التقرير الذي اعلنته في مصر اكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا في الرابع عشر من شهر يوليو الماضي، والذي اكدت فيه على ان اكثر من اربعمئة وخمسين ألف مواطن مصري من حملة المؤهلات العلمية العليا، قد هاجروا الى الغرب خلال الخمسين عاما الماضية ـ هذا التقرير يعتبر كارثة حقيقية من ناحية السياسات المتبعة من الحكومات في تعاملها مع العلماء والمبدعين، لا سيما وان تقرير الاكاديمية اشار الى ان المئات من هؤلاء قد حققوا انجازات علمية كبرى في الدول التي هاجروا اليها، وقد برز منهم ستمئة عالم من ذوي التخصصات النادرة جدا. واكدت الاكاديمية في بحث موثق ان من بين العلماء البارزين 94 عالما في مجال الهندسة النووية و26 في مجال الفيزياء النووية، و48 في مجال الكيمياء و25 في علوم الفلك والفضاء و28 في مجال الالكترونيات الدقيقة، وآخرين في مجالات الطب والهندسة وطبيعة الزلازل والأشعة السيزمية ومجالات اخرى لاحصر لها. وقد دفعني هذا التقرير الى محاولة فتح ملف هذا النزيف الذي يعانيه العالم العربي لعقول ابنائه، فوقفت على حقائق مذهلة، من اهمها ان هؤلاء الذين هاجروا انما فروا من واقع مرير يعيشه الباحثون المبدعون في العالم العربي، أوجزه الاستاذ حسن فتحي في تحليل نشرته صحيفة الأهرام في الثامن عشر من يناير ألفين قال فيه «ان اهم عوامل الطرد في المجتمع المصري هي ضعف الامكانات المتوفرة التي تعين الباحث على التفرغ بعقله وفكره لانتاجه العلمي، بخلاف النظام المجحف للأجور وقواعد الترقية، فضلا عن البيروقراطية الحكومية الكفيلة بوأد أي فكرة في مهدها، ناهيك عن سياسة واسلوب التعليم في مصر الذي ما زال يعتبر الحشو والتلقين هما وسيلته المثلى لمواجهة القرن الجديد، وفي مقابل ذلك يرى العقل المصري في الخارج من الاغراءات المادية والامكانات المعملية الحديثة والتكنولوجيات المتطورة والميزانيات الهائلة ما يجعله لا يتردد لحظة في الهجرة. وما يقال عن مصر يمكن ان ينطبق على باقي الدول العربية، وفي هذا المجال التقيت أثناء احدى سفراتي قبل عدة اشهر بشاب مصري جاء وتعرف علي وعرفني بنفسه انه استاذ في علم الهندسة الوراثية بإحدى الجامعات الالمانية وانه من اصل مصري، فقلت له بتلقائية: ولكن سنك ما زال يبدو صغيرا على درجة الاستاذية وأراك في بدايات شبابك. قال: لقد اوفدت من جامعتي في مصر لنيل شهادة الماجستير من احدى الجامعات الالمانية واستطعت ان احوزها بامتياز وفي وقت قليل، واذ به يفاجأ بأن جامعته في مصر تطالبه بالعودة لأمور بيروقراطية بحتة، لكن استاذه الالماني حصل له على منحة من الجامعة التي كان يدرس بها واستطاع ان يحصل على درجة الدكتوراه بامتياز وعمره سبعة وعشرون عاما. وبعد ان طور بعض الابحاث فوجيء بأ الالمان يعرضون عليه الجنسية الالمانية ويوفرون له كل اسباب البقاء والابداع واستطاع من خلال ابحاثه ان يحصل في بداية الثلاثينيات من عمره على درجة الاستاذية وان يصبح نائبا لرئيس واحد من اهم الاقسام في الجامعة، في الوقت الذي يعاني فيه طلبة الماجستير والدكتوراه وطالبو الترقية بعد ذلك من اساتذتهم في الجامعات المصرية كل اشكال العنت والتيئيس. وعشرات الامثلة مثله اصادفها في اسفاري وكلها ادانات للبيروقراطية البائسة في عالمنا العربي التي ليس لها اهتمام من قريب او بعيد بالعلم او العلماء او البحث العلمي كما اشار الدكتور فاروق الباز في اكثر من لقاء صحفي وتلفزيوني، ويكفي ان ندرك جانبا من المأساة نشر في تقرير اعد في المؤتمر العلمي الذي اقيم في الشارقة في الامارات العربية في ابريل من العام ألفين وحضره ثلاثمئة خبير من معظم الدول العربية، وجاء فيه ان الجامعات العربية تخصص واحدا في المئة فقط من ميزانياتها للبحث العلمي فيما تخصص الجامعات الامريكية 40% لنفس الموضوع، كما ان الدول العربية لا تنفق سوى اقل من .02% من ناتجها القومي على البحث العلمي، فيما تنفق الدول المتقدمة ما يزيد احيانا على 3.5% من ناتجها القومي على البحث العلمي، وفي الوقت الذي لا يوجد فيه 8 آلاف باحث في جميع الدول العربية هناك واحد وثلاثون ألف باحث في فرنسا و400 ألف باحث في الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي تدفع فيه الحكومات العربية بسياساتها البالية أبناءها المبدعين للهجرة، فإن اسرائيل تستقطب العلماء من كل انحاء العالم لا سيما الروس الذين عرضوا خبراتهم على الجميع بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وأصبحت اسرائيل حسب تقرير نشر في الثالث من مايو من العام ألفين في صحيفة «المستقبل اللبنانية» في المرتبة الرابعة والعشرين بين الدول المتقدمة، وفي المرتبة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة من حيث معاهد الابحاث والقدرات العلمية، وفي المرتبة الثانية بعد المانيا في عدد المهندسين قياسا على عدد السكان، وفي المرتبة الرابعة بعد اليابان والولايات المتحدة وفنلندا من حيث استيعاب التطورات التكنولوجية. وللتأكيد على ان القضية هي قضية سياسات حكومات فإن العرب اكبر منفقين في العالم على التسلح حيث ينفقون ستين مليار دولار سنويا على التسلح، فيما لا ينفقون سوى ستمئة مليون دولار فقط على البحث العلمي. ولو عكسوا الامر لأصبحوا مع عقول ابنائنا المبدعة من افضل امم الدنيا. ان الألم يملأ نفسي كلما مررت على سفارة دولة غربية في دولة عربية ووجدت الطوابير ممن يحملون أوراقهم وآمالهم يقفون للحصول على تأشيرات بعدما ادركهم اليأس، كثيرون منهم بنية الهجرة، حيث اكد الدكتور ايهاب علوي رئيس الجهاز المركزي المصري للتعبئة والاحصاء في 23 يناير عام 1998 بأن عدد المصريين الذين يقيمون اقامة دائمة في الخارج وحصلوا على جنسيات دول الاتحاد الاوروبي وأمريكا واستراليا بلغوا 933 ألفا، اي ما يقرب من المليون قبل ثلاث سنوات. فإلى متى سوف يستمر هذا النزيف للعقول العربية دون ان تتحرك الدول لايقافه واستيعاب ابنائها المبدعين؟! ـ كاتب واعلامي مصري