اما آن الأوان لأن تتحول السلطة الوطنية الفلسطينية الى حكومة ائتلافية وطنية تمثل كل ألوان الطيف السياسي الفلسطيني؟ ان هناك فجوة واسعة بين العمل القتالي على الصعيد الميداني وبين العمل السياسي والدبلوماسي على الصعيد السلطوي. وقد ظلت هذه الفجوة تتنامى خلال الاحد عشر شهرا الاخيرة منذ اندلاع الانتفاضة في اواخر سبتمبر الماضي. وهي تزداد اتساعا بصفة خاصة كلما نفذت عملية استشهادية وكلما بدر من السلطة الفلسطينية تحرك سياسي أو أمني او دبلوماسي يوحي برغبة في التراجع عن نهج المقاومة أو تبخيسه. لكن مع صعود أسهم المنظمات الجهادية ـ «حماس» و«الجهاد الاسلامي» تحديدا ـ بتوالي العمليات الاستشهادية الباسلة داخل العمق الاسرائيلي، ارتفعت مؤخرا حدة الأصوات الشعبية التي تطالب بتكوين حكومة وحدة وطنية بمشاركة كل القوى السياسية الرئيسية بمختلف توجهاتها. فما هو موقف قيادة السلطة الفلسطينية تجاه هذا المطلب الشعبي؟ لقد فاجأ وزير الاعلام الفلسطيني ياسر عبدربه الساحة السياسية بتصريح يجوز تفسيره بأنه تجاوب مبدئي مع المطالبة الشعبية باشراك «حماس» و«الجهاد» في جهاز الحكم. فقد أعلن عبدربه انه سيتم «قريباً» تشكيل لجنة برئاسته «للشروع في حوار وطني مع كل المنظمات والاحزاب». وقياسا على خلفية التطورات السياسية التي صاحبت هذا التصريح المهم فانه ليس من غير المعقول ان هذا «الحوار الوطني» سوف يسير في اتجاه حكومة وحدة وطنية. لكن هناك بنفس القدر من المعقولية المنطقية تفسير آخر محتمل. فقد يكون هذا التصريح موجها من الرئيس عرفات صوب واشنطن كبالون اختبار ليس الا. فالرئيس عرفات يدرك كم هو مفزع للولايات المتحدة ـ واسرائيل بالطبع ـ ان يكون في مواجهة حكومة شارون أو اي حكومة اسرائيلية مستقبلية قادة حكم فلسطينيون من أمثال محمود الزهار قطب «حماس» ورمضان شلح قطب «الجهاد»، عوضا عن شخصيات «براجماتية» من طراز عريقات وشعث ونبيل عمرو. واذا سرنا بهذا التفسير الى مداه الاقصى فانه سيعني ان هدف عرفات ينحصر فقط في محاولة ترعيب واشنطن لكي تضغط على اسرائيل. وسواء أكان هدف عرفات النهائي هو تحقيق خطوة جادة باشراك «المتطرفين» في آلية صنع القرار الفلسطيني كزملاء في الحكم، أو مجرد محاولة تحريك واشنطن في اتجاه يخدم الحقوق الفلسطينية عن طريق تفزيعها، فان المراقب الموضوعي للمشهد الفلسطيني الفائر لا يملك الا ان يتساءل: الى متى يستطيع عرفات مقاومة التيار الشعبي العارم المطالب بحكومة وحدة وطنية؟ هذا التساؤل يكتسب إلحاحا لا يمكن للرئيس عرفات تجاهله بحال من الاحوال عندما يصدر بصفة خاصة من كوادر قيادية تنتسب الى حركة «فتح» الفصيل النضالي الذي يرعاه عرفات نفسه. في هذا الصدد يقول مروان البرغوثي امين سر فتح: «ان كل من يساهم في الصراع ضد الاحتلال الاسرائيلي وقدم تضحيات، ينبغي ان يكون له الحق في المشاركة في عملية صنع القرار حول مستقبل الشعب الفلسطيني». ولا نحتاج لعبقرية تفكيرية لنستنبط دون تردد ان البرغوثي يشير الى «حماس» و«الجهاد» بصفة خاصة، فهو الشريك الأول لكوادرهما القيادية في العمل القتالي الميداني على صعيدي التخطيط والتنفيذ. في حقبة «اوسلو» التي امتدت لسبع سنين منذ عام 1993 كانت عناصر «حماس» و«الجهاد» هي الصيد المفضل لرجال الأجهزة الأمنية التسعة التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، باعتبارها عناصر «معادية لعملية السلام». لكن شتان بين عهد وعهد، فقد تبدلت الظروف بصورة جذرية وشاملة، لدرجة ان عرفات نفسه صار مدفوعا من وجهة النظر الاسرائيلية الشارونية بأنه «ليس شريكا في عملية السلام». واذا كان لكل عهد رجاله فانه قد آن الأوان لاعادة النظر في التركيبة القيادية الحاكمة في فلسطين بما يؤدي الى ردم الفجوة بين العمل القتالي والعمل السياسي.