قبل نحو ثلاثين عاما اهتمت الدوائر البحثية - المعنية بالدراسات السياسية والاقتصادية - بالعالم العربي باعتباره قوة مؤثرة في صنع القرار على مستوى الجماعة الدولية وذلك لامتلاك الدول العربية ، إمكانات توحد هائلة تؤهلها لكي تكون قوة سياسية واقتصادية فاعلة، إلى حد أن بعض الدراسات الاكاديمية (العربية وغير العربية) رشحت العالم العربي ليصبح القوة السادسة في العالم تحت ما كان يسمى بالـ «القوى الكبرى» بعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي وأوروبا الغربية واليابان والصين!! ـ لكن هذا الاهتمام قد تراجع مع سيادة إتجاهات انعزالية سيطرت على الفكر والعقل العربي خاصة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. وفسر هذا التراجع بإنه أيضا نتيجة طرح إمكانية إقامة السلام والتعايش مع إسرائيل. وبغض النظر عن إختلافي أو إتفاقي مع الأسباب التي نجم عنها هذا التحول الفكري في الثقافة والسياسة العربية فإن العديد من المؤلفات والدراسات حاولت تكريس مبدأ (الفرقة) على الناطقين بلغة الضاد!! على كل الأحوال ساهمت مجموعة من العوامل في إنتشار هذه الأفكار التي في مجملها تتعارض مع طبيعة العالم في بداية الألفية الثالثة الذي لا يعترف إلا بسيادة القوى الكبرى، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر أربعة عوامل حاول البعض استغلالها لزيادة حالة الإحباط والتخاذل العربي. ـ التنكر للمفهوم العروبي أو القومي الذي يجمع الدول العربية في أمة واحدة سياجها ما يعرف بالقومية العربية، ويستند هذا التنكر إلى معطيات المصالح الخاصة التي تعطي لكل دولة عربية شأنا مختلفا من ناحية، وإلى إنحسار المد القومي في العالم كله عموما أمام تنامي دعوات آخرى نذكر منها التعاون الإقليمي وسيادة مبادئ العولمة من ناحية أخرى. وعلى سبيل التوضيح واكب ذلك ما سمي مثلا بالتعاون الشرق أوسطي الذي حاولت - ومازالت - إسرائيل من خلاله اختراق الكيان العربي للسعي إلى تغليب المصلحة الإقليمية على المصلحة القومية. ـ إنهيار نظام القطبية الثنائية في العلاقات الدولية الذي كان سائدا تقريبا في النصف الثاني من القرن الماضي وحتى بداية التسعينيات، مع تفكيك ما كان يعرف بالإتحاد السوفييتي إلى دول الكومنولث المستقلة وصاحبه نشوء ترتيبة عالمية جديده تعتمد على القطب الواحد (سياسيا وعسكريا) وتعدد الأقطاب (اقتصاديا).. فنجد الولايات المتحدة قطبا واحدا ومجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى اقطابا اقتصادية متعددة ولايمكن إغفال دورها السياسي على الساحة الدولية وفي المنازعات الإقليمية. - إحلال المعايير الإقتصادية (الفقر والغنى)، (التخلف والتقدم) في تصنيف القوى السياسية الفاعلة في النظام العالمي الجديد، وذلك محل المعايير الأيديولوجية التي كانت سائدة في فترة الحرب الباردة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وهذا الاحلال قد أدى إلى تفاقم الهوة بين الفقراء والأغنياء في العالم أو بعبارة أخرى اتسع الفارق المادي بين الشمال الغني والجنوب الفقير بغض النظر عن الموروثات الحضارية. ـ وفي عالمنا العربي حدث تعمق لمشاعر التخلف - رغم أن بعضها ليست صحيحة - ويرى علماء السياسة والاجتماع والاقتصاد معا أن سبب هذه المشاعر السلبية هو فشل الأمة السياسي في التوحد والاخفاق الاقتصادي في التكامل وفي عدم توظيف تراثنا الحضاري في إنشاء المجتمع المتحضر القادر على الإنجاز!! ويرجع البعض الأخر هذه المشاعر إلى فشل التجارب الوحدوية العربية التي طرحت على غرار الوحدة الأوروبية، وإن كنت في هذه الجزئية أرى أن هناك تجارب ناجحة لايمكن إغفالها - حتى ولو كانت على المستوى الاقليمي المحدود - مثل تجربة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي صمدت أمام كل الأفكار الإنعزالية منذ عقد الثمانينيات من القرن الماضي وحتى الآن!! أن دراسة متأنية لهذه العوامل الأربعة يمكن أن تقود إلى حقيقة واقعة وهي أنه لامكان في عالم اليوم إلا للكيانات السياسية والاقتصادية القوية مع الأخذ في الاعتبار أن إيجاد مكان بين تلك الكيانات للأمة العربية (اليوم) ليس بالأمر السهل لسببين: أولهما ذاتي.. بمعنى أن كثيرا من النظم العربية تأثرت بدعوى التفرق أكثر من الاستجابة لنداءات التوحد، ورغم ذلك تبنت دولة مثل (مصر) منذ سنوات عديدة فكرة إقامة التجمع الاقتصادي العربي ودعا الرئيس حسني مبارك في أكثر من مناسبة إلى إنشاء(السوق العربية المشتركة). ولعل المؤتمر الاقتصادي العربي الذي من المقرر أن يعقد بالقاهرة في نوفمبر 2001 أن يكون اللبنة الأولى لإنشاء هذه السوق التي تآخر إنشاؤها كثيرا، قبل تطبيق إتفاقية الجات وعولمة الاقتصاد الدولي!! ثانيهما خارج عنا.. لأنه يرتبط بإستراتيجية دولية تقودها أمريكا لمحاصرة القوى العالمية الناشئة ومنعها من النمو بالشكل الذي ينافس ويهدد مصالحها ومصالح حلفائها من القوى الكبرى الأخرى. ونتذكر في هذا الشأن محاولة حصار النمو الاقتصادي لقوى إسلامية عرفت في جنوب شرق آسيا (بالنمور) في التسعينيات ومن بينها أندونيسيا أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان (225 مليون نسمة) وربما نفس المنطق مع الإختلاف طبعا يطبق على تعامل الغرب مع العملاق الأسيوي الذي فرض نفسه وهو الصين. ومن هنا أرى أنه من الطبيعي أن تواجه الأمة العربية الكثير من التحديات عندما تتجه إلى التوحد السياسي والاقتصادي، وأحسب أن وجود (إسرائيل) في عالمنا العربي سبب مباشر لا يساعد على بروز العرب ككيان كبير في عالم اليوم. ورغم كل ما تقدم أعتقد وبشيء من التفاؤل إمكانية أن يحتل العرب مكانا مرموقا في عصر الكيانات الكبرى من خلال: ـ إعادة التفكير في دور الجامعة العربية كتنظيم عربي إقليمي عن طريق إحداث (ثورة) شاملة في وظائفها وتعميق إرتباطها (بالشعوب) أكثر من النظم أو على الأقل بالتوازي معها عن طريق خلق قنوات جديدة تربط الشارع العربي بتلك المؤسسة القومية.. ولاشك أن الأمين العام (عمرو موسى) لديه الأفكار الثورية التي تجعله يحرر الجامعة من قيود البيروقراطية. ـ تفعيل مجالس التعاون العربية ولجان التعاون العليا البينية لاعطاء النموذج أو النسق الذي يحدد أطر التعاون العربي المشترك في إطار جامعة العرب، وفي هذا الشأن أعتقد أن وجود ما يسمى بمجلس الوحدة الاقتصادية العربية يجب أن يخرج إلى حيز (الفعل) بشكل يجعله إسما على مسمى. ـ الاعتماد على الاستثمارات العربية في الدرجة الأولى في مشروعات الخصخصة التي لجأت إليها بعض الدول العربية لدفع اقتصاداتها على طريق الإصلاح. ـ كشف دور إسرائيل في تعويق الوحدة العربية وحصار محاولات تسربها إلى الدول العربية تحت أي مسمى حتى ولو تحقق السلام معها - وهو أمر مستبعد في الوقت الراهن - لأن الصراع العربي الإسرائيلي لن ينتهي بالتسوية بل يأخذ أشكالا متعددة. وأخيرا في عصر الكيانات الكبرى يبقى السؤال المحير: لماذا يفقد العرب الثقة في قدرتهم على التوحد والتكامل رغم إمتلاكهم أسبابها؟! ـ هل العيب فينا أم أنه قدرنا الذي فرض علينا القبول به؟! سؤال أطرحه على كل (عربي) قد يحلم بأمة عربية متحدة!! ـ كاتب مصري