أصبحت متابعة أنباء ما يجري للفلسطينيين في الأرض المحتلة عذابا لا يطاق.. وأكثر من مرة فكرت في أن أضرب عن الاستماع إلى نشرات الأنباء، خاصة المصورة منها حتى أجنب نفسي ما تبثه من صور الدماء والأشلاء والبيوت التي تهدم على رؤوس أصحابها، ومشاهد الجنازات التي لا تتوقف، وصرخات الثكالى والأرامل من الأمهات والزوجات، ونظرات الدهشة والرعب في عيون الأطفال، وصبر وشموخ الشيوخ الذين يحتسبون عند الله أبناءهم الشهداء، ويحول الكبرياء بينهم وبين البكاء. وكلما حل موعد نشرة أنباء، ترددت في استدعاء القناة التي تبثها قائلا لنفسي: لابد أنها ستكرر ما بثته أمس وأول أمس ومنذ شهور، بل ومنذ عقود، فلا جديد تحت الشمس: قتل اليوم خمسة فلسطينيين أو ستة، وربما عشرة، وسارت سبع أو ثماني جنازات، وهدمت البلدوزرات عدة بيوت، وأغلق جيش «الدفاع» الاسرائيلي عدة شوارع، وقال «شارون» أو «بن اليعازر» ما قاله من قبل «باراك» و«بيريز» و«رابين» و«شامير» و«نتانياهو»، وهو نفسه ما قاله «بن جوريون» و«بيجن» و«شاريت»! ولا بد انني سأسمع في نشرات الأنباء التي تذاع اليوم، ما سمعته من قبل في آلاف من نشرات الأخبار، ومن المؤكد ان «عرفات» أو «مروان البرغوثي» أو «نبيل شعث» سوف يدلي بتصريح ما لا يختلف كثيرا عما كان يدلي به الحاج «أمين الحسيني» رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين «1948»، وأحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية «1964» - ومن المؤكد - كذلك - ان سعادة الأمين العام للجامعة العربية «عمرو موسى» قد دعا - أو سيدعو - لجنة المتابعة أو اللجنة السياسية أو القمة العربية للاجتماع، كما فعل من قبل أسلافه، وهم - من الآخر - عصمت عبدالمجيد ومحمود رياض وعبدالخالق حسونة وعبدالرحمن عزام أول أمين عام للجامعة العربية عام 1946 وكانت صحف تلك الأيام تطلق عليه تفكها اسم «مولانا أبو الكلام» فيالها من صحف ذات بصيرة. لا جديد تحت الشمس، ولا في نشرات الأخبار، عما سمعته على امتداد أكثر من نصف قرن من عمري، فقد كنت طفلا في التاسعة حين ظهر في قريتنا أول لاجئ فلسطيني ممن طردتهم اسرائيل في عام 1948. وكانت صحف تلك الأيام تأبى إلا أن تسميها «دولة العصابات الصهيونية»، وإلا أن تصفها بأنها «بغاث في أرضنا يستنسر». وفيما بعد قرأت في كتاب ان هذه العصابات أجبرت الفلسطينيين على الخروج من بلادهم بتطبيق خطة شريرة هي «حدوة الحصان»، إذ كانت تحاصر قراهم ومدنهم من الجهات الثلاث، لتصب عليهم نيرانها، فلا يجدون أمامهم إلا الهرب من الجهة الرابعة، لتقودهم في النهاية إلى حدود فلسطين مع الدول العربية المجاورة فيعبرونها ويتنقلون بين مدنها وقراها فوق أقدامهم المنهكة المتورمة من طول التسيار، يبحثون عن القوت والمأوى، وفيهم شيوخ أحنت الأيام ظهورهم، ووهن العظم منهم واشتعل الرأس شيبا، اغتال العدو كل ما كان لهم من متاع الدنيا، فلا بيت ولا بيارة ولا ابنا ولا زوجة ولا وطنا، بل حتى ولا قبرا يدفنون فيه حين يحين القضاء. وكانت أمي التي لا تقرأ ولا تكتب ولا تعرف شيئا عن السياسة، ما تكاد ترى - من موقفها في شرفة المنزل - واحدا منهم، أمام بوابة منزلنا، حتى تأمرني بأن أصعد إليها، لكي أحمل إليه بعضا من الطعام، وما أكاد أعود إليها بعد تنفيذ ذلك، حتى تحتضني، وتطبطب على رأسي، وتقرأ الصمدية، وتقول: ربنا يحميك من شر ولاد الحرام.. وتمسح بطرف اصبعها دمعة طرقت أبواب العين! ولان الجولة الأولى من الحرب العربية الاسرائيلية الأولى كانت قد انتهت - بعد ثلاثة أسابيع - بتوقيع الهدنة الأولى، فقد دفعتني دموع أمي، لكي أشن الحرب على «أولاد الحرام»، فقررت أن أغير اسم اللعبة التي كنا نلعبها نحن «أولاد أبو عيسى» مع جيراننا «أولاد أبو النجا» من «حرب أطاليا» الذي استوحي في الغالب من معارك الحرب العالمية الثانية أو ربما من الحرب الايطالية الحبشية التي وقعت عام 1935 - إلى «حرب فلسطين»، واخترنا نحن «أولاد أبو عيسى» أن نقوم بدور الجيوش العربية، وأن نعتبر أعداءنا من «أولاد أبو النجا» هم «أولاد الحرام»، لكنهم رفضوا، وأصروا أن يقوموا بدور الجيوش العربية، وبدأت الحرب بالفعل قبل أن نتفق على تقسيم الأدوار، وجرت وقائعها بنفس السيناريو الذي كانت تدور طبقا له، حين كنا نسميها «حرب أطاليا» يتحصن كل فريق في أحد مدخلي الشارع، ويتخذ من أبواب الدور والأزقة المحيطة به، سواتر، ينطلق منها ليقصف «العدو»، بالحجارة، وهو يسبه بعبارات من نوع «خد يا صهيوني يا ابن الكلب» أو «غور في داهية يا حرامي يا نتن»، لتنتهي الحرب - التي تحولت إلى حرب أهلية بين جيشين عربيين هما جيش «أولاد أبو النجا العربي» و«جيش أولاد أبو عيسى العربي» - بأعداد كثيرة من قطع الحجارة تتناثر على ساحتها لنعود فنجمعها استعدادا لاستئناف الحرب! وكان مقدرا لهذه الحرب أن تستمر، لولا انني أصبت في أحد هذه المعارك بقذيفة محكمة، استقرت فوق حاجبي الأيمن، حيث لا يزال أثرها قائما حتى اليوم، لتترتب على ذلك اجراءات عنيفة، فقد عقد أصحاب الفخامة رؤساء عائلتي أبو عيسى وأبو النجا، اجتماع قمة عاجلا، انتهى باعلان مشترك بوقف الحرب، واقرار السلام خيارا استراتيجيا لأولاد العائلتين، وباقامة محطة انذار مبكرة لضرب كل الأولاد الذين يغامرون بتخزين الطوب، أو يشرعون في استئناف الحرب. لكن الحرب التي أوقفها أصحاب الفخامة رؤساء أبو عيسى وأبو النجا، صيف 1948، استؤنفت في خريف العام نفسه، إذ ما كدت أغادر قريتي إلى القاهرة لكي أبدأ دراستي الابتدائية، حتى بدأت المرحلة الثانية من الحرب العربية الاسرائيلية الأولى، وسمعت صفارات الانذار بالغارات الجوية لأول مرة في حياتي، وصعدت إلى سطح البناية التي كنت أقطن بها فور انتهائها لأجمع شظايا المدافع المضادة للطائرات التي كانت تنطلق من منطقة القلعة القريبة .. واحتفظت بها لسنوات. ومع ان الهدنة الدائمة وقعت بعد ذلك في بداية عام 1949، إلا ان الحرب استمرت ولا تزال مستمرة بعد نصف قرن على ذلك، وإلا فكيف ولماذا تسيل تلك الدماء، ولأي سبب يموت كل هؤلاء الذين أشاهدهم على امتداد شهور وأسابيع وعقود جنازاتهم غير الذين ماتوا من دون أن يشيعهم أحد، أو يعرف لهم أحد قبرا يزار. أنا في الواقع شاهد حي على ان كل الذي جرى خلال تلك الأعوام الخمسين كان حقيقة لا خيالا، وواقعا حيا وليس كابوسا، وباستطاعتي أن أمثل أمام أي محكمة لكي أحكي كل شيء، من مشهد اللاجئ الفلسطيني الذي جاء يطلب لقمة يسد بها جوعه، إلى ذلك المشهد الثابت لأطفال يموتون وأمهات يصرخن، وشيوخ يكظمون دمعهم وهم يودعون أبناء غادروا الدنيا قبل الأوان. أنا سمعت كل الأغاني التي أذاعتها كل الاذاعات العربية، تدعو للجهاد، وتعد بتحرير فلسطين، وكان أولها هو نشيد «يا مجاهد في سبيل الله.. دا اليوم اللي بتتمناه» الذي غنته «سعاد محمد» بصوتها العذب القوي العفي في أول أفلامها «فتاة من فلسطين»، وكانت أشهر أغاني ذلك الزمان، تكرر الاذاعات العربية كلها اذاعتها مرات عديدة كل يوم، ويستعذب الناس سماعها. ومازلت أحتفظ في ذاكرتي بصورة «أفيش» الفيلم كما رأيتها معلقة على ناصية الشارع الذي كنت أسكن به، إلى جوار دكان عم شحاتة البقال، ولا أدري كيف فاتتني مشاهدته، لكنني ظللت أترصده طوال السنوات التالية، لعل احدى دور عرض الدرجة الثالثة، أو احدى قنوات التلفزيون تعرضه بلا جدوى، والغالب انه قد تدمر، كما دمرت أشياء كثيرة من شواهد التاريخ. وحين عرفت في العام الماضي ان «سعاد محمد» ستغني في احدى حفلات الفرقة القومية للموسيقى العربية، حرصت على أن أحضر الحفل، متمنيا أن أسمع «يا مجاهد في سبيل الله»، لكن الزمان الوغد، كان قد غير كل شيء: تقدمت «سعاد محمد» على خشبة المسرح بخطوات بطيئة متعثرة، كما ينبغي لامرأة تقترب من السبعين، بمساعدة المايسترو «سليم سحاب» ووقفت مترددة أمام الميكرفون، ثم غنت أغنية واثنتين وثلاثة، كان من بينها أغنية فريد الأطرش الشهيرة «بقى عاوز تنساني»، قلت: أنساك يا سلام!.. وتمنيت لو ان أحدا ملك الجسارة التي عزت علي، فطلب إليها أن تغني: يا مجاهد في سبيل الله. لكن الجميع كانوا قد نسوا، أو لعلهم فضلوا أن يتناسوا.. وكان الذي عزاني ان صوت المرأة رغم الشيخوخة لا يزال قويا وعفيا، وانها عاتبتني بصوتها الجميل لانني أفكر في نسيانها. أنا ما أزال أتذكر أغنية جميلة، غناها «عبدالوهاب» في تلك السنة، على لسان جندي من جنود حملة فلسطين، يودع بها خطيبته، قبل سفره مع الجيش يقول مطلعها «مين زيك عندي يا خضرة.. وانا رايح للميدان»، وقد أدهشني أن أعرف فيما بعد ان كاتب هذه الغزلية الوطنية الرقيقة هو اللواء «عبدالمنصف محمود باشا»، الذي كان مديرا عاما لخفر السواحل، فضلا عن انه كان شاعرا وباحثا في التاريخ، وله مجموعة من الكتب الرائدة عن البحيرات المصرية. أنا أحفظ كل شعر تغنى بفلسطين، وكل وعد رسمي بتحريرها من البحر إلى النهر وكل كتاب درس قضيتها من الغلاف للغلاف، وكل لحن تغزل فيها وتوعد أعداءها، بل وأستطيع رغم الداء والأعداء وعملية الشرايين وضعف النظر والذاكرة أن أتلوه عن ظهر قلب وأن أغنيه بصوتي الأجش الذي أفسده التدخين، صحيح انني لا أضمن ألا يحوله الحزن المستكن في ضلوعي من لحن حماسي إلى لحن فاجع، ومن ايقاعات النصر إلى ايقاعات الهزيمة، إلا انني مستعد تماما لكي أمثل أمام القمة العربية، أو القمة الإسلامية أو أمام محكمة العدل الدولية، أو مجلس الأمن، أو المحكمة التي سيمثل أمامها شارون بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لكي أغني، كل الأناشيد، من نشيد «أخي جاوز الظالمون المدى.. فحق النداء وحق الفداء» «أتتركهم يغصبون العروبة مجد الفتوة والسؤددا» الذي كتبه «علي محمود طه» ولحنه وغناه «عبدالوهاب» إلى نشيد «أنا أكره إسرائيل وأحب عمرو موسى» الذي لحنه - وكواه - «شعبان عبدالرحيم»! بل انني سوف أفعل ذلك دوما، إذ ما الذي يستطيع إنسان أمضى عمره كله، يسمع نفس الأغاني والتصريحات والقرارات والخطب، التي تتحدث عن تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وعن جيش من المتطوعين قوامه ستة ملايين مواطن، على استعداد للزحف على اسرائيل لكي «يجيب عليها واطيها»، إذا ما فتحت الدول المجاورة لها حدودها أمامه، وعن اعتمادات بمئات الملايين من الدولارات تم رصدها لدعم كفاح الشعب الفلسطيني، وعن خطة حربية عبقرية لتحرير فلسطين عبر طهران، وللوصول إلى القدس عن طريق الكويت، وعن العدو الذي كنا ننتظره من الشرق فجاء من الغرب، ما الذي يستطيع هذا الإنسان أن يفعله غير ارتكاب الخطايا. ثم انني - فضلا عن ذلك - أصر على سماع شهادة المرحومة «أم عبده» وهي خادمة ريفية وجدتها تعمل في منزلنا عندما وصلت إلى القاهرة في خريف عام 1948، وكانت كلما انفردت بنفسها انخرطت في البكاء والنواح، وفي ترديد جنائزيات شعبية ما أزال أذكر منها: «حكمت يا بين بخنقي.. بحبح الخية.. لا أم تبكي ولا عمة ولا خية».. ولما سألت عرفت ان زوج ابنتها الوسطى كان من أوائل الجنود المصريين الذين استشهدوا في حرب «فالاسطين» - هكذا كانت تنطقها، ولم يكن قد مضى على زواج البنت سوى عام، أنجبت خلاله طفلا صغيرا. وذات صباح خلعت «أم عبده» ملابس الحداد التي كانت ترتديها، وارتدت جلبابا ملونا، وصحبتني أنا واخوتي وابنتها وطفلها إلى ميدان ما، لا أتذكر اليوم اسمه، ولا شكله، أما الذي أتذكره فهو انه كان محاصرا بكتل لا تحصى من البشر - ومع ذلك فقد نجحت «أم عبده» - في أن تشق لنا طريقا حتى وقفنا في الصف الأول أمام طابور من جنود الشرطة متشابكي الأيدي لحماية ساحة الميدان الذي كان سوف يمر به موكب ما من تدافع الناس، وما لبث الموكب الذي تتقدمه سيارات عسكرية أن هلّ، يتوسطه رجل أسود اللون، عرفت فيما بعد ان اسمه الأميرالاي - العميد - سيد طه، وكان قائدا لفرقة من فرق الجيش المصري، حوصرت في قرية الفالوجة الفلسطينية، وقد ظل صامدا على امتداد شهور، ورفض أن يسلم نفسه أو أسلحته للجيش الاسرائيلي الذي كان يحاصره، إلى أن تم توقيع اتفاق الهدنة الدائمة، فعاد إلى أرض الوطن، وتقرر تنظيم استقبال شعبي له، كان هو الذي قادتنا «أم عبده» لكي نشاهده. وحين ظهرت بداية الموكب في الطرف الأقصى من الميدان، تكاثف الزحام واختل ترتيب الصفوف، فحملتني «أم عبده» على كتفها حتى أستطيع أن أشاهد «سيد طه» الذي كانت الصحف تطلق عليه آنذاك وصف «الضبع الأسود»، وحين اقتربت السيارة التي كان يستقلها من الموضع الذي كنا نقف فيه، زغردت «أم عبده» وقالت لابنتها: «زغردي يا بت».. ثم غمزتني في يدي وقالت: شاور له بإيدك يا واد «قبل أن تندفع هي نفسها في زغاريد متصلة، لا تقطعها إلا لكي تقول: زغردي يا بنت.. شاور يا واد. وفي إحدى الجنازات التي ودعت شهيدا فلسطينيا ممن استشهدوا خلال الاسبوع الماضي، قال أبوه: زوجناه الخميس اللي فات، واستشهد الخميس ده.. يا هناه.. زف مرتين في جمعة واحدة!. غادرت موقعي أمام التلفزيون، ووقفت في الشرفة، فكرت في أن أقيم دعوى أمام محكمة العدل الدولية، أطلب فيها حمايتي من رؤية ما تبثه نشرات الأنباء من صور توجع القلب، وتشعرني بالعجز، وأنا - في الأصل - رجل عجوز موجوع القلب، أمضيت نصف قرن من عمري، أستمع إلى نفس الأنباء، وأرى نفس الجثث والأشلاء، وتقتحم أذني أصوات النواح والبكاء، وأردد نفس الأناشيد والأغنيات، وأقرأ نفس الخطب والتصريحات، وتتصاعد في الهواء حولي نفس الشعارات والهتافات، وأنا في الواقع أريد أن أتكلم في السياسة، فقد تكلمت فيها على امتداد نصف قرن، وليس لدي في الواقع أي اعتراض على أحد من السادة الفضلاء الذين يدلون بالتصريحات، كل مشكلتي ان طبيبي المعالج أمرني ألا أنفعل، أو أغضب، أو أكظم الغيظ، وأن أحمي نفسي من المشاعر النفسي الباعثة على القلق، أو التي تؤدي إلى كثرة التدخين، وأن أنام عددا كافيا من الساعات، ومع انني أقسم كل يوم ألا أستمع إلى نشرات الأخبار، خاصة نشرة أنباء ما قبل النوم، إلا انني لا أستطيع أن أعدل عن عادة أمارسها منذ أكثر من نصف قرن؟ فهل يعرف أحد منكم طبيبا ينصحني بغير ما نصحني به طبيبي؟! ـ كاتب وصحفي مصري