إن المتأمل في حال العرب وتصرفاتهم المتناثرة هنا وهناك بشأن معالجة أمور الانتفاضة يعتريه شعور بالخوف يكاد يبلغ حد اليأس. لقد تأكد أن العرب بصدد أزمة مصيرية يرتجف من خطرها العالم، بينما هم يعلنون تمسكهم بالسلام «خياراً استراتيجياً» في حين أن عجزهم عن العمل من أجل السلام أخطر من عجزهم عن خوض الحرب! انه افضل للعرب، تأسيسا على الوقائع، ان يتشاوروا الآن في كيفية مواجهة مخاطر السياسة الاسرائيلية على جميع النظم. ذلك أن الصهيونية الشارونية التي تحكم بالتوراة التي وضعها حاخاماتهم ، تعد لحرب عدوانية اقليمية تبدأ بابادة الفلسطينيين الذين افتى الحاخامات باستئصالهم، الموج المتلاطم، يتلاعب بالمسئولين العرب فلا يهديهم الى وسيلة لخلاص انفسهم، قبل كل شيء، بل يأخذهم الى متاهات جديدة تضيع فيها الرؤى السليمة. قبل الانتفاضة كان القادة يأخذون على عرفات انه يقبل ضغوط امريكا ويقدم التنازلات. ولما قرر الفلسطينيون ان الانتفاضة طريق الحرية والاستقلال والخلاص، عندها قرر العرب ان يتولوا القضية بدلا من ترك القارب الفلسطيني يترنح. وقد أوصلوا بذلك الفلسطينيين الى الالتزام بقضيتهم وقرر هؤلاء ان عليهم البقاء في الحضن العربي وان يقاتلوا، فيما لم يقاتل اجدادهم في عام 1948 على النحو المطلوب والمخطط، حتى لا يقعوا في مصير اسود عاشوه خلال اكثر من نصف القرن الماضي بعد نزوح الجيل الفلسطيني من الاجداد والاباء في عامي 1948 و1967. بالمختصر قرر الفلسطينيون الصمود والاستشهاد في أراضي الأجداد. توسع التيه لدى القادة العرب، لأنهم لم يرفعوا الصوت «للصديق الأمريكي» وظلوا يعتقدون ان الحل بالاعتصام بحبل أمريكا. ولما تخلت الادارة الامريكية عن اي اهتمام بهذا الصدد، في دعم واضح لشارون، قرر العرب ان «المراقبين» هم سفينة النجاة للفلسلطينين، والمراقبون المطالبون هم الذين توافق عليهم اسرائيل وهم بطبيعة الحال جواسيس، تأسيسا على ما حدث في جنوب لبنان. من سخرية الأحداث ان يتعلق أمل العرب الفلسطينيين، لحفظ الحق الادنى من حقوقهم في بعض ارضهم، وبقدر من السلامة فوقها، اليوم بالتوجه الى جلادهم. يتمثل ذلك في السعي لدى امريكا وأوروبا لكي تقوما بالضغط على اسرائيل، لتقبل بايفاد بعض المراقبين الدوليين الى الحدود» بين «المناطق» الممنوحة للسلطة الفلسطينية وبين الكيان الصهيوني، ليكون المراقبون شهودا على القتل اليومي والتدمير المنهجي لاسباب الحياة في تلك البقعة من الارض العربية. اسرائيل بطبيعة الحال ترفض المراقبين حتى لا تكسب القضية الفلسطينية عطفا دوليا، فيحصل الفلسطينيون على مساندة العالم. حكومة شارون ترى ان المسألة أمنية، لان على الفلسطينيين ان يضمنوا أمن اسرائيل بالعمل لها او بالهجرة الى البلدان العربية المجاورة او بالتعرض الى الفناء لتبقى ارض الميعاد للصهاينة. قبل خمسين سنة وقعت الهزيمة العربية في فلسطين بسبب الضعف والتشرذم وعدم الاستعداد لما كان يدبر للعرب، امام الصهاينة الوافدين من مختلف انحاء العالم، بأموالهم وسلاحهم وخبراتهم القتالية المكتسبة من خلال انتسابهم الى جيوش الحلفاء. ولم يستيقظ العرب من هذه الامراض المؤذية حتى الآن، كأني بأبناء الامة العربية يتحدثون عن خروج القادة العرب من فلسطين، ويهربون من ميدانها، تاركين الانتفاضة لمصيرها، ومتخلين عن دورهم الطبيعي (في حماية الذات) لما يسمى «المجتمع الدولي» بقيادة الولايات المتحدة الامريكية. كأن الذي ينجو اليوم سوف لا يأتي دوره امام الطغيان الصهيوني غدا. انهم يقرون بعجزهم ويتوجهون الى واشنطن التي طالما اعتبروها الحليف الاكبر والشريك الدائم لاسرائيل، كي تأخذ عنهم هذه المهمة الثقيلة، لقد باتت فلسطين هي العبء.. والعرب تركوا امورهم للولايات المتحدة واوروبا وهم يعرفون سلفا ان قرارها «اسرائيلي» ومعاد للمستقبل العربي. ان تبخيس قيمة انتفاضة الاقصى المباركة والاستهتار بأثرها الفاعل على المجتمع الصهيوني وتكتلاته السياسية، والسعي لحل غير عربي لاحتواء تفاعلاتها الدولية، ومحاولة مقايضتها برفع الحصار عن الضفة والقطاع، انما هو ابتزاز رخيص للفلسطينيين، واستمرار مقصود في معالجة الأمور بصورة خاطئة. انه ايغال متعمد في سياسة التخلي عن الواجب الوطني والهروب الى الامام. هو هذا الانهيار الذي نشاهده اليوم ولن يكون بحال سوى دفن الرؤوس بالرمال التي ستطغى على الوطن العربي بأكمله. بلغت خيبة الأمل العربية من الولايات المتحدة ذروتها، لكن تحالف بوش ـ شارون يعجب كيف ان العرب لا يتفهمون المواقف. انهم يتوقعون من امريكا ترشيد موقف اسرائيل، وهي تتوقع منهم قمع شعوبهم وقمع الفلسطينيين وانتفاضتهم. وعلى الرغم من كل ما يشاع، فان واشنطن لم تشعر بعد أن ثمة غضبا عربيا يستحق ان يحسب له حساب، لسبب بسيط هو ان المصالح الأمريكية ـ ادارة وشركات وصفقات ـ لم تتأثر بخيبة الأمل تلك ولم تمس بأي تهديد. ويرى شارون ان الفضل في ذلك يعود الى كامب ديفيد الأولى التي رسمت قمتها الناجحة خريطة جديدة للمنطقة العربية صعد فيها النفوذ الأمريكي الى أعلى المستويات خلال العقدين الماضيين. ولو قدم العرب لأمريكا كل مصالحها مرفقة بمجرد أمل أو تمنيات بأن توافق على «مراقبة دولية»، فانها تأخذ مصالحها وتضع «الفيتو» على أي طلب عربي. وفي الطرف المقابل ان غضب شارون سيؤدي الى حرمان بوش من الأغلبية في الكونجرس ثم انه لا يريد ان يصطدم بشارون كما حدث لوالده مع شامير. للمرة الثانية خلال خمسة شهور تخذل اسرائيل مصر وتتعامل معها بالخداع، وتحاول توظيف الحوار معها لتمرير مشاريعها المتطرفة. المشكلة ان شارون لديه خطط عسكرية كـ «بديل» من «عملية السلام» وليس عند العرب مثل هذا البديل، وأمريكا لا تحترم سوى القوي حتى لو كان مغامرا بتخريب عملية السلام التي يمكن ان يكون لها بصمات قوية فيها. تفتك الهمجية الاسرائيلية بأبرياء حقيقيين، ولا يتوقف الاعجاب الامريكي عن التدفق الى قلب اسرائيل فيزيده شجاعة وحياة وحيوية. ماذا يختبيء تحت الحضيض العربي؟ هل يعقل ان تكون ظهورنا قد انحنت الى ملامسة التراب بعد ان لسعتها السياط الاسرائيلية لاكثر من نصف قرن؟ كما يقول وليد الحسيني. هل يمكن ان يكون العرب على حق في تأجير ضميرهم وتمليك قراراتهم لاسرائيل؟ اي سلام ننتظر؟ فمهما بحثنا عن العدالة، ومهما قدمنا من ادلة عن الظلم، فلن يجد العالم في انسانيتنا سوى وحشية يجب سحقها، ولن يجدو في تسامحنا ومعاهدات تصالحنا مع العدو سببا تخفيفياً. ففي نظر العالم ستبقى الضحية العربية قاتلا، وسيبقى القاتل الاسرائيلي ضحية. لقد بلغ التخاذل مداه والضعف اوجه، ويخشى الكثيرون على الانتفاضة المستمرة ان تتعرض لمؤامرة تنهي الى الابد اي صورة مضيئة للمستقبل العربي. ان الصمت داء قاتل فهو اما مريب او موافق على ما يجري او متآمر وكلها معانٍ مشؤومة. مرة اخرى سحقت المصالح العربية وانتعشت المصالح الامريكية والاجنبية في الوطن العربي دون ان يصب هذا الوضع غير المتكافيء في كرامة العرب. ـ كاتب سوري