تحت وطأة موجة التحلل والتفسخ الأخلاقي التي تجتاح الغرب بفعل العولمة المتوحشة، وعملية أمركة العالم التي تدور آلتها على مدار الساعة، لتطحن وتمسخ الوجه الحضاري للإنسانية يقوم بعض المثقفين بمراجعة أفكارهم وإعادة صياغة مشاريعهم الفكرية، التي أحرقوا زهرة أعمارهم في التبشير بها، والدفاع عنها، عندما أدركوا هول ما وصل إليه العالم من انحطاط أخلاقي لم يكن يتخيلونه. وتنطلق عمليات المراجعة من نفس المبادئ والقيم التي دفعت هؤلاء لإطلاق مشاريعهم الفكرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لكن في سياق وأجواء مختلفة كلياً. وقد تختلف الصياغات واللافتات لكن يبقى الجوهر واحداً، وهو الاقتراب بالعالم من مرافئ أكثر انسانية وأقل وحشية، وتحرير الانسانية من العبودية للقوة الغاشمة، والأنانية والثروة، والغرائزية، وغيرها من الأطر التي تسجن الروح وربما تزهقها لصالح كل ما يجرد عالمنا من طابعه الانساني، ويعيده إلى عصر الغاب. ومن المشاريع الثقافية التي تخضع لمراجعة جادة منذ فترة مشروع الحركة النسوية أو «الفيمينيزم» الذي انطلق تحت دعوى تحرير المرأة من سيطرة الرجل، وتحقيق استقلالها الذاتي، وهي دعوى حق سرعان ما تحولت إلى باطل، أفسدها وأحالها إلى مظلة واهية للتغطية على الخروج عن كل الأعراف والقيم الانسانية. وبدلاً من ان تتجه الحركة النسوية إلى شق الطريق وفتح الحدود أمام مساهمات المرأة في صنع الحضارة، ورفع الحظر عن مشاركتها في العمل العام، تحولت بفعل صناعة «الصرعات والموضة» في الغرب إلى مجرد عملية اغتيال تدريجي لانسانية المرأة وتحويلها إلى سلعة استهلاكية تتغذى بدمائها آلة السوق الرأسمالي. وتجلت عملية اغتيال انسانية المرأة في موجات لم تنقطع بدأت بوجودية الفرنسية سيمون دي بوفوار ولم تنته عند دعاوى «الفيمينيزم» الأمريكيات إلى أسرة بلا زواج، والزواج المثلي، في سياق عمليات دعائية وإعلامية وأدبية تحرص على تحقير الرجل، والمناداة بالعودة إلى ما يزعمون انه عصر الحضارة النسوية، فيما بدا واضحاً انه من انتاج اللوبي اليهودي المسيطر على اجواء الاعلام الدولي وما يرتبط به من صناعات الموضة وتسويق ثقافة الانحطاط. ومن رواد الحركة النسوية اللائي انتبهن بعد رحلة أكثر من نصف قرن لما آلت إليه تلك الحركة من تدهور وانحطاط الأديبة الايرانية الأصل والتي عاشت مرحلة النشأة في زيمبابوي واستقرت وقدمت انتاجها الأدبي في بريطانيا الأديبة دوريس ليسينج (81 عاماً). ورأت دوريس ان الحركة النسوية تخطت كل الخطوط الحمراء باصرارها على تحقير الرجل واللهاث وراء موجات الخلاعة بدعوى التحرر. وفي لغة تعبر عن مرحلة شفافية في الرؤية رأت دوريس ان الحركة النسوية افقدت المرأة انسانيتها، وتسببت في انهيار مؤسسة الأسرة، وكانت وراء ظاهرة الأطفال المشردين والمجردين من القيم الانسانية، وكانت مرتعاً لتفشي كل الجرائم، وبالتالي يجب على المرأة ان تستعيد انسانيتها بعيداً عن خزعبلات الحركة النسوية. وربما يكون الحديث عن بدء انهيار الحركة النسوية غريباً في مجتمعاتنا التي تحرص بعض أديباتنا على مجاراة بعض أفكارها، لكن التدبر في المحصلة النهائية لمسيرة «الفيمينيزم» الأوروبي ربما قد تفيد ناشطات الحركات النسائية ـ وليس النسوية ـ العربية، في الحفاظ على الاطار الحضاري والقيمي لنشاطهن وصبغه بهويته العربية والإسلامية، حتى لا تلقى نفس مصير نسوية الغرب.