حينما خرج نيلسون مانديلا من السجن في نهاية عقد الثمانينيات جاء في مقدمة طلباته رؤية جهاز الفاكس، لم تكن مخيلة الزعيم الافريقي قادرة ـ بعد 25 سنة في الحبس ـ على تصور العملية التي تنجزها تلك الماكينة الحديثة آنذاك، مانديلا يصلح انموذجا للعقلية السياسية التي تدير العالم حتى في عصر الكمبيوتر. السياسيون الذين وضعوا لبنات النظام العالمي القديم كانوا أقصر خيالا فقضية البيئة التي تشكل حاليا بندا ساخنا على الاجندة السياسية الدولية لم تغش تصورات اولئك الفطاحلة الذين بنوا الامم المتحدة غداة الحرب العالمية الثانية، اذ خلا ميثاق المنظمة الدولية من الاشارة الى مسألة البيئة. لم يكن بين قادة الدول الكبرى من يتصور ان المناخ سيصبح ازمة سياسية. ولربما نجد لهؤلاء العذر لكنا لا نستطيع التعاطف مع الرئيس الامريكي جورج بوش الذي يرفض تماما المساهمة في الالتزام بالعمل من أجل «عالم نظيف». نحن نعرف مليا ان بوش لا يجيد «اللعب النظيف» في السياسة وقد نعذره في نهجه هذا انطلاقا من ان السياسة هي في الاصل «لعبة قذرة» لكن حرص بوش على تعميم القذارة على كل المستويات معضلة تستوجب العلاج وليس التعاطف وقد يحتاج بوش الى تجربة مماثلة لمانديلا. بعض المراقبين قالوا ان بوش غير مقتنع بحديث العلماء عن خطر ماحق يهدد الارض، فالكلام عن ارتفاع حرارة الارض درجة واحدة يمكن أن ترحل المناطق المزروعة 300 كيلومتر لجهة القطبين مجرد هراء برأي الكاوبوي التكساسي. بغض النظر عن تقاطع مصالح الدول الكبرى مع الالتزام بالحفاظ على «عالم نظيف» فان بوش يجسد هو الاخر قصور العقلية السياسية التي تدير شئون العالم. فالثابت ان قضية المناخ ستزداد سخونة مع تعاظم سطوة العولمة، فالعلماء يحذرون من ان اتساع رقعة التصنيع وتصاعد وتيرة الانتاج سيضاعفان معدلات ثاني اكسيد الكربون بنهاية المئة سنة الاولى من هذا القرن ثلاثة اضعاف ماهي عليه حاليا ـ وسيؤثر ذلك سلبا على موارد المياه العذبة والرقعة الخضراء. بالطبع هناك قادة وسياسيون في العالم الثالث لايمنحون قضية المناخ ثلث ما يولونه لمسألة المزاج، وهؤلاء لايدركون ايقاع التغيير الذي يشهده العالم منذ ظهور الفاكس وحتى تطور جهاز الكمبيوتر الذي يؤدي 13 تريليون عملية في الثانية. المسألة في الاصل ازمة عقلية حداثية منذ ان وضعت الحرب العالمية الاولى عتادها وحتى تندلع الثالثة، فمن لم يستطع استيعاب النظام العالمي القديم لن يدرك مرامي النظام الجديد. فالعولمة لا تدفع فقط باتجاه تغليب مصالح الدول الصناعية الكبرى وانما تضعف في الوقت نفسه المنظومة السياسية للنظام العالمي القديم. فالامم المتحدة فقدت بريقها ولم يبق منها سوى مجلس الامن وهو يفعل ما يؤمر به ولا يفعل شيئا ولن يمر وقت طويل قبل ان يصبح المبنى النيويوركي الشاهق شاهدا على قبر، فقد برزت مجموعة الثماني اكبر نفوذا من مجلس الامن بخمسته الكبار. واستحدثت العولمة بنظامها الجديد منظومتها السياسية فعززت قبضة البنك والصندوق الدوليين واسست منظمة التجارة الدولية وبدأت هيئة الدولة القطبية تتكسر. وبدأ النظام العالمي الجديد تفكيك البنى التقليدية واستحدث مهاما جديدة لمؤسسات تقليدية لاتزال تثبت الحاجة اليها فاتجه التجسس مثلا الى الاقتصاد وابتكر نظاما حربيا جديدا ففتحت جبهات متعددة في حرب المعلومات والمخدرات والفيروسات وظهر شكل جديد للقرصنة هي القرصنة الالكترونية. نحن ـ في الشرق الاوسط ـ نترقب حربا حتمية ونسميها «حرب المياه» ولكن من يعد العدة لهذه الحرب يستعد لها بأسلحة تقليدية مع ان مفهوم الحرب المائية ليست في صيغة الجهات العسكرية التقليدية فحرب المياه ستدار على نحو آخر وليس بالجيوش.