عند نهاية الاسبوع المنصرم أصدرت قيادة «الحركة الشعبية لتحرير السودان» (حركة قرنق) بيانا رسميا حددت فيه موقفها النهائي تجاه المبادرة المصرية الليبية المشتركة بايراد أربعة بنود وضعتها كشروط، كما يلي: ـ الفصل بين الدين والدولة أو بين الدين والسياسة. ـ حق تقرير المصير لجنوب السودان. ـ الاتفاق على دستور انتقالي. ـ توحيد المنبر التفاوضي ـ أي دمج مبادرة «ايجاد» الافريقية مع المبادرة المصرية الليبية. هذه الشروط في حد ذاتها لا تحمل جديدا.. فقد سبق أن أعلنتها «الحركة» بصيغة أو أخرى قبل عدة أسابيع فور تقدم القاهرة وطرابلس بمشروعهما الوفاقي المشترك. الجديد في الأمر هو ان «الحركة» طرحت هذه البنود كشرط لمشاركتها، كما ورد في البيان المشار إليه، في مؤتمر الحوار الوطني الذي تقترحه دولتا المبادرة كخطوة أولية لوضع المشروع التصالحي موضع التطبيق. وأول ما يمكن أن يقال هو ان هذه الشروط، خاصة الشرطين الأولين، شروط تعجيزية عن عمد يقصد بها قرنق منع مؤتمر الحوار الوطني من الانعقاد أصلا في مسعى مغلف لنسف مشروع المبادرة المصرية الليبية أصلا واجهاضه مقدما. هي إذن مناورة. ولو كان الأمر غير ذلك لقالت الحركة انها توافق على عقد مؤتمر الحوار والمشاركة فيه بأقرب فرصة ممكنة على أن تطرح الشروط التي أوردتها لا كعقبة أمام انعقاد المؤتمر وإنما كقضايا جدلية خاضعة للنقاش العام والأخذ والرد ضمن جدول أعمال المؤتمر المقترح. وهي فعلا قضايا على أعلى درجة من الجدلية والخلاف في الرؤى بين الأطراف جميعا، بما في ذلك دولتا المبادرة. وقرنق يعلم ذلك جيدا. فمبدأ الفصل بين الدين والدولة أو الدين والسياسة يتخذ النظام الحاكم تجاهه موقفا معارضا يعززه موقف مقارب من «حزب الأمة». ومبدأ تقرير المصير للجنوب لا يروق للقاهرة ولا لطرابلس. ولو كان هناك أصلا تماثل بين الأطراف المختلفة حول مثل هذه القضايا الشائكة لما كانت ضرورة لمؤتمر الحوار. إن العقبة العظمى غير المرئية تماما التي تحول دون انطلاق المشروع التصالحي للمبادرة المصرية الليبية المشتركة هي ان جميع الأطراف تقريبا يلائمها بقاء الأوضاع الراهنة كما هي عليه. ولنلقي نظرة سريعة: حزب «المؤتمر الوطني»، الحزب الحاكم، يتمتع بالانفراد بالسلطة. وتخلي حزب حاكم عن السلطة تطوعا وتبرعا ليس من طبيعة الأشياء. جون قرنق يبقى سعيدا كأمير حرب يمارس متعة السلطان والتسلط كممثل لقبيلة واحدة على سائر قبائل الجنوب مسنودا في إدارة «المناطق المحررة» في الجنوب بمنظمات مسيحية عالمية توفر لقواته امدادات السلاح والغذاء والدواء تحت اسم «الاغاثة الإنسانية». وهذا الوضع الفريد يصبح مهددا بالزوال السريع بمجرد أن تتوقف الحرب. محمد عثمان الميرغني زعيم «الحزب الاتحادي الديمقراطي» وطائفة الختمية الدينية أدمن البقاء في الخارج فيما يبدو، متنقلا بين القاهرة وأسمرا ولندن وواشنطن. فهذا هو عصر «المعارضة من الخارج». ويعلم الميرغني علم اليقين انه ستكون بانتظاره عاصفة سياسية عاتية إذا عاد للسودان، من قبل قواعده الجماهيرية الحزبية والطائفية التي توزعت على تيارات متناحرة يشكك بعضها في شرعية قيادة السيد الميرغني للحزب. القاهرة.. الطرف الأقوى في مشروع المبادرة المشتركة يلائمها في كل الأحوال بقاء النظام الحاكم الحالي في الخرطوم. فلم يعرف تاريخ العلاقات المصرية السودانية نظاما أقام مع مصر ترتيبات استراتيجية واسعة النطاق وفي كل القطاعات، كما فعل النظام الراهن.