حكايات التدليس السياسي في التاريخ كثيرة، أكثرها مرعب وحقيقي، ويكشف في كثير من الأحيان عن حقيقة بعض السياسيين الذين لا يتوانون عن ابتداع الأكاذيب للوصول إلى السلطة أو تثبيت أقدامهم فيها، ولكن للأسف لا نعرف حقيقة معظم تلك الأكاذيب إلا عندما يتم رفع الأختام الرسمية عنها التي تستخدمها السلطات القائمة للتدليس على الناس تحت شعار «سري جدا»، ولا يتم الكشف عن هذه السرية حتى تأتى سلطة أخرى يهمها رفع السرية لتعرية السابقين بعد أن حققوا أهدافهم كاملة، ولكنها تبقي على سرية «حقائقها» لاستخدامها لتحقيق الأهداف نفسها. روايات المواجهة بين الأنظمة السياسية القائمة والجماهير، على مر التاريخ، فيها الكثير من الأكاذيب والقليل من الحقائق، ومعظم الأعمال المسلحة التي تشغل الناس ليل نهار وتجعلهم يعيشون في رعب دائم من تلك القوى السوداء الغريبة المستترة التي ترتكب الجرائم ليلا، وأيضا الرعب من ردة فعل رجال النظام الذين يعيثون فسادا في الأحياء الفقيرة خصوصا تحت شعار حمايتهم من تلك الأيدي السوداء المزعومة. ومن حكايات التاريخ أن العاصمة البريطانية لندن واجهت مع بدايات القرن العشرين موجة من أعمال العنف التي تركزت في الأحياء الفقيرة منها والتي قابلها البوليس بأعنف منها، وكانت كل البيانات تؤكد أن تلك الأعمال تقوم بها جماعات «فوضوية»، في وقت كانت فيه الفوضوية مرادفا لمعاداة النظام أي نظام، ولا تقدم بديلا للنظام القائم سوى الفوضى، ومن هنا كان الرعب من أن يتمكن هؤلاء من إسقاط النظام القائم، أو حتى زعزعة الثقة فيه، وفي ظل الرعب من وقوع هذا كان الناس يصدقون بيانات الحكومة ويثنون على وزير الداخلية. انكشاف الوهم ظل هذا الرعب مسيطرا على لندن لفترة عمت فيها فوضى حقيقية، لكن حقيقة هذه الأعمال لم يكن يعرفها سوى رجال الشرطة أنفسهم، لأنها كانت تتم تحت السيطرة الكاملة لهم، بعد أن أرسلت وزارة الداخلية برجالها السريين لاختراق تلك الجماعات «الفوضوية» التي لم تكن سوى جماعات من العاطلين ينتمي إليها أعضاؤها كبديل لرفض المجتمع لمساعدتهم من خلال العمل على رفضه، وأعمالهم الحقيقية لم تكن منظمة ولا تشكل خطرا على أحد، وهدفهم لم يكن سوى الحصول على قوت يومهم، وكثيرا ما كانوا يهاجمون مخزنا تجاريا ويدمرون أبوابه ليحصلوا على غذائهم وتبغهم اليومي ويتركون ما عداه. لكن رجال البوليس السري الذين اخترقوا تلك الجماعات الفوضوية البائسة لم يجدوا في نشاطها ما يثير الرعب، ولان مهمتهم مساعدة النظام السياسي القائم، فقد قرروا هم التحرك بجماعاتهم لتكون رعبا حقيقيا في المدينة، وخطط كل منهم لجماعاته لتكون أعمالها اكثر إيلاما للمجتمع، وتفتح المجال للبوليس الرسمي لممارسة العنف ضدهم. في البداية كان كل رجل بوليس سري يحتل زعامة جماعته يعتقد انه الأكثر ذكاء، وان عمله هذا جهد منه لكشف زعامات الجماعات الفوضوية الأخرى، ولكن فجأة اكتشف كل منهم أن زعماء الجماعات الأخرى لم يكونوا سوى بوليس سري مثله، وان تلك الجماعات الفوضوية التي كلفتهم وزارة الداخلية باختراقها مجرد وهم لا وجود له سوى في عقل وزارة الداخلية نفسها. ورغم هذا الاكتشاف المذهل ظلت وزارة الداخلية البريطانية تنفذ خططها دون أن تلتفت إلى تقارير رجالها من الزعامات الفوضوية المزعومة، وبدأ الحديث يتركز على مجموعات من المهاجرين من المستعمرات الذين تقول الوزارة أن هدفهم الانتقام من «بريطانيا العظمى» وممارساتها غير الإنسانية في تلك المستعمرات. وبرزت من تلك الجماعات المزعومة جماعة يقال أنها كانت مكونة من مهاجرين «لتوانيين»، وان زعيمهم يدعى «بيتر الليتواني»، واستمرت دعايات وزارة الداخلية البريطانية تغذي الإعلام والدعاية والعقول بكل ما هو مرعب ومنسوب لتلك الجماعة، حتى تحول زعيمها إلى ما يشبه الأسطورة «السوداء»، واصبح الناس على استعداد لقبول أي عقاب يقع على هذا «الليتواني» وجماعته، بما فيه الإعدام أو الصلب، أو أي طريقة أخرى تجعله عبرة لغيره من الفوضويين. وكما تقول الوثائق فإن البوليس البريطاني تمكن من محاصرة جماعة بيتر الليتواني في شارع سيدني اللندني، وقامت وزارة الداخلية بإرسال مئات من رجال البوليس المدعومين بمئات من قوات الجيش الخاصة تضم جماعات من الفيالق الهندية والاسكتلندية المسلحين بكل أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة. بل أن وزير الداخلية حينها «ونستون تشرشل»، الذي صنع شهرته كسياسي فيما بعد بفضل مثل هذه الأعمال، قرر أن يقود بنفسه عمليات القضاء على «بيتر الليتواني» وجماعته، واحتياطا لما يمكن أن يحدث من انفجارات أثناء اقتحام المنزل الذي تحصن فيه الليتواني تم استدعاء رجال المطافئ، وتم اتخاذ جميع أنواع التدابير الأمنية أثناء عملية الاقتحام. تم الاقتحام في معركة مشهودة، ولكن شهودها أكدوا إنها كانت معركة من جانب واحد، لأن جميع الأسلحة كانت موجهة من جانب البوليس والجيش، ولم تصدر طلقة واحدة أو أي شئ يدل على المقاومة من داخل المنزل المحاصر، وبعد انقشاع الدخان عن المنزل الذي تم تدميره بالكامل، لم يعثروا فيه سوى على جثتين لشخصين اثنين، ولم يعثر معهما على أي نوع من أنواع الأسلحة، وقيل أن إحدى الجثتين هي لبيتر الليتواني، رغم انه ليس هناك أي دليل على أن هذا البيتر كان حقيقة موجودا على قيد الحياة، ولم يكن وهما من صنع وزارة الداخلية البريطانية. تراجيديا العولمة ونظرا إلى أننا نعيش في زمن العولمة، التي تؤمن بالربح اللامحدود لرأس المال بغض النظر عن تأثيرها السلبي على حياة المواطنين، فقد اصبح كل شئ يتم من خلف ظهر الجماهير التي تنتخب تلك الحكومات، لتتحول إلى مجرد حارس لمصالح الشركات، ومع بروز مأساة سلبية الديمقراطية المعاصرة، قررت جماعات مختلفة إعلان سخطها على تلك الممارسات اللاديمقراطية، وانتهزت فرصة القمم الاقتصادية للإعلان عن رفضها لتلك السياسات التي لم يستفتها أحد في تخطيطها وتنفيذها على الرغم من الشعارات الديمقراطية التي يرفعها السياسيون، وبما أن معظم من يحتجون ويعلنون معارضتهم لهذا النوع من العولمة يعلنون ذلك بشكل سلمي، سواء بالتظاهر أو الكتابات المناهضة، فقد بدأت تلك الجماعات تأخذ شكل «الحركة المنظمة» المناهضة للنظام القائم، وبدأت هذه الجماعات تكتسب جماهيرية واسعة وتجذب وسائل الإعلام لتبث رسائلها من خلالها. وبما أن ما تقوله تلك الجماعات عن السلبيات الاجتماعية للسياسات الحالية للعولمة الاقتصادية صحيحا ولا يمكن إنكاره، فقد وجد السياسيون أنفسهم في مأزق حقيقي، فقرروا العودة إلى الممارسات البوليسية القديمة. وبدأ تدريب وحدات من البوليس السري لاختراق تلك الجماعات السلمية المناهضة للعولمة، ومحاولة دفعها نحو ممارسة العنف لتبرير العنف الذي يمكن للأنظمة أن تمارسه ضدها، لأنه قبل ممارسة العنف البوليسي والقمع ضد المتظاهرين لا بد من إعداد الجماهير لتقبل هذا العنف، وهذا لا يأتي إلا عن طريق تصوير تلك الجماعات على أنها «فوضوية وعنيفة»، وعنفها لا هدف له سوى زعزعة الاستقرار وما يمكن أن ينتج عن ذلك من خسائر اقتصادية. فاشية جديدة لكن الجماعات المناهضة للعولمة انتبهت إلى هذا التكتيك البوليسي، لذلك قام أفراد من المناهضين للعولمة بكشف عدد من رجال البوليس السري في إحدى المظاهرات التي جرت في برشلونة بمناسبة عقد اجتماع البنك الدولي هناك، قبل أسابيع قليلة من «قمة الثماني في جنوة»، وتم الإمساك بعدد من البوليس السري خلال تلك المظاهرة، وعندما شعرت سلطات البوليس الأسباني أن أمر رجالها انكشف، قامت بحملة عنيفة هدفها المعلن وقف عمليات العنف التي يمارسها المتظاهرون في شوارع المدينة، أما هدفها الحقيقي والخفي كان تخليص رجالها السريين من المتظاهرين الذين امسكوا بهم وبدءوا يعرضونهم وهوياتهم أمام كاميرات التلفزيون. ورغم افتضاح الأمر، فان رئيس الوزراء الأسباني خوسيه ماريا ازنار أعلن دعمه لما قامت به قوات شرطته، لأنها كما قال «كانت تمارس عملها»، ويبدو أن رئيس الوزراء اعترف ضمنيا أن من صميم عمل «البوليس الديمقراطي» تصوير التظاهر السلمي على انه عنف هدفه القضاء على النظام الاقتصادي القائم الذي تمثل سياسته جزءا منه. الأمر نفسه حدث بعدها بأسابيع قليلة في «قمة جنوة»، التي بدأت بتصريحات من جانب الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن التي يحرض فيها الجماهير ضد المناهضين للعولمة، بتصويرهم بأنهم بمناهضتهم للعولمة «يحكمون على الفقراء بمزيد من الفقر»، دون أن يبين للناس سبب الفقر الحقيقي، سواء في العالم الثالث المتخلف الذي تعامله العولمة على انه مجرد «سوق لتصريف منتجاتها»، أو الفقر الذي يلف الملايين من الطبقات المنبوذة في الدول المتقدمة نفسها. أعقبت تلك التصريحات تصريحات أخرى مشابهة لرئيس وزراء إيطاليا الفاشستي الجديد «بيرلسكوني»، وعلى اثر ذلك تم التصريح للبوليس الإيطالي بممارسة عمليات قمع وممارسة عنف وصل إلى حد اغتيال أحد المتظاهرين، ليكون موت هذا المتظاهر قمة تراجيديا العولمة. هذه الأحداث تشبه تلك التي صورت ونستون تشرشل بطلا قوميا في حادث قتل «بيتر الليتواني» عام 1914 في لندن، ولكن علينا أن ننتظر ربع قرن، وربما اكثر، لنعرف حقيقة ما حدث في برشلونة وجنوة! ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا