المرء لا يعتريه الملل، ولن تصيبه عقدة التكرار، لو ظل يدقّ ناقوس الخطر حيال ما يجري من استباحة لذوقنا وسلوكياتنا، تمارسها برامج معيّنة في بعض الفضائيات العربية. وإذ يطرق أحدنا هذا الموضوع مجدداً وفي كل وقت، فلأن الأمر يستوجب من كل حريص القيام بالمبادرة، فإن لم يستطع بالسيف وهذا ليس وارداً، فالأجدى ان يكون بالمناشدة وذلك أضعف الإيمان: ارحموا الناس وخفّفوا من غلواء الرداءة التي تصفع عيوننا وآذاننا كل ليلة. قد يبادر معترض على هذا الكلام بالقول: هذا الـ «ريموت كونترول» أمامكم وتستطيعون اختيار ما تريدون مشاهدته، بدلاً من الاصرار على ملاحقة برامج اللهو والتسلية! ولن يكون الرد على هذا الكلام جديداً، إذا رفضنا حرية التصرف على الهواء، وكأن الشاشة باتت ملكاً لمن يستعرض مهاراته في الرداءة، يدخل البيوت من دون استئذان لإيصال صرعاته وحركاته الفارغة من أيّ مضمون ترفيهي. ما نشاهده يومياً على أكثر من فضائية عربية، وأقول عربية تحديداً، كوننا معنيين بترتيب بيتنا، الذي باتت نوافذه مشرعة وأبوابه مفتوحة على كل وافد ودخيل من صرعات وأساليب تقديم كأننا أمام «سيرك» تهريج أو استعراض في أحد الأندية الليلية. لن أدخل في «أدْلجة» هذه القضية لأتساءل: أين هذه البرامج من احترام قضايانا المصيرية، وهي عديدة وشائكة؟ فالقضية هي محاولة تصويب ليس إلا، لذا فإن ما يجب فعله هو محاكمة هذا المشهد النافر والمقزز الذي يقدّم تحت عنوان المرح والتسلية، ويزعج حتى أكثر الناس حباً باللهو ومشاهدة الجميلات! وماذا ينفع الجمال إذا تحول إلى سلعة رخيصة لأجل عيون الإعلان؟.. ومن قال إن الترفيه يتطلب أجساداً شبه عارية تتمايل على الشاشة الصغيرة أمام أفراد العائلة صغاراً وكباراً؟ وتالياً.. من يضمن حماية أفراد الأسرة الآخرين، إذا بادر أحد أفرادها المنزعجين من هذه البرامج إلى تغيير القناة، فهل سينتهي الأمر عند هذا الحد.. بالطبع لا. وإذ نتحدث عن الرداءة، فإنها تشمل قنوات عدة، والاستنساخ قائم على قدم وساق، وفيما نشاهد برنامجاً فنياً على هذه المحطة نرى نسخة شبيهة به على أخرى، ولا اختلاف بينهما سوى في المقدمين والجمهور، بينما يتنقل الفنانون الضيوف فرحين بهذه المساحة المتاحة لهم للمشاركة في هذه العراضات المشروخة! لا يمكن لأي عاقل ان يستوعب هذا الهرج السخيف الذي يطل علينا في مواعيد متنوعة على مدار الاسبوع، كأن تطلق احدى المذيعات قبلاتها على الهواء للمشاهدين «الأحباء» أو تستلقي على سرير ورديّ كأنها شهرزاد في «ألف ليلة وليلة» ويصل بها الأمر مساء الخميس الماضي لأن تجلس وضيفتها الفنانة الصاعدة على حافة بركة السباحة، وكلاهما تضع قدميها العاريتين في الماء، وسط جو يسوده هرج وضحكات، وكلام لا طائل منه. وعلى قناة أخرى، تترك المذيعة الميكروفون لتتحول إلى راقصة استعراضية تشارك ضيوفها وصلتهم، فيما المزاح السوقي يصل إلى أقصى مداه! هذه بعض النماذج التي تصفعنا بها فضائيات عربية، وحتى لا يتهم المرء بالتحامل، فلابد من التنويه بأنه في مقابل «وجبات» لا طعم لها، تبث هذه المحطات المتناقضة في برمجتها حتى الدهشة، برامج تتناول قضايا جوهرية في المجتمع على كافة المستويات. وهنا يجدر بنا التساؤل: أليس من الأجدى ان ينشأ توازن بين المتعة والفائدة، يتيح للتسلية والترفيه مساحة بث توازي ما يقدّم من مواد اعلامية جادة، على ان يكون هذا الترفيه مقترناً بالافادة وبعيداً عن الاستعراضات الفارغة؟ تلك هي المسألة.. وغني عن التذكير بأن ما شهدته محطاتنا التلفزيونية أيام الأسود والأبيض وفي بدايات البث الملون قد يصلح مثلاً يحتذى، حيث لم ينس أحد رياض شرارة ونجيب حنكش وسونيا بيروتي ونجوى ابراهيم وغيرهم الكثير من مقدمي البرامج المنوعة الذين أمتعوا المشاهد العربي طويلاً بأسلوبهم الراقي والممتع.