لماذا يصر النادل في مطعم عربي على الوقوف إلى جانب طاولتك يراقبك وأنت تأكل أو تشرب أو تثرثر مع ضيفك؟ لماذا يصر صاحب المطعم على الجلوس خلف كاونتر الحساب ينظر إلى زبائن مطعمه ويرد بنفسه على الهاتف ويتولى عملية حساب الموائد؟ لماذا يصر الطباخ على استراق النظر من خلف كوة تفصل المطبخ عن صالة الطعام ويراقب الزبائن وهم يمضغون طعامهم أو يرشفون حساءهم؟ هؤلاء لا تجمعهم سوى شراكة واحدة عنوانها «نحن نطبخ وأنت تأكل» أو «أنت تدفع ونحن نقبض»، ذلك لأن التعامل مع الزبائن في مطعم عربي يقوم على مبدأ الطلبات المحروقة، كما هو حال الخبر المحروق في عالم الصحافة، حيث ان الخبر إذا نشرته إحدى الصحف أصبح خبراً محروقاً، ولا يمكن نشره ثانية، وهذا يعني ان طبق التبولة الذي يضعه النادل على طاولتك يصبح طبقاً محروقاً عليك ان تدفع ثمنه، ولا يمكن ان يرفعه النادل ويعيده إلى المطبخ أو أن يقدمه إلى مائدة أخرى، وفي هذه الحالة عليك أن تسأل النادل هل هذا الطبق لي؟ أو تستطيع ان تكون لبقاً أكثر باعتبارك من الذين يخجلون في التعامل مع مقدمي الطعام، وتقول للنادل: شكراً لأنك أحضرت لنا هذا الطبق، ولكننا لم نطلب هذا الصنف! عندها سيقول النادل المحنك والمدرب جيداً على التعامل مع زبائن من نوعيتك: هذا ضيافة على حساب المحل. لقد فاز النادل برضاك، فهو أو فهم كرماء لأنهم قدموا لك طبقاً على حساب المحل على مرأى من صاحب المطعم الجالس خلف كاونتر الحساب وتحت نظر الطباخ الذي يسترق النظر من مطبخه، لكنك إذا لم تفتح فمك متسائلاً أو محتجاً على هذا الطبق لوجدته في صدر الفاتورة وأنت تدفع الحساب، وعندها لن يجدي ان تعترض لأنه طبق محروق! نوعية كثيرة من المطاعم العربية تتعامل مع الزبائن من مبدأ الخجل، لأن ثقافة الطعام عربياً قائمة على مبدأ الحياء والخجل، إذ لا يجوز ان تأكل قبل ان يدعوك مضيفك ويحثك على تناول المزيد أو الاكثار من اللحم باعتباره سيد الموائد، وقد أدرك عدد غير قليل من الذين يعملون في هذا الحقل مسألة الخجل هذه، لذلك أصبحت تعليماً مقدساً يحفظه كل نادل بإيعاز من معلمه صاحب المطعم، فتراه يفرش على مائدتك الأصناف التالية: كبة نية، كبة السمك، فتوش، بابا غنوج، تبولة، سلطة الأرامل، حمص، مرتديلا حلبية، متبل بطاطا مقلية..إلخ. وإذا كنت برفقة ضيف من خارج الدولة ودعوته لتناول الطعام في مطعم عربي، ستكحل نظرك بعشرات الأطباق التي تحشد على مائدة صغيرة ثم ستجدها مدونة في الفاتورة تحت بند «بوارد» أي الأطعمة الباردة التي تمهد لك الحصول على طبق من الشواء المشكل، ولن تجرؤ على السؤال: من سيأكل كل هذه الأطباق؟ لأن معك ضيفاً لا يقل دهشة عنك ولسان حاله يقول: هل دعوت قبيلة إلى تناول الطعام معنا في هذه الأمسية. وسترد بأريحية مثقفي المطاعم الشرقية نحن كرماء يا رجل، تفضل وكل ليكون بيننا خبز وملح. وكل ذلك يقود إلى القول ان ثقافة المطعم العربي قائمة على الاكثار والافراط حد التخمة، وهي بعكس المطاعم الأخرى، الغربية مثلاً حيث يمكنك ان تنزوي مع ضيفك للدردشة دون وقوف نادل على رأسك يراقب فمك أو نظراتك ودون صاحب المطعم الذي يقدم لك فاتورة مليئة بمفردات احتيالية على شاكلة: ضريبة خدمة، ضريبة بلدية مكسرات، ماء، محارم، بوارد، إلخ.. ولن يكون هناك شيف أو طباخ منتفخ الأوداج يراقبك من بعيد. عندما يذهب المرء إلى المطعم يريد ان يتناول طعامه بحرية وشهية ولكنه عندما يشعر انه تحت الانظار سيشعر بالخجل وسيحاول ان يأكل بسرعة ليغادر المكان، وهو يتنفس الصعداء لذلك ليس غريباً ان مطاعم الوجبات السريعة حققت امتيازاً في استقطاب الزبائن حيث يمكنك ان تحمل طبقك بعدما تدفع ثمنه وتختار مائدة قريبة من النافذة ثم تلتهمه بكل أريحية وأنت تقول في سرك: وداعاً يا ثقافة الخجل والاحتيال والطبق المحروق. email:H-S-D@maktoob.com