عندما صدر وعد بلفور (1917) استقبلته قطاعات عريضة من النخبة الثقافية والسياسية الرسمية العربية في ثقة بالغة، فتحدثت عن أنه لا يعدو أن يكون سطورا في رسالة وليست قرارا سياسيا وأن «بريطانيا العظمى» ستحفظ للعرب جميل انحيازهم إليها في الحرب العالمية الثانية. وعندما تدفق المهاجرون الصهاينة على فلسطين المحتلة تحدثت هذه القطاعات عن الأمة الكبيرة العريقة التي لا يمكن أن يهدد أمنها «شذاذ الأفاق» الذين يمكن هزيمتهم بل القضاء عليهم بسهولة شديدة. وقد نشر أحد قادة سلاح الطيران المصري السابقين أن التحقيق مع الجنود الصهاينة بعد النكسة كشف عن أن القيادة العسكرية للكيان الصهيوني أعطت تعليمات للقادة الميدانيين بالتوقف عن تنفيذ الخطة إذا واجهتها مقاومة كبيرة من الجيش المصري، فالنصر وليد عوامل كثيرة، في مقدمتها، منع الثقة من أن تتحول من حافز ضروري إلى مخدر يحجب العقل عن إدراك الواقع المتعين. وما زلنا بعد كل ما خسرناه نعاني مرض «الركون لأوهام الثقة»، فلم تفلح: نشأة الكيان الصهيوني، ولا انتصاره في عدة جولات عسكرية، ولا توسعه على حساب عدة دول، ولا إحرازه تفوقا نوعيا على الأمة مجتمعة في ميدان الحرب، ولا امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، ولا تمكنه من تحقيق إنجاز اقتصادي و تقني كبير وهو في حالة صراع، كل هذه الأسباب لم تفلح في أن تشفينا من مرض أوهام الثقة. وقد بدأت مساعي التيارات الصهيونية الدينية المتطرفة لهدم المسجد الأقصى منذ أن حاولوا حرقه عام 1969، وتحولت هذه المساعي إلى عمل منظم منذ عام 1983، ومنذ هذا التاريخ والصحافة الغربية والعربية تنقل أخبار هذه المساعي، ثم وزع عرفات بنفسه صورة لتصميم هذا الهيكل وحذر من جدية مساعي الصهاينة لإعادة بنائه على أنقاض المسجد الأقصى، وكل هذا ونحن قانعون بإحساسنا بالثقة. وجاءت زيارة شارون التي فجرت انتفاضة الأقصى لتحطم أوهام الثقة. أما إقدام الصهاينة بالفعل على وضع حجر أساس رمزي للهيكل فجاء في لحظة تحولت فيها أوهام الثقة إلى حالة من: «اليأس القومي» تمتد من المحيط إلى الخليج. وإلا فما معنى رد الفعل الكبير (نسبيا) على زيارة شارون للمسجد الأقصى في العديد من العواصم العربية والإسلامية ورد الفعل الضئيل ـ بكل المقاييس ـ على وضع أساس الهيكل؟ فهل يكفي أن نكون أعرق تاريخا أو أن نرى أنفسنا من منظور عدد السكان أو مساحة الامتداد الجغرافي مقارنة بالكيان الصهيوني لتتملكنا هذه الثقة القاتلة ؟ وهل يدفعنا هذا الدرس إلى إعادة النظر في أوهام الثقة الكثيرة في حياتنا قبل أن تصل بنا إلى هاوية اليأس والإحباط ؟ ـ كاتب سياسي مصري