كانت سعادتي غامرة عندما حمل إلي صديقي محمد الرميحي أثمن هدية تلقيتها منه إلى اليوم، وهي مجموعة شبه كاملة من معجم (تاج العروس من جواهر القاموس). وقد استطاع محمد الرميحي بهمته المعروفة أن ينجز في سنتين أو أكثر قليلا ما أنجزه السابقون عليه في عقود، فدفع المحققين إلى استكمال الأجزاء غير المحققة من المعجم الضخم الذي صدر المجلد الأول منه سنة 1965 في الكويت، بتحقيق عبد الستار فراج الذي كان يعمل رئيسا للتحرير بمجمع اللغة العربية في القاهرة حين أشرف على تحقيق الجزء الأول من (تاج العروس). وكان العمل في أجزاء هذا المعجم الضخم يتثاقل، وتمضي السنوات إلى العام الخامس والثمانين ولم يصدر من المعجم إلا الجزء الثاني والعشرون بتحقيق مصطفى حجازي، وظلت الأجزاء تتابع بطيئة إلى الجزء الثلاثين الذي صدر سنة 1998 بتحقيق المحقق نفسه، ومراجعة أحمد مختار عمر وضاحي عبد الباقي، فصدرت خلال العام الماضي والعام الحالي خمسة مجلدات، وبقيت مجلدات خمسة، هي قيد الطبع، وينتظر صدورها خلال أشهر معدودة، قبل أن يقيم المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الذي يرأسه الرميحي احتفاله الكبير باكتمال صدور الكتاب. ويعني ذلك أن الرميحي استطاع في سنوات معدودة أن يصدر ما يوازي ما صدر قبله بأكثر من ثلاثين عاما، وهذا إنجاز لابد أن يحسب للرجل. وقد حملت المجلدات العديدة التي وصلت إلى الخامس والثلاثين، ووضعتها في مكان يليق بها من مكتبتي، وتركت مساحة للأجزاء الخمسة الباقية. واكتشفت أن صديقي الرميحي نسى بعض الأجزاء، أو لعلهم لم يفكروا في إعادة طباعتها، فأخذتها من أستاذي الدكتور حسين نصار الذي آثرني بها لأن نسخته لم تصل إلا إلى الجزء الحادي والعشرين. ولم أستطع أن أمنع نفسي من العودة إلى هذه المجلدات عبر الأيام التي أعقبت حلولها معززة مكرمة في مكتبتي، فوجدت المعجم موسوعة هائلة الحجم، لا تقتصر على اللغة وحولها، وإنما تضم إلى جانب ذلك فوائد كثيرة يسعد بها عشاق التراث العربي كل السعادة. وقد دفعتني مجلدات (تاج العروس) إلى تأمل إنجازها في سياقه التراثي الذي يضيف فيه اللاحق إلى السابق، وتتجاوب الأقطار العربية في العطاء بالقدر الذي يتبادل علماؤها التأثر والتأثير. وابتداء فالمعجم الضخم هو شرح لمفردات (القاموس) الذي ألفه مجد الدين محمد بن يعقوب المشهور بالفيروزأبادي المتوفى بزبيد في اليمن سنة 816 أو 817هـ، وقد وجد السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي (القاموس) في موطنه زبيد، وأخذه عن شيوخه الذين أخذوه عن شيوخهم إلى زمن مؤلفه نفسه. وشغل بالقاموس كما شغل بغيره من المعاجم التي يشير إليها في مقدمة معجمه، ولكنه أنطوى على فتنة خاصة بالقاموس، فقرر أن يسهب فيما أوجزه الفيروزأبادي، وأن يضيف إلى قاموسه ما يكتمل به، فاختمرت في ذهنه فكرة معجمة الضخم (تاج العروس) وأكمل درسه للقاموس في زبيد التي انتقل منها إلى المدينة حيث سمع رواية أخرى للقاموس. وعقد العزم على العمل في معجمه الخاص (تاج العروس). ولكنه أدرك أنه يحتاج إلى العدد الجديد من المصادر التي لم تكن متاحة إلا في مدينة القاهرة المعزية بمصر المحروسة، فعقد العزم على الرحيل إليها، ووصل إليها بالفعل سنة 1167هـ، وبدأ في العمل بعد أن ظفر في مصر بأمهات الكتب التي كان يبحث عنها. وقد نص في مقدمة معجمه على بعض هذه المكتبات. وأتصور أن الزبيدي بدأ عمله في التاج وهو في الثانية والعشرين من عمره، فقد ولد سنة خمس وأربعين ومئة وألف 1145 هجرية، وبدأ عمله في القاهرة التي وصل إليها سنة سبع وستين ومئة وألف (1167)، وسكن في حي الصاغة الذي هو جزء من حي خان الخليلي اليوم، ولم يكتف الزبيدي بشيوخ القاهرة بل رحل إلى الصعيد ومدن الوجه البحري كما رحل إلى فلسطين للقاء الشيوخ، وتوجهت إليه الأنظار، واشتاقت النفوس إلى سماعه فيما يقول المؤرخون، فأذن له بتدريس الحديث في القاهرة، وشرع في قراءة صحيح البخاري في مسجد شيخون بالصليبة. وظل في حي الصاغة إلى سنة 1189، حيث انتقل له أوائلها إلى منزل جديد في سويقة اللالا. وكان ذلك بعد أن ازدادت شهرته، وأصبحت له مكانته بين العلماء والأعيان، واتسعت حلقات دروسه التي نبغ منها اعلام على رأسهم المؤرخ الشهير عبد الرحمن الجبرتي الذي يقول عن دروس أستاذه: كنت مشاهدا وحاضرا في غالب هذه المجالس والدروس، ومجالس أخرى خاصة بمنزله، وبسكنه القديم بحي الصاغة، وبمنازلنا بالصنادقية وبولاق، وأماكن أخرى كنا نذهب إليها للنزهة، مثل غيط المعدية والأزبكية وغير ذلك. ولم يشرع الزبيدي في كتابة معجمه منذ السنة الأولى في القاهرة، وإنما ظل يعمل في جمع المادة وترتيبها، إلى أن اكتملت مصادره، وتوفرت له المادة اللازمة، فشرع في الكتابة حوالي سنة 1174 هـ بعد قدومه إلى مصر بسبعة أعوام، وسنه إذ ذاك تسعة وعشرون عاما، وانتهى من تأليف معجمه سنة 1188، واستغرق تأليف الجزء الأول وحده ستة أعوام وبضعة أشهر، وانتهت الأجزاء الباقية في سبعة أعوام وبضعة أشهر، فزمن تأليف الجزء الأول يقرب من نصف الزمن الذي ألف فيه الكتاب جميعا، ويبرر عبد الستار فراج ذلك بصعوبة البداية في عمل جديد، واستكمال تجميع الكتب، حتى ذللت أمامه كل الصعاب، ووضح السبيل، فسلكه دون تأخير. ويضيف عبد الستار فراج إلى ذلك في المقدمه التي كتبها للجزء الأول أن الزبيدي كتب كل مؤلفه بنفسه، وكان بعد ذلك يسلم مسوداته إلى تلاميذه ليبيضوها ويراجعوه فيها. والنسخة المبيضة بخطوط مختلفة، متقاربة في الجمال والاتقان من ناحية الخط. وهي النسخة التي أخذها منه محمد بك أبو الذهب حينما أنشأ جامعه المعروف به بالقرب من الأزهر، وعمل فيه خزانة للكتب، وعوضه عنها مبلغا من المال. وهذه النسخة موجودة بدار الكتب بالقاهرة، وهي التي كانت الأصل في تحقيق المعجم الذي تبنت نشره لجنة التراث العربي في وزارة الإرشاد والأنباء بالكويت سنة 1965. وتمضي السنوات، وينتقل المخطوط من رعاية لجنة التراث العربي بوزارة الإرشاد والأنباء إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ويتعاقب على هذا المجلس من حمل رسالة عبد العزيز حسين وأحمد مشاري العدواني، ويضع محمد الرميحي مهمة استكمال التحقيق على عاتقه، وتعدى حماسته الغامرة الجميع، فينتهي التحقيق وتدور المطابع ليصدر الجزء الخامس والثلاثون، وفي الطريق بقية الأجزاء التي أخبرني الرميحي بضرورة صدورها قبل موعد الاحتفال. والتهنئة خالصة لمحمد الرميحي على نجاحه في الإنجاز، والاعتراف بالفضل واجب لكل العلماء الذين أسهموا في التحقيق ابتداء من عبد الستار فراج محقق الجزء الأول وليس انتهاء بمصطفى حجازي محقق الجزء الخامس والثلاثين. والوفاء ضروري للرواد الذين وضعوا اللبنات الأولى للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في دولة الكويت. والحق أن صدور هذا المعجم ينطوي على مغزى قومي لا سبيل إلى إغفاله، خصوصا في أعين أمثالي من الذين نشأوا على قيم العروبة والإيمان بوحدة الثقافة العربية. وإذا كانت السياسة تنتهي إلى التفريق في حالات كثيرة، بل في كل الحالات التي أعرفها، فإن الثقافة العربية لحسن الحظ تجمع بين العرب وتؤكد عمق الروابط التي تربط بينهم، وها هو عالم يمني في القرن الثاني عشر، ينطلق من مدينة زبيد إلى الطائف والمدينة ومكة حاملا حلم إكمال ما فات صاحب القاموس، وينطلق من الجزيرة العربية إلى القاهرة، ويفيد من علمائها ومن مكتباتها، ويشرع في تحقيق حلمه بعد أن استقر أمره وأمن عيشه وكثر رزقه ويظل في عمله إلى أن ينجزه بعد سنوات طويلة من الصبر والدأب فيحتفل بإنجاز العمل مع أقرانه من علماء القاهرة الذين جاءوا من كل قطر عربي وإسلامي. وتمضي القرون على المخطوط فيطبع طباعة رديئة إلى أن يتقرر له أن يبعث في طبعة علمية محققة في مدينة الكويت التي احتضنت مجموعة من أنبغ علماء العربية، بذلوا كل ما استطاعوا من جهد على مدى خمسة وثلاثين عاما أو يزيد، ويفرغوا من العمل، مؤكدين - بانتسابهم إلى أقطار عربية عدة - وحدة العمل العربي الفكري، وبعد أشهر معدودة ينعقد الاحتفال بصدور الطبعة الكاملة للمعجم في الكويت. وفي حضور كل العلماء الأحياء الذين أسهموا في التحقيق، حيث يتم تكريمهم، ويتم الإشادة بمن ودع الحياة منهم. معان نبيلة أرجو أن يقرأها أولئك الذين يضيقون بالعروبة في غير حالة، فما أنجزته الكويت بإصدار (تاج العروس) تأكيد لهويتها القومية، والإنجاز نفسه ما كان يمكن أن يتم لولا هذا التكاتف العربي الذي جمع العواصم كلها منذ السنة التي قرر فيها السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي بدء العمل لتحقيق حلمه، بل قبل تلك السنة بعقود وقرون، فوحدة الثقافة العربية تستند إلى تاريخ عريق لا يليق أن يتناساه أحد، أو يغفله متحدث بالعربية. وتحية إلى صديقي الرميحي على هديته النفيسة التي احتلت صدارة مكتبتي.