حكى لنا الدكتور عبدالقادر باجمال رئيس الوزراء اليمني الحالي انه في السبعينيات كان وزيراً للتخطيط فيما كان يسمى اليمن الجنوبي، فأراد تطوير جزيرة سوقطرة الواقعة في جنوب اليمن وهي جزيرة جميلة وعذراء في نفس الوقت، ولكن تنقصها خدمات كثيرة، فتم شق طريق رملي قصير على حافة البحر، ولكن الجزيرة لم يكن بها سيارات للسير في هذا الطريق، فاستقدم لها سيارتان من البر، وبعد اسبوع حدث تصادم مروع بين السيارتين الوحيدتين في الجزيرة، وتبين ان السبب هو ان احد السائقين قدم من عدن، وقيادة السيارة فيها على اليسار، حسب الترتيب الانجليزي السابق، والسائق الثاني كان يعمل في الكويت بينما القيادة فيها على اليمين. كان ذلك في السبعينيات، ولكن منذ ذلك الوقت حتى مطلع القرن الواحد والعشرين جرت في اليمن مياه كثيرة، منها الوحدة اليمنية التي تكرست في اواسط تسعينيات القرن الماضي، والاتفاق على ترسيم الحدود الشمالية مع المملكة العربية السعودية، التي كانت تستنزف من اليمن وسياسته الكثير من الجهد، كما كانت تشكل عقبة بين اليمن ودول الخليج، واذا كانت الوحدة قد اصبحت حقيقة، والاستقرار الحدودي حقيقة اخرى، فيرجع الفضل في ذلك لحكمة كبيرة وعميقة للقيادتين السعودية واليمنية، التي تمكنتا باتفاق متبادل من نزع فتيل ظل يهدد بالاشتعال لفترة طويلة في جنوب الجزيرة العربية. الا ان خطط التنمية مازالت في اليمن تذكرنا بالسائقين في جزيرة سوقطرة في السبعينيات، ففي ظل تعددية سياسية، لم ترسم لليمن بعد خطط للتنمية التي تنقل المجتمع اليمني بألوان الطيف فيه الى بداية القرن الواحد والعشرين، فالبعض يطالب بانفتاح وتعددية اقتصادية، والبعض الاخر مازال يعتقد ان اشتراكية من نوع ما مطلوبة لليمن، ولكل طريق، قد يتصادم في نهاية المطاف. فمازال اليمن يعاني من نقص كبير في وجود فرص لتدريب كوادره التي تتدفق الى المدارس والجامعات بعدد كبير يزداد كل عام، ولقد ركبني العجب عندما عرفت من رئيس جامعة صنعاء الدكتور ناصر العولقي التي افتتحتها الكويت في بداية السبعينيات من القرن الماضي، ان عدد الطلاب اليوم يناهزون السبعين الف طالب، وهو عدد ضخم بكل المقاييس وربما اكبر عدد من الطلاب في اية جامعة عربية، وعند التجول في كلية الطب، والتي هي من حيث البناء والتجهيز تضاهي كبريات مدارس الطب في العالم، وقد تم افتتاحها في نهاية الثمانينيات، وجدت عدداً كبيراً من الطالبات وقد حصلن على معدلات متقدمة في نسبة النجاح في الثانوية العامة. ولا يجدن مكاناً لهن لتعلم مهنة الطب. فقد دار حوار جميل ولكنه ثقيل على النفس، في قاعة جميلة للاجتماعات مسماة على اسم الشيخ جابر الاحمد، اعترافاً بما قدمته الكويت في بناء هذه الكلية، وعلمت من الطالبات ان هناك في مجتمعاتنا العربية من يطلب العلم ويجد فيه، ولكن الفرص غير مواتية، وهذا ما يعرف في علم الاقتصاد وبأية لغة تريدها بأنه تبديد للطاقات العربية، فكم هو اليمن محتاج الى اطباء ومهندسين، وكم هو العنصر البشري راغب وقادر، وكم هي الامكانات قاصرة عن تلبية الاحتياجات الملحة. لقد عادت العلاقات اليمنية الكويتية الى احسن صورة، فبعد زيارات عديدة من مسئولين كويتيين كان على رأسهم الشيخ صباح الاحمد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية اعقب ذلك زيارة موسعة لأعضاء مجلس الامة واخرها وفد برئاسة رئيس المجلس الاستاذ جاسم الخرافي، وقد زار بعض المهتمين من الكويتيين اليمن منذ اربع سنوات لاستكشاف النهج الجديد للسلطة اليمنية تجاه قضايا عربية وخليجية ملحة، وفي كل هذه الزيارات تجلى الموقف الشعبي اليمني على افضل صورة من الاخاء والود. اما زيارة الوفد الثقافي الكويتي الاسبوع الماضي فقد كانت ودية وجماهيرية في آن، فقد تدفق على المركز الثقافي في صنعاء آلاف من المهتمين بالمسرح والموسيقى والمحاضرات المختلفة، والفنون التشكيلية والتطلع الى المطبوعات الكويتية، وكان ذلك دليلاً على شغف اليمني بالثقافة بأنواعها وتجلياتها المختلفة. ولا ننسى ان الوضع اليمني الاقتصادي والسياسي خاصة، ليس بالسهل ولا بالهين، فاليمن دخل التاريخ الحديث منذ اربعة عقود فقط على الاكثر، بعد حكم ثيوقراطي امتد لألف عام، فاليمن كان قبل ذلك التاريخ مكاناً معزولاً، لا يعرفه احد الا من كتب التاريخ وفي الاربعين عاماً التي تلت لم تكن ركوناً مريحاً للتحديث، فدمر بحروب اهلية وقبلية وسياسية، وانقلابات في الحكم لم تكن متطهرة من العنف او الدم، بل ربما يمكن القول دون مبالغة، ان اليمن لم ير الاستقرار الا منذ فترة وجيزة من الزمن، هي فترة حقق بها الكثير من المنجزات النسبية، فبعد انقضاء اربعة اعوام من الزيارة السابقة إلي لليمن، وجدت ان التطوير والتغيير قد شق طريقه بشكل ملحوظ، فلم تعد صنعاء القديمة دون ارصفة، ولم تعد صنعاء الجديدة دون احياء تذكرك بالاحياء الحديثة في بعض المدن العربية، ولكن هذا التحديث جاء بمشكلاته ايضاً، فقد تزايد عدد السكان نتيجة تقدم العناية الصحية، وهذا التزايد يشكل عبئاً على الموارد المحدودة المتاحة لليمن، فيتحدث الناس من بين امور اخرى، عن احتمال شح المياه، وهي نفط القرن الواحد والعشرين، خاصة في المدن، وندرة في مقاعد الدراسة لعشرات الآلاف من الطلاب في سن الجامعة، مع غيرها من المشكلات الاجتماعية التي قد تتحول الى مشكلات سياسية في اية لحظة، مع وجود احتقان سياسي باد، بين ثلاثة شعارات هي الحصان (شعار حزب المؤتمر العام) وبين الشمس (شعار حزب الاصلاح الاسلامي) وبين نجمة الاشتراكيين، التي تبدو قليلة الاشعاع هذه الايام. حزب المؤتمر هو حزب الاغلبية وهو الحزب الحاكم، وقد شكل الوزارة الاخيرة من اعضائه دون ائتلاف، ولكن المنافسة كبيرة من جانب الاصلاح والذي تبوأ اطروحات اسلامية سياسية، وفي نفس الوقت هو منظم كأمثاله في كل بلاد العرب المسلمة او معظمها، وفي بعض اطروحاته يميل الى المحافظة الشديدة، حتى يجد المراقب نفسه حائراً بين اطروحات الشوكاني المصلح الديني اليمني منذ مئتي سنة ووضع اليمن وقتها كما كان، واطروحات الزنداني المعاصرة، والتي تبدو في معظمها اكثر تراجعاً من اجتهادات المصلح الكبير. في السباق الكبير بين الحصان والشمس على اصوات وافئدة اليمنيين، يمكن ان تتغير اطروحات الحصان المعتدلة الى شمس ساخنة وكبيرة الاثر على الجزيرة العربية، ومع فشل التنمية اليمنية يمكن ان يتحول الفشل الى مشكلة سياسية لا تصيب طائفة ممن في اليمن فحسب، بل في اقطار الجزيرة والخليج، فتخشن الحياة السياسية في اليمن بسبب وضع التنمية المتعثر، لذا فهناك مصلحة حقيقية لانعاش التنمية وبرامجها في اليمن ليس من منظور الهبات والمساعدات، بل من منظور الشراكة، لأن تأهيل الانسان اليمني سيؤدي بالضرورة الى انعاش المنطقة ككل، وتجنيبها شرر المزايدة التي اكتوينا منها جميعاً، عدا ذلك هو تخفيف قدرة القوى المضادة تغذية الضغينة السياسية بين اهل النفط وغيرهم من العرب. وارى ان وضع اولويات العمل في اليمن تكمن في ان اليمن في حاجة لتسويق امكانياته الكبيرة، فهناك امكانيات وفرص متاحة لم يستطع اليمنيون ـ حتى الان ـ ان يقوموا بتسويقها على افضل وجه، ولا يفوتني ملاحظة ان هناك نخبة يمنية تعي المشكلات حولها، وتعرف بعض حلولها، وذلك امل لكل المحبين لليمن علينا ان نتكل عليه وايضاً نساعده ما امكننا ذلك. ـ امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت