حملتني مناسبات جامعية خلال هذه الاسابيع من صيف اوروبا الى عواصم عديدة تعتبر قلب الاتحاد الاوروبي النابض بالاحداث والاصداء والتحاليل والاخبار والصور. فالاتحاد اصبح ديمقراطية كبرى مثل الولايات المتحدة الامريكية، في مجتمعاته تتفاعل آخر الاحداث الدولية الجسيمة وفيه بالطبع رأي عام غالب، اي اتجاهات الاغلبية من الناس نحو اتخاذ مواقف محددة بعد تلقي رسائل وسائل الاعلام والاتصال وهي متعددة .. تعددية .. مختلفة .. متباينة .. متضادة .. لكنها تؤدي عملها الدؤوب المتمثل في صناعة الرأي العام وتوجيهه واغتنام قلة درايته لتمرير رسالة ايديولوجية او تجارية. ونتساءل احياناً مع الخبير الجامعي في الاتصال ميشال حليمي الذي كتب دراسة في مجلة «لوموند دبليو ماتيك» (عدد اغسطس 2001) فند فيها نظرية حرية الاعلام المطلقة، قائلاً انها خرافة مع تنامي المصالح التي تحرك وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة والالكترونية. فكل هذه الوسائل تقريباً اصبحت ملك شركات عابرة للقارات لها مصالح مادية وليس لها مبادئ اخلاقية. لكن هذه النظرية لا تنفي ان حرية الاعلام في مجتمعات الاتحاد الاوروبي اقل عبودية مادية من الاعلام الامريكي، بسبب عراقة الاعلام في التاريخ الاوروبي من جهة وصدور كثير من وسائل الاعلام عن جمعيات المجتمعات المدنية المدافعة عن منظومة قيم عليا لايزال لها صدى واسع في دول الاتحاد. وقد حاولت في جولتي الاخيرة بعدد من العواصم الاوروبية قراءة صدى حدث الانفجار الاستشهادي الاخير الذي هز المجتمع الاسرائيلي واوقع خمسة عشر قتيلاً واتسعت اصداؤه للعالم اجمع، واعقبه تصرف «شاروني» اخرق باحتلال بيت الشرق والمزيد من قصف مقرات السيادة الفلسطينية بطائرات إف 16، مما اخطر واشنطن نفسها الى استنكار هذا الصنيع ومعها الاتحاد الاوروبي. وقد حاولت التحدث مع عدد من الجامعيين الاوروبيين وكذلك مع الناس العاديين لرسم خريطة هذا الرأي العام، بعد حدث خطير يعتبر مؤشراً احمر في المأساة الفلسطينية وتصعيداً منذراً بالحرب في منطقة الشرق الاوسط، وخرجت باستنتاجات الخصها فيما يلي: معرفة الرأي العام الاوروبي بحقيقة المأساة الفلسطينية تبقى محدودة ومنقوصة. فالاغلبية من المجتمعات الاوروبية بما فيها شريحة المتعلمين لم تستوعب حقائق التاريخ الموضوعي كما حدث بالضبط، وكيف نشأت دولة اسرائيل ومتى؟ فالرأي العام الاوروبي الغالب يعتقد ان اسرائيل هي الدولة «الشرعية» وانها «ديمقراطية» وان الفلسطينيين اشبه بحركة انفصالية «اسلامية». وهذا السيناريو الخاطئ والمزور هو الذي يريد الاعلام الاسرائيلي تسويقه بدهاء، لأنه سيناريو مبسط بغاية الغش، يوحي للمواطن الاوروبي بأن كل قضية فلسطينية هي اشبه بقضايا جزيرة كورسيكا الفرنسية او قضية ايرلندا البريطانية، وبأن الفلسطينيين «ارهابيون» من ذلك الطراز يحاربون دولة قائمة على القانون والعدل والحريات الدينية.. وبالطبع تمكنت الانتفاضة منذ سنة من تعديل كفة الاعلام نحو تفهم افضل للقضية الفلسطينية، لكن جهل الاوروبي المتوسط والعادي بأصل القضية لايزال هو هو.. لم يتغير، بالرغم من ان المجتمعات الاوروبية اصبحت تعرف ان القمع متواصل لضرب شعب فلسطيني اعزل، بفضل ما يظهره الاعلام الاوروبي يومياً من مشاهد الصراع غير المتكافئ بين جنود اسرائيليين مدججين بالسلاح واطفال عزل يقاومون العدوان بالحجارة، بالاضافة الى صدمات نفسية عميقة احدثتها صور حية نافذة مثل صورة استشهاد الطفل محمد جمال الدرة في احضان والده.. حفرت في المخيلة الاوروبية الجماعية اخاديد عميقة يصعب تناسيها. جهل المواطن الاوروبي بحقيقة اخرى هامة وحاسمة، وهي ان شعب فلسطين يضم مسيحيين مثلهم مثل الاوروبيين، لهم كنائسهم ويتمتعون بحرية دينية اصيلة وعريقة وحقيقية منذ مهد المسيحية في بيت لحم الى اليوم. وهذا الجهل يعزا الى التزوير الاسرائيلي للتاريخ، ولكن كذلك الى انعدام او بالاحرى ضعف المجهود الاعلامي العربي. واذكر ان استاذنا محمد حسنين هيكل دعا منذ شهور الكنائس العربية للقيام بحملة اوروبية للتعريف بهذا الواقع، وجلب التعاطف الاوروبي المسيحي مع اخوانهم، واخواننا المسيحيين الفلسطينيين الذين يعانون من التمييز العنصري الصهيوني ومن القمع وتتعرض بيوتهم وكنائسهم للعدوان وحقولهم للحرق واطفالهم للرصاص. وهذا الضعف الديني الوجداني من التعاطف لايزال مفقوداً وهو هام واساسي لأنه يفند الدعاية الصهيونية المبنية على الكذب التاريخي والتي تهدف الى وصم الشعب الفلسطيني بالاصولية والتطرف.. بل والارهاب، في حين تمارس حكومة اسرائيل كل تقنيات الارهاب يومياً، وارهابها نتاج طبيعي للائتلاف الحكومي العبري الذي يتشكل نصفه من متطرفين عنصريين وقدماء الارهابيين الذين يؤسسون فكرة دولتهم على قواعد خرافية اسطورية لا صلة لها بالواقع.. ولا بالتاريخ. الرأي العام في العواصم الاوروبية التي زرتها يحتاج الى تحليل قانوني لقضية فلسطين من منظور القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة. وبذلك ـ لو قمنا به ـ يتفهم المواطن الاوروبي طبيعة الاحتلال والاستعمار والاستيطان، ويتفهم بالتالي وبالضرورة شرعية المقاومة المسلحة التي تقرها بنود الميثاق الاممي لكل شعب يرزح تحت احتلال عسكري غاشم تواصل نصف قرن او ثلث قرن. ان الرأي العام الاوروبي تقوده وتصنعه كذلك الجامعات والمراكز البحثية والمجلات المختصة والقنوات الفضائية، ولابد ان نوجه اعلامنا نحو التفسير القانوني لأصل قضية الصراع وملابساته، منذ مصرع الكونت برنادوت المبعوث الاممي عام 1948 على ايدي عصابات الصهيونية الى آخر اعتداء على الشرعية باحتلال بيت الشرق الاسبوع الماضي، مروراً بالمجازر وجرائم الحرب التي تخللت كل مراحل ذلك الصراع،. وعلى هذا الاساس القانوني يمكن للعرب ملاحقة ارييل شارون امام المحاكم البلجيكية مثلما هو الحال اليوم بتهمة جرائم الحرب في صبرا وشاتيلا وغيرها من مناسبات القتل والابادة الجماعية. ويمكن القول بأن انعدام التدبير والتخطيط في مجال الاتصال حرمنا نحن العرب من النفاذ القوي السريع في اروقة الرأي العام الاوروبي لنناصر حقاً ساطعاً وبالعكس وفي المقابل مكّن عدونا الظالم الجائر من تمرير باطله واجرامه. فهل آن الاوان لتنسيق اعلامي عربي مقتدر وذكي وناطق باسمنا وبلغات الغرب ليغير المعادلة ويكسب معركة الاتصال وهي ام المعارك الراهنة؟ هل آن الاوان لتعيد جامعة الدول العربية برئاسة عمرو موسى النظر في آليات ومنطلقات وتقنيات الاتصال العربي؟ هل آن الاوان؟ ـ استاذ في قسم الاعلام بجامعة قطر