كل الاجتماعات التحضيرية لمؤتمر ديربان الوشيك حول مناهضة الإرهاب والعنصرية، شهدت جدلا صاخبا بين الدول الغربية من جانب وبعض الدول العربية والأفريقية من جانب آخر، وفي إطار هذا التدافع الفكري الفلسفي والسياسي، الذي وسم أجواء المؤتمر، لوحت الولايات المتحدة بأكثر من أداة قاطعة، بهدف الحيلولة دون التطرق إلى قضيتي: العنصرية الصهيونية ومطالبة عالم الغرب بالتكفير عن خطيئة زمن استبعاد (السود) واسترقاقهم وذلك بالتعويض على دولهم الأم والاعتذار لهم. كان من شأن نقاش هادئ معمق حول هاتين القضيتين، أن يضيف الكثير إلى الأبعاد التاريخية والفكرية لأعمال المؤتمر ،لاسيما وأن العالم المعاصر يعاني بالفعل في بعض أكثر مناطقه سخونة واضطرابا من تبعاتهما.. فاسترقاق الأفارقة مسئول عن إفقار عدد كبير من دول القارة السوداء، بعد نزح الملايين من خيرة أبنائها على مدار أكثر من ثلاثة قرون. وممارسات الصهيونية العنصرية مسئولة منذ أكثر من قرن عن إهلاك الحرث والنسل والإستقرار في ربوع (الشرق الأوسط)، قلب العالمين القديم والحديث بالمعنيين الجغرافي والحضاري. لكن منهجية التعامل السطحي والظاهرى مع القضايا الفارقة، التي تأخذ بها السياسة الأمريكية، أدخل المؤتمر في دائرة العقم، ويبدو أنها ستحرم الجميع من فوائده المرجوه. هذا الموقف الأمريكي يمكن تفهمه في ضوء التسييس الذي يصبغ كل معالجات واشنطن للقضايا الدولية، مهما كانت طبيعتها. لكن مالا يسعنا تفهمه أو تبريره، هو إنضمام بعض من يفترض أنهم أبرز حراس فكرة العدالة والمساواة ونبذ العنصرية على الصعيد الإنساني العام، إلى هذا الموقف الذي تنفرد به واشنطن ومحازبوها. إن تلميحات كوفي أنان أمين عام الأمم المتحدة وتصريحاته، توحي بشئ من الإنحياز للمقاربة الأمريكية لمؤتمر ديربان فهو يطالب المؤتمرين بـ (عدم التورط في تبادل الإتهامات حول الماضي والإتجاه إلى مجابهة آفات العنصرية في المستقبل. ولكنه لايقول لنا كيف ؟ كيف يمكن علاج مرض العنصرية من غير تشخيص سيرورته التاريخية وإستطلاع بعض أعراضه القائمة ملء السمع والبصر، كما هو الحال مع الصهيونية وتجلياتها، في فلسطين ومحيطها الإقليمي بالذات؟! ولا يقل تقويمنا لموقف ماري روبنسون من المؤتمر عنه بالنسبة لرئيسها المباشر عنان. والمفوضة الدولية لحقوق الإنسان، أظهرت في غضون الإستعدادات الأخيرة للمؤتمر رغبة في مجاراة السياسة الأمريكية تجاهه، وهي بزعم حرصها على عدم إفشال هذه المناسبة العالمية، لا ترى ضرورة للتطرق إلى القضايا التي لا ترضى واشنطن مناقشتها، وبذلك يصبح الحضور الشكلي لواشنطن في المؤتمر وعدم مقاطعته، أهم بنظرها من المضمون الفعلي للمؤتمر ونتائجه. على هذا النحو، تبدو مقاربة روبنسون لافته حقا، ليس فقط لأنها مغرقة في السطحية بما يعكس تأثير المعالجة الأمريكية لمضمون المؤتمر، ولكن أساسا لأن هذه المسئولة الدولية لديها دراية واسعة بسخف هذه المعالجة، وبخاصة ما يتعلق منها بالعنصرية الصهيونية. لقد اختيرت روبنسون لمنصبها السامي بناء على خبرتها الواسعة بمجال حقوق الإنسان. ثم إن للسيدة روبنسون أقوالا وتصريحات لا تقبل التأويل حول العنصرية الصهيونية وممارساتها. لذلك لا يمكن تفسير موقف راعية حقوق الإنسان الدولية بالجهل وعدم المعرفة. وفي الوقت ذاته يصعب القبول بوجهة نظرها حين تعزو هذا الموقف إلى (الحياد وعدم الإلتزام برؤية أحد الأطراف) ففي تقديرنا أن روبنسون، وعنان وجملة حراس القانون الدولي وشرائع حقوق الإنسان، ملزمون بإبداء آرائهم وفقا لقواعد هذا القانون وهذه الشرائع حقوقيا وأخلاقيا، وكان الأولى بهم التكاتف مع مؤتمر ديربان كمناسبة جليلة لتوصيف الحقائق حول العنصرية الصهيونية ومخاطرها على السلم والأمن الدوليين.. فلمثل هذا كان إنعقاد المؤتمر، ولمثل هذا يعمل الساهرون على القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة