مثقف أكاديمي إيراني، هو البروفيسور محمود ساريو لغلام كتب دراسة مهمة عن سياسة أمريكا تجاه العالم والشرق الأوسط، مع إشارة خاصة إلى إيران واختار لها عنوانا له دلالته التي لا تخفى على القارئ وهو: العدالة.. للجميع. الدراسة منشوره في أحدث الاعداد الصادرة عن دورية لها احترامها في أوساط المفكرين والباحثين، وهي مجلة واشنطن كوارترلي (عدد الصيف الحالي - 2001) فضلا عن أن الدراسة تشكل مساهمة للأستاذ الإيراني في القضية الحافلة التي اختارتها المجلة الأمريكية محورا لعددها الذي أشرنا إليه وهي قضية (دور أمريكا في عالم اليوم) وقد شارك فيها باحثون وكاتبون عديدون من أنحاء شتى في العالم.. ما بين الصين إلى أفريقيا، وما بين اليابان إلى روسيا وأوروبا الغربية (فرنسا على وجه الخصوص). ولأن البروفيسور الإيراني معني - كما المحنا - بقضية العدالة.. فهو يؤكد في دراسته أن الأسباب الجذرية الكامنة وراء نظرة العالم العربي السلبية إلى أمريكا ودورها وسياساتها إنما تتمثل أساسا في أن العرب يرون أن السياسة الأمريكية في المنطقة ظلت دائما تفتقر إلى عنصرين أساسيين وهما: التوازن (بمعنى النزاهة) ـ العدالة وهذه النظرة إنما نشأت على مهاد الصراع العربي - الصهيوني وقد تجلت وتنامت بعد إنشاء (بالأدق زرع أو فرض) إسرائيل في عام 1948. صوت أمريكا الواعدة قبل هذه الحقبة - كانت نظرة العرب إلى أمريكا إيجابية في مجموعها.. لم يكن لأمريكا تراث أمبريالي في بلاد العرب الآسيويه ولا الأفريقية. وربما كان العكس هو الصحيح.. فقد كان التعامل بين الشرق الأوسط وبين الأمريكان قد بدأ في المنطقة ربما منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر ويومها استدعى الخديوي إسماعيل، حاكم مصر في ستينات وسبعينات القرن المذكور عددا من الضباط الأمريكان لكي يعملوا بوصفهم مستشارين لدى الخديوي الذي كان طموحه واسع النطاق سواء في إرسال البعوث والحملات العسكرية أو شبه العسكرية، إلى مجاهل وسط أفريقيا وشرقها فضلا عن تطلعه إلى تطوير بمعنى تحديث الجيش المصري الذي كان الخديوي حريصا على زيادة حجمة وعصرنة آلته الحربية وكم دفع في ذلك الرشاوى والبراطيل (تعبير ذلك العصر) لقاء صدور فرمانات من جانب السلطان العثماني في اسطنبول كان من شأنها توسيع رقعة استقلال مصر - الخديوية التي كانت تود لو تتملص من قبضة الهيمنة التركية - العثمانية. ربما خمدت جذوة التعاون مع الخبراء العسكريين الأمريكان بعد أن تآمر الحلفاء الغربيون (وخاصة إنجلترا وفرنسا) على الخديوي الطموح وإستثمروا أخطاءه الشخصية وثغرات سياسته الاقتصادية الخرقاء التي هوت بمصر وخزينتها إلى مستنقع الإستدانه وخاصة من بيوت الربا والرهونات والاقراض الفاحش المريب في أوروبا (ومنها بيوت يهودية - صهيونية وفي مقدمتها مصارف آل روتشيلد الصهاينة) وعندما سيق الخديوي إسماعيل باشا إلى منفاه في إيطاليا.. إنتهت فصول التعاون مع الأمريكان وكان لابد من انقضاء سنوات. بلغت نحوا من أربعة عقود تقل أو تزيد من الزمن إلى أن عاد الامريكان.. اسمهم وسمعتهم ودعاياتهم تختلط بالشأن العام في مصر أيضا وكان ذلك على مشارف إندلاع الثورة الشعبية - الوطنية في مارس عام 1919 وقبلها كانت الأخبار قد جاءت من أوساط مؤتمر الصلح الدولي الذي انعقد بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى في باريس. وحملت تلك الأخبار دعوة رئيس أمريكا وقتها ودرو ويلسون إلى السلام والعدالة وإقرار حق الشعوب في تقرير المصير.. فيما كان يعرف وقتها باسم مبادئ ويلسون الأربعة عشر.. وقد قامت على أساسها عقبة الأمم (وهي الأب الشرعي أو الأم الشرعية للأمم المتحدة). هجوم على روزفلت وقد حمد المصريون للرئيس ويلسون دعوته هذه ولعلهم إبتهجوا حين عرفوا أن الرجل قد فاز بجائزة نوبل للسلام عام 1919 وظلوا ينظرون إلى ويلسون بعين التقدير وربما هذا التقدير تعويضا أو عامل توازن مع الهجاء والنقد الهجومي اللاذع الذي تعرض له في مصر ومن الصحافة المصرية رئيس أمريكي أسبق زار مصر قبل بضع سنوات من دعوة ويلسون واسمه تيودور روزفلت وكان ذلك إبان عهد كرومر عميد الاستعمار البريطاني وسطوته، هو وحلفاؤه.. ويومها لم يتورع روزفلت إياه عن تمجيد الاستعمار البريطاني لمصر والسودان تحت شعار أن وادي النيل هذا يضم شعبا مازال قاصرا عن حكم نفسه بنفسه وأن بريطانيا الاستعمارية لها دور يرقى في نظر روزفلت إلى مستوى رسالة تحضير أو تمدين هذه النوعية من الشعوب ومنذ بواكير الثلاثينات من القرن العشرين بدأ تعاطي الأمريكان مع الشرق الأوسط والوطن العربي وخاصة في مجال التنقيب عن النفط واستكشاف مكامنه والفوز بعقود إمتيازاته (أبدع الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف في تصوير هذه الحقبة بريشة الفنان القصاص في رائعته الحافلة) مدن الملح (عبر أجزائها المختلفة). محور العالم ثم إرتفع صيت الأمريكان في عيون أهل الوطن العربي والشرق الأوسط حين تسامعت الركبان بدورهم في تحرير أقطار في أوروبا وفي أقاصى أسيا عن سطوة المحور.. الذي كان يضم المانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان الإمبراطورية.. وإزداد هذا الدور الإيجابي تألقا أو بالأدق بريقا ولمعانا بفضل الحنكة الأمريكية مع توالي سنوات الأربعينات في إدارة ماكينة الإتصال الجماهيرية وخاصة في غمار المنافسة المحتدمة بين آلة البروباجاندا النازية على يد جلوبلز وزير دعاية هتلر الشهير وبين أجهزة الاعلام - العادية الأمريكية التي أفادت من تقدم الاعلام على مستوى النظرية والتماذج والتطور التقني على السواء. استطاعت مكاتب الاستعلامات الأمريكية أن ترسم صورة جميلة.. طيبة، واعدة لولايات متحدة تتأهب لوراثة النظام الدولي العتيق الذي كان قد ورث بدوره إمبراطورية رومانوف في روسيا والابسبورغ في النمسا والمجر وهو وهنزلرن في ألمانيا العبقرية وكان ذلك بعد الحرب العالمية الأولى.. وها هو النظام الإمبريالي إياه وقد تهاوت قوائمه وأودت الحرب الجديدة - العالمية الثانية بأهم دعامتيه إنجلترا (وقد خرجت من الحرب منهوكة القوى مثخنة بالجراح) وفرنسا وقد وقعت شخصيا تحت إحتلال النازي منذ عام 1940 وبدأ الأمر مع أوائل الأربعينات أن نظام ما بعد الحرب العالمية يفتح ذراعية رويدا رويدا لكي يستقبل بالأحضان والوعود ضباط الإيقاع الدولي الجديد وهو الولايات المتحدة التي قدمت نفسها لعالمها في أهاب جذاب ورسمت لأسلوب الحياة بين جيرانها صورة رائعة من الطيبة والإنسانية والبساطة. وقد أثبتت وثائق ما بعد الحرب أن فروع الدعاية والاعلام التابعة لمكتب الخدمات الاستراتيجية وهو الأب الشرعي بدوره لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية قد تحالفت مع مؤسسات من الميديا الأمريكية كانت تبدو بريئة في ظاهرها ولكنها استغلت في مجال الدعاية المخابراتية كما قد نصفها - لحساب تجميل صورة أمريكا وفي مقدمة هذه المؤسسات مجلة ريدرز دايجست التي أصدروا طبعتها العربية باسمها المعروف (المختار) وفي مقدمتها أيضا مؤسسة والت ديزني التي سيطرت على أفئدة أجيال من أطفال وناشئة العالم سنوات طويلة. بعد 3 سنوات لم يكن قد انقضى على إنتهاء الحرب العالمية سوى 3 سنوات بل أقل.. ووسط آمال الإبتهاج بأن العالم يقف في ظل السلام على أعتاب حقبة جديدة. إذا بأمريكا.. تدخل شريكا غالبا ومهيمنا من أجل فرض الوجود الإسرائيلي والاعتراف به دوليا في مايو من عام 1948 ومن هنا بدأت إزدواجية المعايير أو قد نسميها خلل التوازن أو هذا اللون الخبيث من أمراض الشيزوفرانيا السياسية: من صورة أمريكا الواعدة بدور قيادي محترم ومتوازن في إدارة شئون العالم وبين صورة أمريكا المؤيدة على طول الخط لإسرائيل - لا بوصفها الملجأ الأخير للمضطهدين والمظلومين من يهود العالم كما حاولوا تصويرها، ولكن بحكم جوهرها كمشروع للإستيطان الكولونيالي يتوسل بالخديعة وإرهاب الدولة والإرهاب الجماعي والعدوان بغرض التوسع الإقليمي - على نحو ما شهده وما لايزال يشهده تطور الأحداث. يقول الباحث الاكاديمي الإيراني: منذ إنشاء (دولة) إسرائيل، ظلت السياسة الأمريكية تنص على ابقاء إسرائيل قوية مع ممارسة الضغط الدبلوماسي على تل أبيب لكي تقدم تنازلات.. ولكن لم تشعر أي إدراة أمريكية قط بأهمية أو بضرورة قيام توازن بين العرب وإسرائيل، لا من الناحية السياسية ولا من الناحية العسكرية.. ولقد بلغ الأمر إلى حد أن الفلسطينيين قبلوا دولة إسرائيل كحقيقة (بمعنى كأمر واقع) ومع ذلك فكل ما ينشدونه، هم والعرب هو الإنصاف والنزاهة. وليس لصانعي السياسة في أمريكا أن يهونوا من شأن النتائج التي يخلص إليها الإنسان العادي في الشارع العربي.. أن على أمريكا أن تعمل على تحقيق درجة من درجات الرضا أو الإرتياح النفسي لتلك الملايين التي قد تعتصم بالصمت ولكن يتناوشها القلق والإضطراب في كل أنحاء الشرق الأوسط. وليس من شأن عدم المبالاة في هذا المجال من مجالات السياسة الخارجية الأمريكية أن يفضى يوما إلى الاعتراف بتلك السياسات ولا احترامها ولا توافق الآراء من حولها. أن تجاهل تطور العمليات التاريخية وعدم الاهتمام بتحقيق التوازن بين مختلف أطراف اللعبة التاريخية لن يبرر يوما ولن يقنع أحدا بقبول أمريكا وسيطا في قضية الشرق الأوسط. الدور الأمريكي.. الإرهاب انتهى كلام الباحث الإيراني. ولكن مازال مطروحا للبحث قضية الدور الأمريكي في العالم بعامة وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص. ونحن نتصور أن هذا الدور تكتنفه ظلال شتى كثير منها من صنع ماكينات الاعلام التي باتت تصور الأمر على أنه تعنت عربي، وتصلب فلسطيني يبلغ أحيانا حد العنف ومن ثم يصل في رأيهم إلى حد الإرهاب.. الأمر الذي يصور هجمات القوى العسكرية الصهيونية المنظمة المدججة بأحدث أسلحة الترسانة - الأمريكية حتى لا ننسى على أنها ردود - مجرد ردود على الإرهاب الفلسطيني وهي من ثم مبررة بمقتضى قوانين الدفاع - المشروع(!)عن النفس.. فإن تجاوز الأمر إلى قتل الأطفال الرضع فلا بأس من أعتذار ملفوف ولا بأس من الاعلان عن وقوع خطأ مأسوف عليه وإذا ما تجاسر مسئول غربي.. في أوروبا أو حتى في أمريكا على رفع الصوت لمجرد الاحتجاج لا يتورع الطرف الصهيوني عن إطلاق تصريحات من قبيل ما أعلنه مؤخرا نائب وزير الأمن الصهيوني حين قال: نحن لا نتلقى دروسا أخلاقية من أي طرف كان. ولا بأس من أن يصرح شمعون بيريز- الذي يصورونه ويفتحون له الأبواب والحدود بوصفه حمامة الوئام في تركيبة شارون الوزارية ومبعوث السلام بوصفة حامل جائزة نوبل فإذا به يقول: يتهموننا بأننا نتبع سياسة تصفية الفلسطينيين ونحن نقول اننا لسنا دولة مافيا تتبع هذا النوع من الأساليب نحن نواجه انتحاريين لايمكن التصدي لهم بواسطة الشرطة أو الجيش ماداموا مستعدين للموت. الإنتحار - الشهادة.. لماذا؟ لم يسأل أحد نفسه ولا سأل أحد أصحاب مثل هذه التصريحات من عتاة الصهاينة. ـ ولماذا أصبح يتعين عليكم أن تواجهوا إنتحاريين أو بمعنى آخر.. ـ لماذا وصل الفلسطينيون ـ الشباب الغض الذي كان لابد وأن يكون مفعما بأمل الحياة والحب وتكوين الأسرة والمعيشة مثل بقية خلق الله فوق كوكب الأرض - لماذا وصل هذا الشباب إلى خيار التضحية بالنفس جودا ونبلا واستشهادا؟ هنا يصمت أصحاب مثل هذه التصريحات بل وتصمت آلة السياسة الخارجية لراعي السلام الأكبر.. الولايات المتحدة. لكن لن يعدم الأمر مفكرين وباحثين ومسئولين واعلاميين شرفاء. أو فلنقل يتمتعون بالحد الإنساني المعقول من الموضوعية. ونحن نلمح في هذا السياق أسماء من قبيل الكاتب الأمريكي انتوني لويس والصحفية الأمريكية أيضا بربارا سونتاغ.. فضلا عن روبرت موللي المساعد الخاص للرئيس كلينتون الذي حضر مفاوضات كامب ديفيد الأخيرة واصدر مؤخرا - مع باحث عربي مرموق هو الاستاذ حسين أغا تقريرا ضافيا عن الموضوع. هذا ما نعرض له - بقدر واف من التفصيل في الجزء الأخير من هذا البحث إن شاء الله. ـ كاتب مصري