لعل ارتباط السياسة الخارجية الامريكية بسياستها الداخلية وبشكل كبير جدا كونها ما زالت تمثل الدولة الاقوى في العالم، يفرض على رئيسها ان يحمل اعباء كبيرة مع الوعي الكامل لهذه الاعباء. واذا كان موضوع الشرق الاوسط وتحديدا قضية الصراع العربي الاسرائيلي تشغل حيزا كبيرا من ملفات السياسة الخارجية الامريكية، فإننا اليوم امام نمط جديد واسلوب مختلف في تعاطيه مع هذا الموضوع الذي ما زال يشكل اهمية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة، رغم ان الواضح هو سياسة التعليمات البعيدة او كما يقول البعض عنها ويصفها بالسياسة المضطربة، ومباشرة نستطيع القول ان الادارة الامريكية التي طالما اتهمت بالغباء، سواء من العرب او الاسرائيليين وحتى بعض الاوروبيين ووجه هذا الاتهام تارة للرئيس الامريكي جورج بوش وأخرى لخارجيته التي اظهرت بعض التناقضات، لكن وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية كواقع فرض نفسه بشكل مختلف في ظل الانتفاضة وواقع تشكل دوليا ألا وهو المفاوضات وعملية التسوية التي تبنت رعايتها الولايات المتحدة بشكل اساسي ابتداء من مؤتمر مدريد، كل ذلك فرض على ادارة بوش تعاملا مختلفا عما سبقه، فما طبيعة الاختلاف؟ عندما كان بيل كلينتون يرأس البيت الابيض استطاع ان يقرض من وقته حصة كبيرة للمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية، ويكفي ان نتذكر ان كلينتون صب اهتمامه لمدة اسبوعين في كامب ديفيد، ومع ذلك فإنه لم يتوصل الى اتفاق مهم ليتوج قبل غيره بجائزة سلام، اما ادارة بوش الجديدة فإنها ومنذ دخولها مكاتب البيت الابيض اعلنت انها غير معنية بشكل مباشر بالملف الفلسطيني ـ الاسرائيلي. غير انه اتضح ان الادارة الامريكية غير معنية حصرا بما يجري للفلسطينيين وبالمقابل تقدم كل عنايتها لاسرائيل، فلم يمض اسبوع واحد منذ تولي بوش السلطة دون زيارة مسئول اسرائيلي الى واشنطن وتحديدا لمراكز صنع القرار، كالبيت الابيض والمكاتب الحكومية او الكونجرس او مراكز الابحاث السياسية والاستراتيجية، كما انها، اي ادارة بوش رغم رفضها تعيين مبعوث خاص الا ان ذلك الرفض كسر وعينت مبعوثها الخاص وأرسلت ميتشيل وتينيت وباول، عندما شعرت ان اسرائيل بحاجة لذلك. واتضح كذلك ان الولايات المتحدة تسعى الى طريقة خاصة في الانحياز الى الصهيونية، فهي قد وضعت محدادات داخلية مستلهمة مما ورد في تقرير معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى الذي اسسه اليهودي مارتن انديك، حيث نجد فيه ما يتعلق بهذا المجال مركزا في المقام الاول على القول بأنه يجب على الادارة الامريكية ان تعارض اية اجراءات من طرف واحد تهدد السلام مثل اعلان الدولة الفلسطينية دون موافقة اسرائيل. كما ركز هذا التقرير على تهديد السلطة الفلسطينية كي تقدم تنازلات كبيرة الى اسرائيل، وبالطبع ركز على امن اسرائيل. لذلك اصبحت اولويات الادارة الامريكية هي اولويات اسرائيلية اولها الحفاظ على امن اسرائيل وبكل الوسائل، وثانيها الحفاظ على مصالحها في الوطن العربي، وثالثها ضرب الانتفاضة بعدم توفير حماية للشعب الفلسطيني، ورابعها تقديم حلول بطيئة ومرحلية لا ترتبط بأي جدول زمني واعتماد مفاوضات (الخطوة خطوة)، اما خامسها فإنه يركز بشكل كبير على اجهاض اية محاولة اوروبية للتدخل بشكل مباشر او المضاربة على الدور الامريكي في عملية التسوية، وهذا الجانب تحديدا تخشاه الولايات المتحدة لأنها تشعر بخطره الحقيقي الذي قد يؤدي الى قطع الطريق الامريكي في الوطن العربي، خاصة انها انزعجت بالسلة الفرنسية والمسمار الروسي بشأن معارضة الجانبين لتمرير «العقوبات الذكية» على العراق من خلال مجلس الامن. اذا الادارة الامريكية تحاول ان تجند نفسها لخدمة اسرائيل هذه المرة، وما نراه احيانا تحركا باهتا هو في حقيقته تحرك باتجاه الخوف على اسرائيل. وبالمقابل فواشنطن لا تريد تحطيم مصالحها مع العرب، لذلك تعتمد على سياسة اللجان كلجنة ميتشيل ولجنة مدير المخابرات الامريكية جورج تينيت، وهو ان الاعتماد على اللجان يخفف غلواء العرب من جهة وسخط شارون وحكومته من جهة اخرى، فالولايات المتحدة لا تريد من شارون ان يصعد حملته العسكرية المجنونة لمجموعة من الاسياب اولها يتعلق باسرائيل ذاتها والخوف عليها من نتائج حرب شاملة لن تكون الا بداية الدمار لها حتى وإن فازت بهذه الحرب، وفيما يتعلق بالمصالح الامريكية فإنها بلا شك ستتضرر في الوطن العربي حتى لو لم يقاطع العرب واشنطن؟! ويدخل ذلك في حسابات جديدة حيث لن يتسنى وقتها للادارة الامريكية ان تنفذ مشروعها في حصار العراق وضربه متى شاءت، بل ستسعى الى شرعنة اشكال هذا الحصار مهما دفعت من ثمن، لأنها لا تريد طي اوراقه والخروج منه بخسارة تشبه خسارتها في فيتنام. واذا كانت الولايات المتحدة تلامس تخوفا من انهيار السلطة الفلسطينية، فإن تخوفها الحقيقي على انهيار مشروعها في المنطقة ولا يعني هذا ان السلطة الفلسطينية هي راعية هذا المشروع، بل لعل الاتفاقيات الموقعة بين الاطراف العربية واسرائيل تجعل الوضع الراهن وصفا مقبولا امريكيا، فواشنطن لا تريد سياسة جديدة لا تعرف ابعادها، خاصة في ظل الاحتقان الفلسطيني والعربي الشعبي الذي يتنامى امام دموية شارون الذي بدأ يتهرب احيانا حتى من التزاماته تجاه واشنطن. لذلك تلعب ادارة بوش لعبة مفادها خطاب بعيد صار يكرر نفسه معتمدا الحديث عن التهدئة ووقف اطلاق النار والعودة الى المفاوضات، وإذا ارادت الولايات المتحدة توجيه الانتقادات لحكومة شارون فإنها ستكون انتقادات على مستوى الخطاب الذي يعتمده البيت الابيض، كأن تعرب الادارة الامريكية عن قلقها تجاه احتلال بيت الشرق والاجراءات الاسرائيلية في بلدة ابو ديس، مع التوضيح ان الادارة الامريكية لم تذكر «احتلال بيت الشرق» بل «الاجراءات الاسرائيلية» وفي الطرف الآخر فإن الادارة الامريكية لا تتوانى عن توجيه الاتهامات بشكل مباشر لرئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وتتهمه بأنه رأس المشكلة؟! وتتغاضى عن كل استخدام لأسلحتها الثقيلة الامريكية الصنع، علما ان قوانين تصدير الاسلحة الامريكية تقضي بعدم استخدام هذه الاسلحة لأغراض هجومية خاصة على المدنيين، والقانون يؤكد استخدامها كأسلحة دفاعية؟! فهل قصف المدنيين وحرب الاغتيالات بطائرات (16-ئ) الامريكية دفاع عن النفس؟! لعلنا نقرأ بسخرية مرة ما قاله الناطق الامريكي حول استخدام اسرائيل لطائرات (16-ئ)، فقد ذكر: «اننا اوضحنا للاسرائيليين اكثر من مرة وذكرنا قلقنا لاستخدام الاسلحة الثقيلة مثل (16-ئ) في المناطق الآهلة بالسكان بسبب خطر وقوع خسائر بشرية، فهل يعقل ان استخدام اقوى الطائرات الحربية على المدنيين يسبب قلقا للادارة الامريكية؟! اذا كان ذلك فيجب ان نشكر الولايات المتحدة وصواريخها تصوب الى رؤوس الاطفال في الانتفاضة الفلسطينية؟! من الواضح ان الادارة الامريكية باتت لا تقيم اي وزن حتى للشعور العربي قبل الشعوب العربية، فوزارة الدفاع الامريكية اكدت قبل فترة ان مراجعتها القانونية لمسألة ضرب الفلسطينيين بطائرات (16-ئ) لا تشكل انتهاكا لقوانين تصدير الاسلحة الامريكية، والسؤال متى ستشكل هذه الضربات انتهاكا لقوانين بلادهم برأي جورج بوش؟ ان السياسة التي ينتهجها جورج بوش في المنطقة هي سياسة الخوف من اللوبي الصهيوني، وهو الذي بات مسكونا بهاجس فشل ابيه في الفترة الثانية بعد ان قدم للشعب الامريكي انتصارا بحرب الخليج، وكل الاوساط تؤكد ان فشل بوش الاب كان نتيجة رفضه تقديم القروض لاسرائيل الا بشروط، وهذا ما جعل رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق اسحق شامير يثور على بوش ويثور معه اللوبي اليهودي في العالم وتكون خسارته امام الصاعد الى السياسة في ذلك الوقت بيل كلينتون. اذن المشكلة تكمن في طريقة بوش الابن ومدى تخوفه من اللوبي الصهيوني وهو الذي حاول اسقاطه في الانتخابات التي اوصلته الى البيت الابيض، لكن سرعان ما هرع اليه اللوبي اليهودي مهنئا وفاتحا يديه لثمن التهنئة وإلا سيكررون ما فعلوه بأبيه. ولكن ما الذي يجعل الولايات المتحدة تغير طريقتها المنحازة بشكل سافر الى اسرائيل؟! باختصار ان المفتاح في يد العرب الذين يمتلكون وسائل ضغط كثيرة على ادارة بوش. ومع علمنا ان بساطة القول هنا ليست كفعله لكن الادراك العربي اصبح واضحا بأنه لا سبيل لتغيير سياسة الولايات المتحدة الا بالضغط على بوش وادارته، ونتائج هذا الضغط ستكون سريعة بعد ان بات المجتمع الامريكي يتذمر من الضرائب التي تذهب الى اسرائيل، ويمكن لنا ان نؤكد ذلك بما كتبه الصحفي الامريكي «شارلي رايس» في صحيفة «اورلندو سنتنبل» الذي قال موجها كلامه للشعب الامريكي: «اذا لم تكن لديكم الشجاعة الكافية للوقوف ضد الاعمال الشريرة التي ترتكبها اسرائيل بالاموال التي تدفعونها ضرائب لدولتكم، فالاحرى بكم على الاقل ان تدعو اطفال فلسطين يفسرون لكم كيف يمكن لهم، ان يعيشوا وكيف يمكن ان يعيش الرجال والنساء وكيف يموتون بعزة وشرف». ومن هذا القول يتوضح لنا ان المجتمع الأمريكي بات مستقبلا بشكل كبير لفكرة التخلي عن اسرائيل، واذا كانت المقاطعة العربية فان ذاك الشعب سيشعر ان السبب الرئيسي في المقاطعة هو اسرائيل مما سيدفعه للضغط على حكومته كي توقف دعمها، اما اذا بقي الوضع على حاله فان ادارة بوش ستبقى تدعم ادارة شارون كما تشاء، ما دامت مصالحها عند العرب لم تتأثر وتسير بشكل طبيعي. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق