عندما أقدم الرئيس المصري الراحل أنور السادات قبل أكثر من عشرين عاما على توقيع أول اتفاق تسوية عربي منفرد مع الكيان الصهيوني أطلق شعار: «حرب أكتوبر آخر الحروب»، وقبل أن يمر وقت طويل على اغتياله اجتاح جيش الكيان الصهيوني لبنان ووصل إلى بيروت. وخلال الثمانينيات والتسعينيات لم تنقطع أشكال الصراع ما بين عمليات استشهادية وعمليات أكثر تنظيما لحزب الله وانتفاضة استمرت لسنوات. وافتتح القرن الحادي والعشرين بحالة توتر ممتدة لم تنجح كل الإجراءات الأمنية والسياسية في إزالتها، والأرجح أنها مرشحة لاحتمالات أشد سوءا. وقد عادت الحرب لتطرح نفسها كاحتمال وارد من خلال تصريحات سياسية وتحليلات إعلامية وتجاوز الأمر ذلك إلى نشر سيناريوهات محتملة. على صفحات هآرتس الإسرائيلية كتب جدعون سامت (11/7/2001) مقالا استهله بقوله «عدد مفرط من السياسيين يتحدثون في هذه الأيام بصورة مبهمة عن إمكانية اندلاع الحرب»، وفي أول محاضرة يلقيها منذ أن خسر الانتخابات ظهر إيهود باراك مرتديا زيا عسكريا وحذر من عمل عسكري يقدم عليه شارون في ظل ظروف دولية غير ملائمة، أما شيمون بيريز فبدأ هو الآخر يحذر من عواقب خطوة عسكرية شاملة. ورغم تصريح شارون قبل أيام بأن الشرق الأوسط لن يشهد حربا فإن مؤسسات صهيونية بدأت ترسم سيناريوهات الحرب المحتملة. أحد هذه السيناريوهات يذهب إلى أن إقدام الكيان الصهيوني على إعادة احتلال أرض السلطة الفلسطينية قد يدفع مصر إلى خطوة محسوبة تتمثل في دفع الجيش الثالث ليعبر قناة السويس ويتمركز في سيناء لتنتهي الترتيبات الأمنية التي نشأت عن اتفاقية التسوية، وحسب هذا السيناريو فإن ذلك لن يعني نشوب حرب إذ سيقتصر رد فعل الكيان الصهيوني على تحريك فرقتين مدرعتين لحماية حدوده. وقد نشرت جريدة «لاربوبليكا» الإيطالية مقالا لكاتب يساري إيطالي هو أدريانو سوفري جاء فيه: «في الآونة الأخيرة كثر الحديث عن أنه لا بديل للسلام، ومع ذلك فالبديل قائم وتزداد احتمالاته يوما بعد يوم» وهو ما يعني أن الحديث عن الحرب كاحتمال ليس حالة إقليمية وحسب. والحرب ليست واردة كمتغير نوعي مقابل أو مناقض لخيار التسوية على الجانبين، بل هي واردة كخطوة تكتيكية يحاول بها الكيان الصهيوني تصدير أزمته خارج الحدود، وهي سياسة سبق استخدامها. فالحرب في الخبرة الصهيونية عامل من عوامل الحفاظ على وحدة الصف في مجتمع يهدده صمت المدافع بأخطار يمكن أن تهدد وحدته تهديدا فعليا. وحسب تصريح لعبد الإله الخطيب وزير خارجية الأردن (17/7/2001) فإن الكيان الصهيوني يعتزم القيام بمهاجمة سوريا و لبنان لإدخال المنطقة - أو بعض دولها - دوامة من عدم الاستقرار تعطيه فرصة التقاط أنفاسه. ما سقط ليس فقط شعار أنور السادات بل عشرون عاما من السعي وراء سراب تسوية سلمية لصراع من المستحيل حسمه إلا بالحرب أو بصراع مركب ممتد يؤدي إلى تفكك الكيان وصولا إلى زواله. أما البديل فهو شديد المرارة ومن المؤكد أنه أشد مرارة من الحرب نفسها. ـ كاتب سياسي مصري