وتظل المدن كالنساء.. تلك المقولة الأقرب إلى الحقيقة التي يرددها أغلب الشعراء والأدباء والفنانين في حلّهم وترحالهم أصبحت واقعاً تفرضه ثقافة المدينة والمدنية، فالمدينة بكل ما تحمله من أسرار وحكايات ومواقف وتاريخ وفنون ووقائع ودسائس وسياسة وتوسعات وأحلام لمشاريع قادمة هي في واقع الأمر سيدة تزهو بالأنوثة والدفء والاحتضان والعشق، إما تحتويك بكل عاطفة وتواصل واستمتاع، وإما تلفظك وتبعدك عن حضنها وصدرها واستقراء ما تبوح به عيونها. وهكذا نحن نغامر من أجل تلك العيون، ونعتقد اننا نعرف أسرارها أكثر من غيرنا، وفي كل مرة نخسر الرهان، ونفقد جزءًا من صوابنا أمام تلك المدن الرائعة المثيرة. ولكن ما الذي يعجبنا في تلك المدن، ولماذا نتعلق بواحدة منها ونعقد ميثاق صداقة وحب ورباط أحياناً يكون مقدّساً لا فكاك منه؟! الاجابة فيما تقدمه المدينة لنا، فأحياناً نجد في مدينة بعينها ما لا يتوافر في أخرى، وأحياناً تدخل عادة التعود في فرض نفسها أمام الخيارات المتعددة وتتغلب على الأشياء الأخرى، وتصبح المسألة بالتالي مسألة ذوق واختيار مثلها في ذلك مثل الألوان والسيارات والفنادق والنساء، والأشياء المختلفة الأخرى. فأنت لا تدري لماذا يفضل شخص ما اللون الأزرق في اختياراته، فهو يختار القميص الأزرق وربطة العنق الزرقاء والبدلة الزرقاء والسيارة الزرقاء، وكل ذلك طبعاً دون ترتيب أو تعمد. ومثله من يفضل فندقاً معيناً لسكنه أو من يعجبه وجهاً نسائياً معيناً يفضله على كل الوجوه. وعندما يصبح السفر عادة يفضل الكثيرون تواصل تلك العادة فيختارون ما يسميه علماء النفس الصدمة الأولى أو لغة الانبهار، وبالتالي تصبح أول مدينة أحدثت الدهشة وأدخلتها في النفس هي الأجمل والأرقى والأفضل والأحسن على الاطلاق بالنسبة إليهم، فيرون ان نظامها الحياتي هو الأفضل على مستوى العالم، وكذلك مطاراتها وفنادقها وشوارعها وناسها ومقاهيها ومحلاتها التجارية وتطبيقاتها السياسية وأنظمتها الاقتصادية وهكذا، فكل ما يفعله المليح مليح. وشخصياً أعرف كثيرين لهم وجهات سفر معينة وعادات وأنماط في تعاملهم مع الاجازة الصيفية لا يغيرونها، ولا يبحثون عن البديل، وهم في ذلك لهم فلسفتهم ومنطقهم وأفكارهم الخاصة، ورغم اتهام بعض أصدقائهم بأنهم نمطيون في قضاء اجازاتهم إلا انهم لا يردون على ذلك لأن مزاجهم وراحتهم مرهونان بذلك. ومن بين تلك الوجهات الأوروبية التي يشدّ إليها العرب رحالهم تظل لندن هي الوجهة الأكثر قرباً للكثير منهم، والأفضل لبعضهم، كون ان اكثرهم عرفها عن قرب، وتعامل مع مفردات الحياة اليومية فيها، وفهم منطقها، كما ان لندن بعكس المدن الأوروبية الأخرى التي تتكلم لغات أخرى، فهي تتكلم «عربي» بفضل الجالية العربية العريضة التي تقطنها، وتصبغ الحياة اليومية بأهلاً وسهلاً ومرحباً، وعبارات أخرى سواء كانت ترحيبية أو تسويقية، وهذا قلما تجده في عاصمة أو مدينة أوروبية أخرى سوى في بروكسل التي أصبحت لندن الثانية بفضل الجالية العربية وخاصة من شمال أفريقيا. ورغم ان الكثيرين في ظل الأزمات الاقتصادية الطاحنة التي تجتاح العالم بدأوا في تغيير وجهتهم وأخذوا يختارون مدناً باردة وأقل غلاء من لندن الحارقة إلا ان ذلك لم يعفهم من المرور إليها ولو لأيام عدة يسجلون فيها حضورهم. وقد التقيت شخصياً ببعض الأصدقاء من مدمني لندن في مدن أوروبية أكدوا على انهم لم يغضوا الطرف عن لندن، لكن نتيجة للغلاء الفاحش الذي يتخلل جسد المدينة فضلوا ان تكون لندن محطة أخيرة قبل العودة إلى بلدانهم. وهذا يأخذنا إلى محطة أخرى أو حكاية أخرى سمعتها من أحد الأصدقاء، فقد أخذ هذا الصديق والدته وجدته وكان ذلك في بداية الثمانينيات، أخذهما في الاجازة الصيفية إلى لندن، وأعقبها بزيارة ثانية في العام، وكانت الأم والجدة تجلسان في شرفة احدى الشقق المفروشة تحتسيان القهوة وتنعمان بالنسمات الباردة التي تداعب وجهيهما، وتتذكران فاطمة بنت حميد وعفراء بنت عتيق وجلساتهن الجميلة. وكانت الأم والجدة ترددان في كل التفاتة ونسمة وحديث عبارة «يا حافظ على لندن» وتتذكران تلك الأيام والساعات الجميلة التي مرت كالنسمات الناعمة التي تتخلل جوانبهما. ويردف الصديق انه في العام التالي غيّر وجهته فأخذ أمه وجدته إلى تركيا لقضاء اجازة الصيف، وقد استأجر شقة مفروشة بها شرفة تطل على حديقة عامرة، فجلست الأم والجدة في جو تداعبه النسمات الباردة وتتخلله فناجين القهوة، وبشكل لا ارادي كما يقول الصديق رددت جدتي «يا حافظ على لندن»! وهنا لم يتمالك الصديق نفسه وقهقه ضاحكاً: اننا يا جدتي في تركيا، فضحكت الجدة وتبعتها الأم ضاحكة، وهي تقول: لندن علينا صارت الزام لو حنا نسينا ما نستنا عموماً هكذا تطل لندن بوجهها، إلا ان بروكسل بدأت خلال السنوات الأخيرة الماضية تستأثر بحصة كبرى من السائحين العرب وخاصة من الإمارات يساعدها في ذلك خدماتها المتوافرة، ورخص أسعارها والنشاط العربي المحموم في العاصمة البلجيكية، فالأرض تتكلم «عربي» في بلجيكا، ولا عجب إذا عرفنا ان 55 بالمئة من سكان بروكسل عرب! وأخيراً لا نقول إلا: يا حافظ على بروكسل.