكتور (مصطفى كامل) ورئيس الغرفة (محمد المصري) والصديق الصحفي (حسن عامر) وشارك في الحوار ـ الذي لم تنقصه الصراحة والشجاعة ـ عشرات الشخصيات السياسية والبرلمانية والشعبية. قال (البدري فرغلي) عضو مجلس الشعب: إن (بورسعيد) لم تعد تستورد أكثر من 3% مما تستورد (مصر) ولم تعد مغرية للمهربين.. فكبار المهربين وجدوا طرقا أفضل بعيدة عن العيون التي أصبحت على (بورسعيد).. إن نحو 97% من عمليات التهريب تجري الآن بعيدا عن (بورسعيد).. ولو كانت التجارة قد انقرضت هنا فإنه لا مفر من العودة بالبورسعيدية الى الخدمات البحرية.. ان هيئة القناة تجبر السفن منذ نحو 20 سنة على الوقوف بعيدا عن أرصفة الميناء.. بعيدا عن متناول (البمبوطية).. وبعيدا عن فرص نزول البحارة الى المدينة ليقضوا فيها الساعات التي تقف فيها سفنهم ولينفقوا فيها بعضا ممايحملون من أموال.. كما يفعلون عادة في الموانئ الأخرى. وجرى بيني وبين عضو مجلس الشعب (عبدالوهاب قوطة) حوار حول صعوبة الجمع بين الـ(بيزنس) وعضوية البرلمان.. وكان رأيي أن ذلك يفسد الـ(بيزنس) ويفسد السياسة.. وكان رده الوحيد: نه أقدم عضو في البرلمان المصري بعد (كمال الشاذلي).. ولم أشأ أن تتحول المناقشة بعيدا عن مسارها الطبيعي.. فنحن نناقش قضية أخرى. وكان رأي (محمد المصري) ان(بورسعيد) يمكن أن تعود مصيفا داخليا ينافس (الإسكندرية) ويجذب السياحة الداخلية.. كما انها يمكن أن تكون مدينة لسياحة خارجية متخصصة في المعارض التجارية والمؤتمرات الاقتصادية.. كما أنها يمكن أن تكون فاترينة للملابس المستوردة ولو بعد رفع الرسوم الجمركية عنها في العام المقبل بحكم خبرة البورسعيدية في هذه التجارة الراقية والتي تزيد على 30 سنة. وكان من رأيي أننا نتحدث عن اتفاقية التجارة الحرة دون أن نقرأهاجيدا ودون أن نجتهد في تفسيرها والبحث عن ما يفيدنا منها وما يسد الثغرات التي سينفذون منها إلينا.. إن كلامنا عن تحرير التجارة هو كلام سماعي أكثر منه مناقشة علمية جادة وحيوية.. إن الباحثين في التعاون الدولي قدموا أبحاثا ايجابية عن هذه الاتفاقية بما يتناسب مع وجهة نظر المسئول المختص، وعندما تغير هذا المسئول تغيرت هذه الأبحاث بحيث جاءت مناسبة للمسئول الجديد وكانت وجهة نظره عكس وجهة نظر من سبقه.. وليس في ذلك عيب كبير فالعلوم الانسانية مثل قماش (الاستريتش) قابلة للأخذ والمط. أما المحافظ فقد كان أكثر تفاؤلا.. لقد بدأ كلامه بالقول: إن (بورسعيد) هي المدينة المؤهلة لأن تعيد مكانة مصر الدولية ان (بورسعيد) تملك كل مقومات القوة وستزداد هذه القوة اذا أدرك ذلك مجتمعها الاقليمي والمحلي إنها آخر نقطة في أفريقيا وأول نقطة في آسيا وهما نقطتان تواجهان أوروبا.. وفي تلك البقعة الاستراتيجية سيكون هناك ميناء (شرق التفريعة) الذي يستقبل في البداية 600 ألف (حاوية) في السنة ستزداد تدريجيا الى أن يصل الرقم الى أكثر من أربعة ملايين (حاوية) في السنة.. أي نحو 5% من حركة التجارة الدولية، ولو رفعت كفاءة باقي الموانئ المصرية فإن النسبة يمكن أن ترتفع الى 25% من حجم هذه التجارة. وعلى بعد 60 كيلو مترا من مدينة (بورسعيد) يوجد 76% من احتياطي الغاز الطبيعي في مصر.. وماينتج منه الآن يصل الى نحو مليون قدم مكعب.. ويمكن أن يكون الغاز مقدمة لظهور البترول الخام.. وسيصدر نحو 900 ألف متر مكعب من الغاز الى الأردن ولبنان وسوريا وأسبانيا وتركيا عبر شبكات من المواسير التي سيقام لها مصنع خاص في(بورسعيد).. سيكون الأول من نوعه في الشرق الأوسط والسادس من نوعه على مستوى العالم.. وسيقام على 100 فدان.. باستثمارات تصل الى 330 مليون دولار ليحقق عائدا يزيد على 134 مليون دولار.. على حد قول المحافظ. وانتقل المحافظ من الغاز والبترول الى الزراعة.. واستطرد: إن ترعة (السلام) التي تبدأ من (دمياط) ومنها الى الشرقية والدقهلية ثم (بورسعيد) وهي في طريقها الى (سيناء) عبر (الاسماعيلية) ستوفر ماء لاستصلاح 135 ألف فدان في (بورسعيد) على مرحلتين.. ومع الأرض التي يمكن توفيرها في (سهل الطينة) يمكن أن يصل الرقم الى 200 ألف فدان.. بعضها صالح للزراعة على الفور.. ويمكن أن تزرع بمحاصيل تصلح للتصنيع والتصدير. وبسبب (شرق التفريعة) نشأت أرض تصل مساحتها الى 27 ألف متر مربع وتشبه الجزيرة وهي أرض مغرية للاستثمار السياحي وهناك تفكير عاجل بأن تطرح مسابقة عالمية ـ بتمويل من الجهاز التنفيذي للمنطقة الحرة ـ على بيوت الخبرة المختلفة لتحدد أفضل استخدام ممكن لها.. ولو كنت من الجهاز لسألت بيوت الخبرة بالمرة عن كيفية استعادة (بورسعيد) للمصطافين القدامى الذين يعشقونها والذين هربوا منها بعد أن أصبحت مدينة مزدحمة لبيع (الشامبو) والصابون.. خاصة وأن هذه المشكلة تؤرق الناس هنا الذين ينتظرون استعادة السياحة الداخلية لتكون أسرع وسيلة للرزق بعد كساد التجارة. وأعترف أنني تصورت أن مايقوله المحافظ ـ على وجاهته ـ نوع من (فض المجالس) كما يقولون.. خاصة وأن (بورسعيد) لم تتغير تغيرا واضحا رغم بعض النضارة الظاهرة على سطحها ووجهها.. لكنني أعرف الرجل جيدا وأعرف قدرته على الصدق والانجاز.. وقد راح بعد الندوة يقود سيارته المتواضعة بنفسه لنرى ماالذي فعله؟.. لقد تركنا الاحياء التجارية والاحياء الراقية التي كان الأجانب يسمونها أحياء (الافرنج) ودخلنا الى الاحياء الخلفية.. العشوائية.. وهناك اكتشفت محافظا يبدأ عمله من القاع.. ويتجه مباشرة نحو المواطن الفقير الذي لا سند له الا الله وأولياؤه الصالحون.. وقد فعل الرجل ذلك في هدوء واصرار وتواضع لم يلفت انتباه كاميرات التلفزيون وعناوين التحقيقات الصحفية. كانت هذه الأحياء مستنقعات وأكشاك صفيح وكرتون وحظائر للماشية.. وكانت هذه الأحياء مظلمة.. تتفجر بالشر والجريمة والارهاب والتطرف.. ويصعب على الشرطة نفسها أن تدخلها أو تقترب منها.. وكانت هذه الأحياء تستهلك ملايين الأمتار من الأراضي التي تعاني (بورسعيد) من ندرتها.. ومن ارتفاع أسعارها.. لقد بدأ المحافظ عمله في(نوفمبر) قبل الماضي بالنزول يوميا ـ بملابس بسيطة وحذاء خفيف من الكاوتش ـ لمدة ثلاثة شهور ليدرس على الطبيعة مستقبل هذه الأحياء العشوائية.. ولم يتردد في تجفيف البرك والمستنقعات.. وبناء مساكن آدمية قبل أن ينقل سكان العشش والأكشاك.. ومد شبكات عريضة جدا من الطرق.. وأوصلها بالكهرباء.. وأسعد البسطاء والفقراء الذين كانوا يعيشون على الهوامش.. ونجح في أن يوفر ملايين الأمتار من الأراضي.. يقترب ثمنها من المليار جنيه.. وعلى هذه الأراضي أقام أكبر مجمع للورش والحرف المختلفة.. وأكبر موقف لأتوبيسات نقل الركاب بين الأقاليم.. وعدد من الحدائق العامة جعلت الناس يخرجون من بيوتهم ليجلسوا فيها.. وقد كان من المستحيل أن يفعلوا ذلك من قبل والا كان الثمن حياتهم.. أو على الأقل عاهة مستديمة يعيشون بها. لقد تصور الناس في(بورسعيد) ـ بعد حادث الاعتداء على الرئيس ـ أن المحافظ الجديد جاء ليعاقبهم ويسيطر عليهم بسياسة الحديد والنار.. خاصة وأن تاريخ المحافظ العسكري كان في القوات الخاصة.. لكن الرجل الذي يحمل ـ بجانب رتبة اللواء ـ درجة الدكتوراه أيضا كان يرى أن السيطرة على الناس لا تكون بالقوة وإنما بعلاج متاعبهم المزمنة.. وتوفير أكبر قدر لهم من السكينة والاستقرار.. إن الإنسان لا يولد شرسا ولا شريرا.. ولكن الظروف التي يعيشها هي التي تدفعه الى العنف والجريمة.. وبهذا الفهم قرر المحافظ أن يبدأ من القاع لا من السطح.. من الأماكن المجهولة لا من الأماكن المأهولة.. أن يكون مع الأغلبية الصامتة المغلوبة على أمرها لا مع الأقلية الصارخة الغاضبة التي لا تكف عن الشكوى رغم كل ما تحظى به وتحصل عليه من مميزات وخدمات. إن معظم المحافظين الذين خدموا في (بورسعيد) كانوا يسلمون ارادتهم للنواب في مجلس الشعب.. فكان النواب عادة بمثابة حاجز عزلة بين السلطة التنفيذية والناس.. ولم يكن الناس يهتمون بما يجري في المكاتب المغلقة فقد كانوا منشغلين بالتجارة والبيع والشراء والمكسب الوفير وفي نهاية اليوم يجلسون على المقاهي يدخنون ويثرثرون ويتبادلون النميمة.. لكن ذلك الزمن تغير.. وأصبحت مشكلة تغيير مصادر الرزق هي المشكلة الملحة.. لذلك كان من الطبيعي أن يعود الناس للاهتمام بما يجري في المكاتب المغلقة.. وأن لا يقبلوا بالحواجز التي كانت بينهم وبين المحافظ.. وهو ما استوعبه وبادر به الدكتور مصطفى كامل.. إنه يكاد يعرف الناس في الأحياء والشوارع الخلفية بالاسم.. فهم يدعونه في بيوتهم المتواضعة على كوب (شاي) وهو من جانبه يتدخل لحل مشاكلهم الصغيرة قبل الكبيرة. ولابد أن شخصية (أبوالعربي) التي تنسب للبورسعيدية والتي تميل الى المبالغة في قدرات صاحبها وشطارته الأسطورية لم تعد موجودة بالوفرة التي كانت عليها.. لقد كانت هذه الشخصية هدفا لموجة عارمة من النكات المصرية اللاذعة.. والبورسعيدية أنفسهم لا يترددون في أن يرددونها.. إنهم جزء أصيل من نسيج هذا الشعب الذي يسخر من نفسه عندما لا يجد من يسخر منه والذي تعوضه النكتة عن أشياء كثيرة يفتقدها ويعاني منها.. إن شخصية (أبو العربي) ازدهرت بالتجارة وانكمشت بتراجعها.. وعلى أنقاضها تولد الآن شخصية جديدة.. تريد أن تفتح صفحة جديدة مع الرزق.. شخصية تؤمن بالتعليم والتدريب والعمل الجماعي والتدرج الوظيفي.. لكنها تبحث عمن يمد يده اليها. ـ كاتب مصري