رغم استمرار تصاعد دائرة العنف الإسرائيلي ـ الفلسطيني القاتل، فإن الجدل حول الممارسة الاسرائيلية في اغتيال الفلسطينيين ينبغي ألا ينحى جانبا. فقبل الانفجار الرهيب في القدس الخميس الماضي، أطلق نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني عاصفة من التعليقات على احدى محطات التلفزة الأمريكية الوطنية بدا منها انها تؤيد سياسة الاغتيالات التي تمارسها إسرائيل. ومن هنا، فإن من الجدير الاشارة إلى ما قاله تشيني بالكامل. لدى سؤاله عن الممارسة الاسرائيلية، قال تشيني: «إن ما فعلوه في اسرائيل على مرور السنين، في اطار جهدهم لتوجيه ضربة وقائية للنشاطات الارهابية، هو ملاحقة الارهابيين بين الفينة والأخرى. وفي بعض الحالات، أعتقد ان ذلك مبرر وفقا لوجهة نظرهم. فإذا كان لديك منظمة خططت أو تخطط للقيام بهجوم انتحاري بالقنابل، على سبيل المثال، ولديهم أدلة دامغة عن هوية هذه المنظمة ومكان وجود أعضائها، فأعتقد ان هناك شيئا من التبرير في محاولتهم حماية أنفسهم بتوجيه ضربة وقائية». ثم سأل الصحفي الذي يجري المقابلة نائب الرئيس حول ما إذا كان الاسرائيليون قد أعطوا أي مؤشر على «ان هذه الضربات هي في الواقع ضربات وقائية؟ فأجابه تشيني قائلا: «أعتقد ان ذلك هو ادعاؤهم. أنا أعرف انهم في بعض الحالات قاموا بالفعل بالتوجه إلى السلطة الفلسطينية بأسماء وأماكن وطلبوا من الفلسطينيين اتخاذ اجراء ضد الارهابيين في المناطق الفلسطينية. وعندما فشل الفلسطينيون في القيام بذلك، مضى الاسرائيليون قدما وشنوا هجومهم». وحيث ان المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية كان قد أدان، قبل يوم واحد فقط، السياسة الاسرائيلية قائلا ان الولايات المتحدة «تعارض عملية الاغتيالات الموجهة»، فقد أثير سؤالان على الفور هما: ـ ما هي السياسة الأمريكية الرسمية؟ ـ هل هناك خلاف بين وزارة الخارجية والبيت الأبيض حول هذه السياسة؟ كان السؤال الأخير موضع نقاش في وسائل الاعلام الأمريكية خلال الاسبوع المنصرم مع اجماع عام مفاده ان بعض الاعتبارات السياسية في البيت الأبيض قد تعمل على احباط صياغة سياسة فاعلة ازاء الشرق الأوسط من قبل وزارة الخارجية. ومع ذلك، فإن المتحدث باسم البيت الأبيض حاول، مباشرة في أعقاب تصريح تشيني، ان يزيل أي شك حول ثبات السياسة الأمريكية، وتناغمها. فبينما كان يشير أمام رجال الصحافة المذهولين إلى ان تعليقات تشيني لم تفهم تماما أو انها فهمت بعيدة عن سياقها، ختم كلامه قائلا: «ان الإدارة الأمريكية على كافة المستويات تستنكر العنف هناك، وهذا يشمل الهجمات الموجهة (الاغتيالات)». غير ان هذا التأكيد لم يجعل المسألة تهدأ. فلا تزال هناك أسئلة توجه حول ماهية الموقف الأمريكي بالتحديد ازاء الاغتيالات الاسرائيلية، وماذا يمكن أن تفعل الولايات المتحدة لاحداث تغيير فيما وصفوه بـ «الممارسة التي تستحق الاستنكار». وفي محاولة لحث الادارة الأمريكية لاتباع موقف أكثر وضوحا، كتب المعهد العربي الأمريكي الاسبوع الماضي رسالة إلى وزير الخارجية يحث فيها الولايات المتحدة على اتخاذ اجراءات صارمة يمكنها أن تكبح اسرائيل. وبشكل محدد، فقد دعونا الوزير الى تطبيق أحكام قانون مراقبة صادرات السلاح الأمريكية الذي يحظر على متلقي الأسلحة الأمريكية استخدام تلك الامدادات باسلوب لا يتفق مع الهدف الذي تم تزويدها من أجله. وينص قانون مراقبة صادرات السلاح الأمريكية على ان الأسلحة الأمريكية يجري تقديمها لأغراض «الدفاع المشروع عن النفس» ويمنع استخدامها ضد المدنيين أو بأي شكل قد يساهم في «تصعيد الصراع». وحيث ان وزارة الخارجية قد أدانت العديد من هذه الهجمات واصفة إياها بـ «المستنكرة» و«الاستفزازية» وحذرت من انها تهدد بتصعيد الصراع، فاننا نعتقد انه سيكون من المنطقي أن يقوم وزير الخارجية بتطبيق قانون المراقبة على صادرات السلاح الأمريكية وباحتجاز تلك الأسلحة والمعدات الأمريكية التي استخدمتها اسرائيل في تلك الهجمات. لم نفاجأ، قبل ثلاثة أشهر، عندما تلقينا، استجابة لطلبنا السابق فيما يتعلق بقانون المراقبة على صادرات السلاح الأمريكية، اشعارا من وزارة الخارجية والبيت الأبيض بأن استخدام اسرائيل للأسلحة الأمريكية يخضع، في الواقع، لتحقيق «جدي». وبالتالي، فإن الأمر كان مبعث ازعاج لنا أن نسمع المتحدث بلسان وزارة الخارجية، في أواخر الاسبوع الماضي، يتحدث إلى الصحافة بأن القرار قد اتخذ بأن اسرائيل لم تنتهك قانون المراقبة على صادرات السلاح الأمريكية وان القضية أغلقت. وقد واصل بعض الصحفيين المثابرين الضغط على الناطق بلسان وزارة الخارجية لتوضيح التناقض الواضح بين الادانة الأمريكية لسياسة الاغتيالات الاسرائيلية وفشل الادارة في تطبيق القانون الأمريكي. لكن توضيح المتحدث بأن «أحدهما هو قرار قانوني والآخر قرار سياسي» لم يسكت الصحفيين الذين سألوا بعد ذلك ما اذا كانت الادارة الأمريكية من خلال الفشل في اتخاذ القرار القانوني وتطبيق قانون المراقبة على صادرات السلاح الأمريكية، تضع نفسها في وضع يوحي، كما أشار نائب الرئيس تشيني، بأنه قد يكون هناك بعض التبرير المتعلق بـ «الدفاع المشروع عن النفس» للسياسة الاسرائيلية؟ وبعبارة أخرى، فإن موقف الولايات المتحدة حول الاغتيالات الاسرائيلية، وفشلها في تطبيق القانون الخاص بالمراقبة على صادرات السلاح الأمريكي، يبقى غير واضح تمام الوضوح. وادراكا للمضامين الخطيرة لهذه المسألة، جند الاسرائيليون العديد من مؤيديهم للدفاع بصورة علنية عن موقفهم. ففي الأسابيع الأخيرة، انضم زعيم الجناح اليميني المتطرف بات روبرتسون إلى كل من رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ جوبيدن وعضو مجلس الشيوخ تشوك شومر في الدفاع عن الاغتيالات. وحتى السفير الأمريكي السابق لدى اسرائيل مارتن انديك استخدام لغة مشابهة للغة نائب الرئيس تشيني في حديثه عن الممارسة الاسرائيلية. ولوضع هذه المسألة برمتها في منظورها التاريخي، علينا ان نتذكر ان الاغتيالات ليست سياسة اسرائيلية جديدة. فطوال عقود واسرائيل متورطة في استهداف واغتيال القادة الفلسطينيين. وبينما تعتبر سياسة قديمة، الا انها مرت بحالات عديدة متكررة، كما ان صورتها الحالية تختلف من نواح عديدة عن الممارسة السابقة. ففي السبعينيات والثمانينيات، على سبيل المثال، اغتالت اسرائيل العشرات من القادة الفلسطينيين في جميع انحاء أوروبا وفي العديد من العواصم العربية. وهم قاموا بذلك باستخدام اساليب مختلفة متنوعة، مثل غارات لقوات الكوماندوز وفرق سرية ضاربة تعمل باسلوب عالم الاجرام والرسائل والسيارات المفخخة. وفي معظم هذه الحالات كانت تنكر اسرائيل اي تورط مباشر لها، حتى عندما كان يتم القبض على عملائها او يتعرضون للخطر. وبعد الانتفاضة الاولى، تحولت ساحة الاغتيالات الى الضفة الغربية وقطاع غزة مع استخدام اسرائيل افرادا عسكريين متخفين لارتكاب عمليات قتل بدم بارد لفلسطينيين مستهدفين لـ «التصفية» وخلال هذه الفترة، بذلت اسرائيل مجددا جهدا حقيقيا لانكار اي تورط مباشر في عمليات الاغتيال هذه، حتى وان كانوا في بعض الاحيان ينظرون بارتياح كبير لمقتل اولئك الاشخاص الذين كانوا يصرون على انهم «ارهابيون». اما اغتيالات اليوم فهي مختلفة عن ذلك. فباستخدام الاسلحة «الذكية» والدبابات والطائرات المروحية العسكرية، يعبر الاسرائيليون بصراحة تامة عن سياستهم في اغتيال الفلسطينيين. ومع ذلك، فان الاسرائيليين الذين لا يزالون حساسين لرد الفعل الدولي، يرفضون تسمية ما يفعلونه بـ «الاغتيال» مفضلين بدلا من ذلك استخدام التعبير اللطيف «ضربات موجهة». وافادت الصحف الاسرائيلية ان وزير الخارجية شيمون بيريز شن «هجوما قاسيا جدا على وسائل الاعلام الاسرائيلية لتسميتها» «الهجمات الموجهة لمنع هجمات على المدنيين» بـ «سياسة اغتيالات» وقد نقل عن بيريز قوله: «ماذا هل يعتقدون اننا مافيا تمارس الاغتيالات؟». هذا هو بالضبط ما تعتقده معظم الحكومات ومنظمات حقوق الانسان التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها حيال السياسة الاسرائيلية هذه. وحتى الآن، فان الحكومة الوحيدة التي ترفض ذلك هي الادارة الأمريكية. لكن المعركة السياسية في واشنطن لم تنته بعد. لقد تجرأ الاسرائيليون وزادوا من عدد هجماتهم وفاعليتها على القادة الفلسطينيين، ففي اسبوع واحد، تمت تصفية اكثر من عشرة من الاشخاص الذين يسمون بـ «المستهدفين» وفي كل حالة من تلك الحالات، أصر الاسرائيليون، بصفتهم القاضي وهيئة المحلفين والجلاد، على ان جميع ضحاياهم لم يكونوا ارهابيين فحسب وانما كانوا ارهابيين في خضم التخطيط لهجوم، ولم يقدم الاسرائيليون في أي من الحوادث أي دليل يبرر ادعاءهم بـ «الدفاع عن النفس». ان هذه الجرائم يجب ان تدان وتبذل جهود لايقافها، لانها خارجة عن اختصاص المحاكم وغير شرعية ومثيرة للاضطرابات والفوضى، ولأن اناسا عاديين غير مستهدفين كانوا من بين ضحايا هذه الهجمات. لكن هذه الاغتيالات الاسرائيلية ستستمر بلا شك، لأن الولايات المتحدة تبدو، على الأقل، متناقضة حول كيفية الحكم عليها ومعارضة لتطبيق القانون الأمريكي الذي يمكن ان يوقفها. ـ رئيس المعهد العربي الأمريكي