قبول الخرطوم بمبدأ قيام حكومة انتقالية قومية بمشاركة القوى السياسية المعارضة في اطار المبادرة المصرية الليبية المشتركة، لم يكن بلا حسابات لا تخلو من مناورة. فالنظام الحاكم يدرك مقدما ان حركة قرنق سوف تتكفل بابتداع عراقيل ومعاذير تؤدي عند نهاية المطاف الى نسف المبادرة المشتركة. ولكن هل حكومة السودان وحركة قرنق هما الطرفان الوحيدان اللذان يتبنيان، انطلاقا من دوافع وأهداف متباينة، نهج المناورة الحسابية؟ ان اقتراح تكوين الحكومة القومية الانتقالية بمشاركة كل القوى السياسية الرئيسية من جانب حزب السلطة وأحزاب المعارضة، هو البند المحوري بين تسعة بنود تضمنها المشروع الذي ابتدرته القاهرة وطرابلس لتحقيق تصالح سوداني كامل وشامل، عبر مؤتمر وطني جامع يفضي بدوره الى عقد مؤتمر دستوري. وبافتراض توصل الفرقاء الى اتفاق كامل لتحديد مستقبل نظام الحكم في البلاد، بما في ذلك وضع تسوية سياسية دستورية نهائية لمشكلة جنوب السودان، فانه بناء على هذا الاتفاق المفترض يتم تشكيل حكومة قومية لفترة انتقالية يعقبها عقد انتخابات عامة حرة ونزيهة تتنافس فيها كل الأحزاب والمنظمات في اطار نظام ديمقراطي تعددي. ورغم ان المبادرة المصرية الليبية المشتركة لم تنطو على تفاصيل بشأن الحكومة القومية وطريقة تكوينها وتحديد اختصاصاتها بصورة دقيقة وقاطعة، الا أن مبدأ تكوين مثل هذه الحكومة يجب أن يعني في كل الأحوال قبول النظام الحاكم الراهن بتصفية نفسه طوعا ليفسح المجال لنظام حكم قومي يفضي الى عهد جديد من التنافس الحزبي التعددي. فهل يقبل الحزب الحاكم ـ أي «المؤتمر الوطني» بذلك؟ هل من المتصور ان يرتضي هذا الحزب الحاكم لنفسه ان يتنازل طوعا عن السلطة حتى لو تلقى ضمانات مشددة من دولتي المبادرة بموافقة اطراف المعارضة بعدم تعريض قادته لأي نوع من المحاسبة؟ واذا افترضنا ان النظام الحاكم لن يقبل في أي من الأحوال بتصفية نفسه طوعا واختيارا فكيف قبل بمبدأ حكومة قومية من المفترض اذا بلغ مسعى المبادرة المشتركة منتهاه على طريق الوفاق وتحقيق التصالح الوطني، ان تحل مكان النظام؟ لقد سجل النظام موقفا تاريخيا عندما سلم حكومتي المبادرة مذكرة رسمية عن طريق القنوات الدبلوماسية تنص في لغة قاطعة وحاسمة على قبول مشروع المبادرة ببنوده التسعة دون أي تحفظ على أي واحد من هذه البنود، بما في ذلك البند الخاص بالحكومة القومية. لكن يجب ان نستذكر أن هذا القرار الكبير لم يتبلور في صيغته النهائية إلا عبر تداولات مكثفة داخل الأجهزة العليا لحزب «المؤتمر الوطني» الحاكم. وفي تقديري ان الاستخلاص النهائي الذي أفرزته هذه المداولات هو ان النظام لن يخسر شيئا اذا سجل على نفسه قبول مبدأ الحكومة القومية. فمثل هذه الحكومة، بناء على هذا الاستخلاص، لن تقوم لها قائمة على الاطلاق طالما أن حركة قرنق تعارض هذا التوجه من حيث المبدأ. ان قيام حكم قومي في السودان يعني بالضرورة مشاركة قوى المعارضة الرئيسية في السلطة، بما في ذلك «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، لكن مشاركة «الحركة» في الحكم يجب ان تعني بالضرورة وأولا القاء السلاح.. اي تفكيك جيشها وتسريح مقاتليها وتجريدهم من السلاح، تمهيدا لتحول الحركة الى حزب سياسي يتعاطى الأساليب الديمقراطية السلمية. والحكومة تدرك سلفا بقدر ما يدرك قرنق نفسه ان «الحركة» لن تقدم على الانتحار بالتفريط في البندقية. فالحركة الشعبية التي يتكون عمودها الفقري من أبناء قبيلة جنوبية واحدة ـ الدينكا ـ لا يتوافر لها في بيئة جنوبية متعددة القبائل ذلك النفوذ الذي يوفره لها امتلاك السلاح الناري.