لمحت صورتها وسط ركام الأحداث التي وافتنا بها وكالات الأنباء طفلة من ايرلندا.. دامعة العينين يحاول شرطي طول بعرض ماشاء الله أن يواسيها أو يلاعبها.. أو هكذا قالت الصورة، وما كان لصورة طفل يبكي أن تستوقف المرء كثيرا للأسف الشديد وسط دوامة هذا الزمن الذي لم تعد فيه قلوب البشر تنفطر - ناهيك أن تتعاطف ـ إزاء صورة طفل يبكي أو عجوز يتجه الى المهجر أو المنفى أو أسرة في افريقيا أو البوسنة أو فلسطين المحتلة تحمل ما تبقى لها من متاع ثم تتخذ خطاها على طريق لا يعلم أفرادها الى أين يقودهم وما المستقر أخيرا أو المصير. الذي استوقفني هو كلام الصورة.. الكابشن كما نقول في خدمة الصحافة.. والكلام يقول انها صورة طفلة ايرلندية تبكي بحرقة شديدة لأن أحداث الصراع الأهلي ـ الداخلي في أيرلندا حالت ذات صباح بينها وبين أن تصل الى مدرستها. ولله في خلقه شئون حقا. بكت الصبية الايرلندية لأنها وجدت الطرق الى المدرسة مغلقة.. فشتان بين حالها في ايرلندا وبين الحال الذي عايشناه وذقناه وألفناه في بلادنا اليعربية السعيدة الى أبد الآبدين. لقد كان الذهاب الى المدرسة في زماننا الغابر أقرب ما يكون الى السير على الجمرات وكأن لسان حال الطفل فينا يقول أيامها: فوق الشوك مشّاني زماني.. واذا كان عبدالحليم في أغنيته الرقيقة الشهيرة يحكي عن مسيره على طريق الحب.. فقد كان التلميذ المسكين مال أول كما يقال هذا في الخليج يقتادونه الى مدرسته فيكون حاله ـ المسكين ـ كمن يساق الى ساحة الإعدام. وربما كان من حق الصبّية الايرلندية أن تبكي شوقا الى مدرستها، وروضتها وأسفا على فراقها.. لكن كان حالنا أبعد ما يكون عن لهفة شوق ولا أسف على البين ولا تفجع طبعا على فراق.. والأسباب شتى: أولا لم نكن نعرف حكاية الروضة.. دع عنك حكايات البرسكول والكي جي «كندر جارتن» الألمانية أو الحضانة التي باتت في أيامنا الهنية المعاصرة تحمل أسماء أفرنجية ما بين الاسبور الى ميلوديز وما بين جرين ميدوز الى لتل فالي.. أو بالقليل القليل أسماء يعربية رقيقة وظريفة من أمثال الزهور أو الربيع أو الأشبال أو ماما فلانة.. الخ. لا ندري لماذا كان أهلنا ـ في زماننا الغابر ـ شغوفين بالأسماء التقليدية والعبارات الخطابية الأقرب الى الشعارات الانتخابية.. كثير من أسماء مدارس ذلك الزمان كان على وزن مدرسة المساعي المشكورة أو مدرسة التهذيب الخيرية.. أو الجمعية الاسلامية أو التوفيق القبطية فما بالك بأسماء من قبيل الأغا مستحفظات أو الوالدة.. باشا لا عجب أن اختار نجيب الريحاني ـ الكوميديان العظيم اسما لمدرسة عرض لها في فيلم «سلامة في خير» وما زالت ذاكرتنا تعيه لفرط طرافته وهو مدرسة «زين المواصف الابتدائية» وهو اسم لا معنى له كما ترى ولكنه كان جريا على عادة اختيار المسميات وكأنها مقتبسة من كتابات المنفلوطي أو من لافتات المحلات القديمة أو من سطور موضوعات الانشاء وبالمناسبة مدارس المساعي المشكورة كانت سلسلة من المعاهد التعليمية التي تنادى الى إنشائها فريق من المثقفين الوطنيين من خريجي المدارس العليا وكانت تشكل بعبارات مضيئة حقا في تاريخ التعليم الأهلي في مصر يقوم على أمرها باقتدار وامتياز دوائر المجتمع المدني إذا ما استخدمنا مصطلحات تلك الأيام.. وكان انتشار هذه المدارس في مناطق وسط دلتا النيل ـ محافظتا المنوفية والغربية بالذات، تماما كما كانت مدارس التوفيق القبطية تنتشر بنفس الامتياز والاقتدار في محافظات الصعيد ـ الأوسط بالذات.. ولا تغرنك الشعارات والمسميات فقد كانت كل هذه المعاهد العلمية مفتوحة لتعليم المسلمين والمسيحيين على السواء. أما مدرسة التهذيب الخيرية فقد كانت ـ ولا فخر ـ هي أول معهد علمي ألحقتنا به أسرتنا القاهرية ونحن ـ بحمده تعالى ـ ندرج على سن الخامسة من العمر.. نبادر فنقول انها لم تكن لا مدرسة.. ولا كان فيها تهذيب ولا كانت خيرية. ألم نقل لك أن المسألة كانت شعارات بالدرجة الأولى. نعم مدرسة التهذيب اياها كانت كُتابا «بضم الكاف وتشديد التاء» لتحفيظ القرآن الكريم أو بعض آياته وسوره القصار الى جانب مبدأي الخط العربي والحساب.. ولأن البساط كان أحمديا ولا شروط ولا قيود.. فقد كنا نذهب الى هذه المدرسة الساذجة كما قد نسميها بأي بنطلون قصير ـ وبالجلابية أحيانا.. وربما نذكر أن وضعوا على رؤوسنا الصغيرة وقتها طرابيش حمراء ـ لا أدري من أين أتوا بها.. وقد كان مرآها مدعاة ولاشك لأن تسترسل الصبية الايرلندية بدل البكاء ـ في ضحك متواصل وعميق. ثم ان مدرسة التهذيب لم تكن خيرية بمعنى أنها لم تكن مجانية ولكن كان صاحبها «حضرة البيه الناظر كما كنا نسميه» كان يتقاضى على كل رأس أو بالأدق على كل طربوش صغير مبلغا شهريا معلوما ربما أذكر أنه كان في حدود ربع الجنيه.. وقد كان مبلغا جسيما بدليل أن جمهرة من زملاء الهنا في الدراسة كانوا يتعرضون للوم والتقريع وأحيانا الفزع على أيديهم الغضة تذكيرا لأهلهم أن يدفعوا ـ قسط ـ المصاريف. وفيما يتعلق بحكاية التهذيب التي تشكل جزءا من شعار المدرسة، فالحق أننا تعلمنا أول الشتائم التي مازلنا نحفظها في مفردات قاموسنا الشوارعي بين جدران مدرسة التهذيب. مع هذا كله ـ مازلنا ندين لهذا المعهد الساذج ولمبلغ ربع الجنيه الذي كان الأهل يدفعونه لأغراض التعليم والتثقيف.. بأننا تعلمنا منذ تلك السن الباكرة كيف نروض لسان الطفل على النطق الصحيح لآي القرآن ومن ثم اللفظ السليم لكلمات العربية.. بل يقول المخضرمون من ذوينا أن كان لساننا في تلك المرحلة تخالطه لثغة في حرف الراء فإذا بالمسائل تنعدل واذا باللثغة تزول واذا بالراء ترفرف بليغة واضحة ناصعة من غير سوء.. حتى أنها من أقرب حروف العربية الى وجداننا. كيف لا.. وصديقنا المتنبي يوّقع على أوتارها قائلا: أرق على أرق، ومثلي يأرق وجوى يزيد وعبرة تترقرق على أن الفضل في تقويم اللسان لم يكن لأساليب البداجوجيا التي كانت متبعة ـ حاشا لله ـ في مدرسة التهذيب الخيرية.. بل الفضل الحقيقي يرجع الى عصا الست فتحية.. جزاها الله كل خير في الحياة الدنيا والآخرة.. كانت امرأة أقرب الى جد الجهامة.. ترتدي السواد بغير انقطاع ولعلها كانت تنحدر من بيئة أزهرية إذ كانت مسامعنا تلتقط من ألفاظها مصطلحات من قبيل: المد أو الادغام أو الوصل في التلاوة.. أو الوقف الجائز أو الوجوبي.. الخ. لم نكن نفهم المصطلحات.. ولكن كنا نتعامل مع هذه الكلمات بروح تشربناها من الاجلال والمهابة إن لم يكن الوجل واستشراف أمر خطير ومجهول. وبهذه المشاعر استقامت الألسنة وصلحت لنا لغتنا.. طبعا كل هذا تقييم لاحق توصلنا اليه وفهمنا جدواه ومغزاه بعد أن تقدم العمر واشتعل الشيب.. وربما بعد أن تحققنا تماما من أن أصبحنا في مأمن من عصا المعلمة وإن لم يعد من واجبنا أن نصحو مع فلق الاصباح، من النجمة كما يقول المصريون وأن نساق منفارين صاغرين بغير حول ولا قوة الى مبنى متداع متهالك عاطل من كل ما يشوق الطفل أو يجذبه ولو لحظة من زمن ـ أين هذا من مدارس.. روضات.. حضانات الألفية الثالثة.. التي أصبحت ساحات للعب ومدارج للتسلية ونوادي للنشيد.. لا عجب أن تهفو اليها نفوس أطفال هذا الزمان.. وإن تطالعك من ثم صورة طفلة من ايرلندا تبكي لأنها لم تتمكن من الوصول الى المدرسة ذات صباح.