قبل 28 عاما دخل فريق اغتيال تابع لجهاز الموساد الاسرائيلي العاصمة اللبنانية بيروت عن طريق البحر في وضح النهار. ووفق خطة جاهزة اقتحم الفريق الاغتيالي بناية سكنية على الساحل في شارع الفردان.. وبدم بارد قتل ثلاثة من أبرز وأهم قيادات منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك: محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر. وبمثل السرعة الخاطفة التي دخلوا بها فر اعضاء الفريق في قارب آلي الى الساحل الاسرائيلي دون أن يعترضهم أحد. هكذا كان الحال في لبنان النصف الأول من عقد السبعينيات. ويبدو الآن ان هناك من يخطط لعودة لبنان الى حالته الماضية تحت شعار المطالبة «بتصفية الوجود السوري» من على الارض اللبنانية. في ذلك الماضي غير المأسوف عليه كان لبنان بلدا بلا سلطة حكم وطنية منضبطة.. وعلى هذا النحو كان أرضا مستباحة تماما لأجهزة الاستخبارات الأجنبية، خاصة الموساد الاسرائيلي ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. وعندما اندلعت الحرب الأهلية الطائفية في منتصف السبعينيات لتظل مشتعلة ومتصاعدة حتى مطلع التسعينيات، تضاعف النشاط الاستخباري الاسرائيلي والأمريكي مع الانهيار الكامل للسلطة المركزية. الآن وبعد أكثر من عشر سنوات من استقرار الحكم في لبنان في اعقاب «اتفاق الطائف» الذي وضع نهاية للحرب الأهلية، وقيام سلطة منضبطة تفرض هيمنة شرعية على كل انحاء البلاد بعد ان انبثقت من عملية انتخابات عامة، فان لاسرائيل والولايات المتحدة وقوى غربية أسبابا «وجيهة» لاعادة عجلة الزمن الى السبعينيات والثمانينيات. ففي بحر السنوات العشر من الاستقرار السياسي استطاعت قوى المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة «حزب الله» ان تجبر اسرائيل على تصفية احتلالها لأرض الجنوب اللبناني، فخرجت قواتها تجرجر أذيال هزيمة حاسمة هي أول انتصار عربي ضد الدولة اليهودية الصهيونية منذ قيامها قبل أكثر من نصف قرن. وعلى خلفية الدعوة المتصاعدة اليوم للمطالبة بتصفية الوجود السوري نطرح سؤالا: هل كان من الممكن للبنان ان يستعيد نفسه دون الدعم السوري؟ ان الدعوة باقصاء الوجود السوري من المشهد اللبناني، لا يمكن اطلاقا ان تكون دعوة منطلقة من فراغ، وبالتالي لا يجوز النظر فيها بمعزل عن الظروف الاقليمية الاستثنائية السائدة في منطقة الشرق الأوسط. ارتفع صوت اصحاب الدعوة أولا فور الانتصار النهائي الحاسم للمقاومة اللبنانية وفقدان اسرائيل أرض الجنوب اللبناني، وكأنما كان أصحاب الدعوة متربصين لاثارة مسألة الوجود السوري تحينا لفرصة ملائمة علما بأنهم اتخذوا موقف المتفرج طوال مرحلة الحرب التحريرية ضد الاحتلال الاسرائيلي. وعلى الصعيد الخارجي تتزامن الدعوة مع اندلاع حرب تحرير عربية اخرى تجري على الأرض الفلسطينية ضد احتلال اسرائيلي اخر يتخذ طابعا استيطانيا. كأن هناك هدفين: تخذيل المقاومة اللبنانية في الماضي القريب.. وجذب الانتباه بعيدا عن المقاومة الفلسطينية في الحاضر المعاش. وفي كلا الحالين فان الهدف الأعظم هو استعادة لبنان الفوضى ولبنان الفتنة. والخطوة المحورية في هذا الاتجاه تتمثل في اخراج سوريا. وللدعوة المشبوهة ظاهر وباطن فالمطلوب ليس اخراج القوات العسكرية السورية، وهو الظاهر، بقدر ما هو وضع نهاية للوجود الاستخباراتي السوري ليخلو الجو للموساد الاسرائيلي ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية للانفراد بالساحة السياسية اللبنانية كما كان الحال في السبعينيات والثمانينيات. ولو تحققت هذه الأمنية التي تمثل المحرك الأساسي لدوافع المطالبة بتصفية الوجود السوري، فان من المحتم ان يرتد لبنان الى ذلك الماضي البغيض حين كان قاعدة أجنبية للتآمر بشتى صنوفه ضد الأمة العربية.