تعيش الحكومة الاسرائيلية ازمة سياسية بدأت حقيقتها تنجلي بوضوح، رغم محاولات رئيسها ارييل شارون اللعب في الداخل وجهده المستميت بعدم نشر غسيل حكومته في هذه الفترة، خاصة ان الشارع الاسرائيلي قد فقد الامن الذي وعد به شارون، بل يتصور البعض ان نصف السياج الامني الذي خلفه باراك اصبح في عهد شارون سياجا رخوا يخترق بسهولة مستدلين على ذلك بنجاح العمليات الاستشهادية في عمق ما يسمى بالحزام الاخضر. لذلك يتجه شارون عبر اعماله العبثية محاولا ارضاء ناخبيه، سواء من خلال عمليات القصف اليومية للفلسطينيين او حرب الاغتيالات التي يخوضها دون ادراك نتيجتها الانعكاسية من الجانب الفلسطيني، مما يجعل كل ما يقوم به شارون يدلل دلالة واضحة على فقدانه السيطرة على نفسه اولا وعلى حكومته ثانيا التي بدأت بوادر ازمتها بالانفجار الخفي واللعب على المكشوف احيانا من قبل الاحزاب الصهيونية سواء كانت داخل ما يسمى «بحكومة الوحدة الوطنية» او خارجها. ففي داخل الحكومة يبدو الصراع الاولي بين شيمون بيريز وارييل شارون، وهذه المرة تحول الصراع الحزبي بين العمل والليكود الى صراع اطراف. فكل طرف بات يخشى الآخر من جهة ويخشى حزبه من جهة اخرى، فبيريز الذي قبل حقيبة الخارجية في حكومة شارون لم يقبلها لخدمة شارون بقدر ما يحاول ان يجعل هذه الحقيبة بداية سفر حقيقي الى الحكومة كرئيس وليس كوزير، ولعله استفاد هذه المرة من تجربة عسكرية سابقة حينما ارتكب مجزرة قانا وتجربة سياسية تتمثل في محادثات التسوية التي ابتدأ العمل فيها وكان من اكبر مخططي اتفاق اوسلو ومن اكبر معارضي تنفيذ اتفاق الخليل؟ ولكن مع كل الفشل ومع محاولة تصحيح وجهته السياسية سواء داخل المجتمع الاسرائيلي الذي يحاول من خلاله ان يبدي اعتدالا هو في الواقع تطرفا او خارج المجتمع الصهيوني محاولا ان يكون الصورة الدبلوماسية التي تفتح ومضاتها الى السلام امام المجتمع الدولي، مراعيا بذلك مصلحته القادمة لتأسيس تأييد دولي لاسرائيل بعد ان بدأت تفقده من خلال اعمال شارون الرافض بشكل علني العودة الى المفاوضات متمسكا بخيار الحرب الذي اتى الى الحكومة من اجله، بعد ان جعل ايهود باراك يعض اصابعه ندما حينما حماه من ايدي بداية الانتفاضة في المسجد الاقصى. خارطة التطرف وهذه المعادلة التي وضع بها شارون رئاسته على كفة التطرف يبدو انها لم تنجح معه، فعلى مستوى الوقائع صار الخلاف حول الانتفاضة وطريقة معالجتها خلافا جوهريا. فإذا كان شيمون بيريز يحاول ان يكون عرابا للسلام على طريقته طبعا، فإن الخلاف على الحوار بات يأخذ اتجاهات متعددة فرضتها بالطبع الانتفاضة وأفرزت تناقضات الحكومة الاسرائيلية نتيجة لقوة الفعل التي تمتعت بها الانتفاضة سواء من الجانب الشعبي او التنظيمي وبالطبع كسر الجدار الامني الشاروني. وخارطة الاختلاف هذه ضاربة في جذور الحكومة، فإذا كان دعوات شارون الشكلية تحاول الايهام بموقفه من وقف اطلاق النار لتنفيذ خطة ميتشيل، فإن معظم الليكود الذي ينتمي اليه يرفض ذلك ويعتبر شارون مقصرا في الرد، حتى الوزراء الذين وضعهم في حكومته من الليكود امثال سيلفان شالوم يعارضون وقف اطلاق النار بشكل مطلق بينما تتهم الوزيرة (داليا ايتسك) من حزب العمل شارون بفقدانه لأي مشروع قائلة «لا اشعر بأن رئيس الحكومة يملك مشروعا سياسيا، ولنتذكر انه جرب ذات مرة محاربة الارهاب بطرق عسكرية وكلنا يعرف الى اين قادتنا تلك الطرق. ويبدو انها تشير الى حروبه في لبنان ومجزرة صبرا وشاتيلا. وتؤكد رؤية داليا ايتسك ما كتبته صحيفة معاريف حينما قالت: «قذيفة واحدة من دبابة او صاروخ من مروحية يخطيء النافذة المحددة ويدخل تحتها الى روضة اطفال، يمكن ان يعيد اسرائيل عشرين عاما الى الوراء، وحينها ليس شارون وكارمي غليون فقط هم من سيحتاجون الى محامين لامعين وانما نحن جميعا». اذ يبدو شارون هنا محاصرا من متطرفي اليمين ومن اليسار الذي يسعى الى العودة للحكومة وبشتى الطرق الممكنة، ولكن دون خسارة هذه المرة. لكن اليسار الذي ما زال بيريز يمثله بحزب العمل يبدو انه غير قادر الآن على الخروج من الحكومة لأسباب، اولها ان بقاءه سيخفف من شبح باراك وخسارته، ومن واقعية تنافس ابراهام بورغ وبنيامين بن اليعازر على زعامة حزب العمل الذي بات يشكو اضطرابات كثيرة خلقها ايهود باراك بخسارته الكبيرة امام شارون. ومن جانب آخر فإن خروج بيريز من الحكومة سيسبب احراجا كبيرا له في هذه المرحلة، وقد يستغل شارون هذا الخروج بطريقتين الاولى الضرب على وتر الوطنية واتهام بيريز بالخوف من الفلسطينيين والثانية الاسراع من قبل شارون بالاتصال بالاحزاب اليمينية المتطرفة لضمها الى حكومته، وهذا ما بدأت بوادره بالفعل بعد اجتماع بالمجلس الوزاري المصغر بعد عملية القدس الاستشهادية واحتلال بيت الشرق، حيث لم يستطع بيريز هذه المرة سوى الاعلان عن رفضه لسياسة شارون مع الوزيرين أفرايم سنيه (مواصلات) وماتان فلنائي (العلوم والثقافة) وهما من حزب العمل، مع الاشارة الى ان وزير الدفاع بنيامين بن اليعازر وهو ايضا من حزب العمل وافق على سياسة شارون. ولم تجد داليا ايتسك وزيرة الصناعة سوى القول لبيريز: «لماذا ينبغي علينا البقاء في هذه الحكومة... ان لم تكن لديك خطة للخروج من هذه الورطة عليك ابلاغنا ان نخرج من الحكومة ونحاربها» وبذلك يجد بيريز مبررا للخروج دون احراج ان كان في نيته الخروج واضعاف موقعه المستقبلي اذا لم يستطع محاربة الحكومة والسعي الى انتخابات مبكرة، وهو بالنسبة لشارون تحد جديد لا يريده في هذه المرحلة، لذلك سارع الى الاتصال بأقطاب حزب المركز المنحل وله في الكنيست خمسة مقاعد، كما اتصل مع حزب المفدال وهو يمني متطرف يقوده اسحاق ليفي وله اربعة مقاعد في الكنيست، وقد تجاهله شارون حين شكل حكومته اما الآن فقد عرض على ليفي الانضمام فورا الى حكومته، وهذا العرض يدل بشكل مباشر على سعي شارون لليمين بعد ان شعر بأن حزب العمل يعمل في وزارته ليعارضه وليس ليسنده، وهو الذي طالما رغب بوجود بيريز الى جانبه خاصة اذا خاض حربا شاملة واحتل المنطقة «أ» التي تتبع كاملة للسلطة الفلسطينية. هشاشة الداخل والواضح ان التناحر قد شمل الاحزاب الاسرائيلية وشخصياتها سواء داخل الحكومة او خارجها، فوزير الدفاع بنيامين بن اليعازر وافق مع شارون على احتلال بيت الشرق رغم انه دائم السعي الى الاجتماعات الامنية مع الفلسطينيين وهي اجتماعات يرفضها شارون، ولكن اليعازر ايضا يسعى الى اضعاف موقف شارون من جهة وموقف رئيس الكنيست «بورغ» الطامح بتجديد سلطته بيريز، اما داليا رابين وقد انضمت الى حزب العمل وشغلت نائبا لوزير الدفاع، فإنها تعارض شارون من جهة وتعارض وزيرها اليعازر من جهة أخرى، فهي لا تريد حوارا مباشرا مع الفلسطينيين كما انها لا تريد اجتماعات أمنية فاشلة بل ضرورة الحوار الخاص بنوعه وبشكل سري، مما يجعلها أيضا تسير خارج سرب حزبها وسرب شارون. وبمقابل هذا التداخل فإن بيريز لا يرى ان الاجتماعات الأمنية التي يقودها اليعازر ستؤدي إلى نتائج مهما تعددت. أما على مستوى اليمين الاسرائيلي فكل له وجهة نظره التي يسعى من خلالها لمركز ما سواء في حزبه أو الحكومة، وهذا ما يخيف شارون بشكل كبير خاصة ان بنيامين نتانياهو بدأ يبشر الجميع بعودته بقوة إلى الساحة الحكومية ويسعى من خلال اظهار تطرفه إلى تلك المكانة السياسية. فالمعروف ان نتانياهو قد وقع اتفاقيتي الخليل وواي بلانتيشن مع السلطة الفلسطينية مما دعا اليمين الاسرائيلي لاسقاطه عن سلم السياسة، ولكنه الآن يجد من خلال ضعف شارون ومنافسه بيريز فرصة للعودة بتبنيه قرارات متطرفة، فقد سعى مؤخرا لتبني مشروع داخل الليكود يجبر شارون على التخلي عن سياسة ضبط النفس كما أسماها. وبالطبع فإن التطرف يزداد في حزب (اسرائيل بيتنا) عبر وزير البنى التحتية (أفيجدور ليبرمان) الذي يقول: «لا حل سياسيا مع الفلسطينيين والحل الوحيد هو الحل العسكري»، وزاد على ذلك بمطالبته استدعاء السفير الاسرائيلي من مصر. والمشكلة المعقدة بالنسبة لشارون هي تدخل المؤسسة العسكرية خاصة تلك الأصوات التي تعارضه، كوزير الدفاع بنيامين بن اليعازر ونائبته داليا رابين وبعض المصادر الأمنية التي ترى بوجهة نظرها تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية خوفا من سيطرة حماس والجهاد على السلطة، وهذا بالطبع يرفضه شارون الذي يعتقد ان أي اتصال بالفلسطينيين سيكون جائزة لهم. ولا ننسى هنا ان موفاز بدأ يفكر عمليا بدخوله معترك السياسة بعد عام من الآن، مما سيجعل المؤسسة السياسية الاسرائيلية مؤسسة عسكرية بامتياز، ولا نقصد رئاسة الحكومة لانها بالأساس عسكرية ولكن أسلوب التعاطي الحكومي مع بعضه البعض سيصبح عسكريا، وهذا بالطبع سيجعل الحكومات الاسرائيلية المقبلة غير مستقرة كما هي عليه الآن وتصبح لعبة السياسة الاسرائيلية لعبة داخلية شخصية يمكن أن تؤدي في النهاية الى توتر دائم يزيد التناقضات في المجتمع الصهيوني الذي بات لا يعرف ماذا يريد وبأي اتجاه سياسي يتوجه، بعد ان جرب حكومات اليمين واليسار وحكومة ما يسمى بالوحدة الوطنية وهي حكومة بات من الواضح انها ستنهار عاجلا ام آجلا. ان قراءة الواقع السياسي الذي يعيشه الكيان الصهيوني يدلل بشكل مباشر على مدى تأثير الانتفاضة الفلسطينية على بنية الداخل الصهيوني، فالانتفاضة استطاعت ان تسقط حكومة باراك حتى وان كان البديل اليميني المتطرف شارون، ولكن هذا الاسقاط بدلالته الموضوعية يؤكد حقيقة الفعل الايجابي للانتفاضة ويضاف الى رصيدها المتصاعد باستمرار. والناظر الى أسس الخلاف الحكومي الحالي يرى أنها جميعا انعكاس للانتفاضة، فالخلافات المتأججة الآن حول مجموعة من القضايا افرزتها الانتفاضة، اولها طريقة التعامل مع هذا الحدث الذي ضرب بنية الكيان الصهيوني داخليا بتأثيره على قطاعات مختلفة اهمها القطاعات البشرية التي باتت تعاني من ازمة خوف حقيقي يجعلها تفكر جديا بالهجرة المعاكسة من اسرائيل، مما يجعل الاحلام التوراتية امام وجهة نظر جديدة حيث يرى بعض السياسيين الاسرائيليين ان كيانهم بات يشكو من رعشات الموت بعد ان اطمأن لوجوده، وبمعنى آخر يذكر البعض ان هذه المرحلة من اخطر المراحل التي تمر بها اسرائيل. ولعل المشكلة الحقيقية في الكيان الصهيوني هي مشكلة القومية التي لم تستطع التعليمات الايديولوجية السياسية والقراءات التوراتية بتعليماتها العنصرية ان تجمع الشرقي والغربي على اساس ديني، فلا زال هذا المجتمع متفككا وهزيلا وزاد عليه هذا الهزال ما استطاعت الانتفاضة الفلسطينية ان تفرضه سواء على المجتمع او على الحكومة التي ستجد نفسها عاجزة عن لم شملها، مما يعني انهيارا سريعا لها. ونستطيع القول ان الحكومات الاسرائيلية خاصة اليمينية التي لم تستطع حتى الآن الاستمرار المتواصل، تضرب ببنية اليمين وتفكك حكومته كما انها تسقط حكومات اليسار، فهل سيبقى هذا هدفها ام ان واقع التطرف يفرض تلك الانهيارات في البنية الايديولوجية الصهيونية؟! ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق