أرجو أن تكون دعوة المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي لتشكيل حكومة طوارئ فلسطينية تدشينا لمرحلة جديدة في تاريخ المقاومة، وأن يكون إعلانه ـ وهو القيادي البارز في فتح ـ عن الحاجة لجبهة وطنية لقيادة الانتفاضة خطوة للأمام في المواجهة الطويلة والقاسية للاحتلال الاسرائيلي. لقد قلنا مرارا وتكرارا إن تغييرا جذريا لابد أن يحدث في قيادة ما يسمى بـ(السلطة الفلسطينية) أشخاصا وسياسات حتى يمكن إنجاز المهمة التاريخية الملقاة على الشعب الفلسطيني، وحتى تصل الانتفاضة الى تحقيق أهدافها في إنهاء الاحتلال وتحرير الأرض. وقلنا أيضا أن أصعب المهام وأقدسها الآن على الساحة الفلسطينية هو الحفاظ على الوحدة الوطنية في مواجهة العدوان الوحشي الاسرائيلي والمؤامرات المتواصلة لجر الفصائل الوطنية الى الاقتتال الداخلي. وقلنا إن شرط هذه الوحدة الوطنية المطلوبة أن تكون رصا للصفوف خلف الانتفاضة والتفافا واسعا حول استمرار المقاومة حتى إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال. وهاهو صوت من قيادات الانتفاضة ومن قلب (فتح) نفسها يعلن أنه لا طريق إلا هذا الطريق لمواجهة الموقف، ويؤكد على ضرورة قيام هذه الجبهة التي تضم الشركاء في الدم والمقاومة على الأرض بمن فيهم كوادر حركتي حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. كما قال مروان البرغوثي في بداية تحرك واسع لقوى الانتفاضة فرض على الجميع موضوع الجبهة الوطنية. ولن يكون ذلك سهلا، ولن يمر بسهولة، ومع ذلك فهو الوجه الآخر للمعركة التي تخوضها قيادات المقاومة الشجاعة والشرط الأساسي لانتصار الانتفاضة وتحقيق أهدافها. المعركة لن تكون سهلة لأن البعض داخل السلطة الفلسطينية لا يتبنى خطاب الانتفاضة كما قال البرغوثي، وخطاب الانتفاضة يعني الالتزام باستمرارها حتى دحر الاحتلال الى ما قبل حدود 67 وترحيل كل المستوطنين وليس الاكتفاء بازالة الحواجز والعودة لأوضاع ما قبل الثامن والعشرين من (سبتمبر) الماضي. وخطاب الانتفاضة يعني سقوط كل الرهانات التي ما زالت تمارسها أطراف نافذة في السلطة الفلسطينية التي ما زالت تتمسك بنهج أوسلو وترى أن المشكلة فقط في عدم التزام اسرائيل بما توقعه من اتفاقات، وتعتقد أن حالة الهوس المجنون بالقوة عند شارون وجنرالاته هي حالة مؤقتة ستنتهي ـ بعون الله وفضل أمريكا ـ وسيعود الموقف للهدوء وتعود الأطراف لمائدة التفاوض ويستعيد التنسيق الأمني حيويته بإشراف المخابرات الأمريكية، ويبدأ العمل لتنفيذ خطة ميتشيل التي ستنتهي بالأوضاع الى ما كانت عليه قبل الانتفاضة.. وكأن الأوضاع يومها كانت على ما يرام، وكأن مئات الشهداء وآلاف الضحايا وشهورا من الحصار والتجويع وهدم المنازل واغتيال الشباب المناضل والأطفال الأبرياء.. كأن كل هذا كان بلا سبب، وكأن الانتفاضة كانت خطيئة دفع الشعب الفلسطيني ثمنها، وما زال عليه أن يدفع أكثر وأن يقدم الاعتذار لأنه أقلق راحة الجميع.. العدو الاسرائيلي، والشريك الأمريكي، وبعض النظم العربية، و.. السلطة الفلسطينية. هذا الجناح في السلطة الذي يرفض خطاب الانتفاضة له منطقه وحساباته ومصالحه، فهو قد جاء الى السلطة محملا بتراث من الفساد والإفساد الذي مارسه قبل ذلك داخل حركة المقاومة الفلسطينية في مسيرتها الصعبة. وهو قد جاء الى السلطة متبنيا لمنهج أوسلو أولا ثم سجينا لهذا النهج بعد ذلك، وهو أقام شبكة من التحالفات والمصالح الداخلية والخارجية وحتى مع أطراف اسرائيلية اعتبرهم شركاء المسيرة وحلفاء المستقبل. هذا الجناح في السلطة احتمى بتحالفاته الخارجية ليفرز قواعده في الداخل، وليساعد في تحقيق أكثر من مهمة كانت نتائجها وبالا على نضال الشعب الفلسطيني. فهو لم يساعد على بناء (سلطة وطنية) تكون نواة للمقاومة لانتزاع باقي الحقوق المشروعة والمغتصبة، بل كان همه تثبيت سلطته ولو بنشر الفساد وإذكاء الصراعات الداخلية والسعي للمزيد من المكاسب الشخصية. وهو لم يساعد على بناء الوحدة الوطنية واعتبارها الدرع الأساسية للشعب الفلسطيني في نضاله أمس.. واليوم.. وغدا، بل على العكس عمل على تعميق الهوة، وادرك من البداية أن نهج أوسلو لن ينتج إلا حلا سيئا يضيع الحقوق ويبدد ميراث النضال الوطني، وأن هذا الحل سيصطدم بالارادة الشعبية.. ومن هنا فقد كان عمله الأساسي ألا تتجسد هذه الارادة في كيان سياسي قادر على عبور المرحلة الصعبة ومواجهة مؤامرات العدو وتواطؤ أمريكا لفرض التنازلات التاريخية على الفلسطينيين. كانت مهمة هذا الفريق في السلطة أن يحافظ على (تشرذم) القوى الوطنية وأن يحاول تهيئة المناخ المناسب لتمرير التنازلات التي سيكون الفلسطينيون مطالبين بها. هذا الفريق فوجئ بأمرين لم يحسب حسابهما. فوجئ أولا بما حدث في كامب ديفيد الثانية حيث أدرك أبو عمار عمق المأساة التي يساق اليها، ورفض التوقيع على عقود الاذعان الأمريكية والاسرائيلية، وانتصرت فيه إرادة المقاتل على عقلية المساومين من سجناء أوسلو. والمفاجأة الثانية كانت أشد.. وهي اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة التي قلبت كل الحسابات وأشعلت نيران الغضب في الأرض المحتلة وأعادت الحياة للشارع العربي وأعادت القضية الفلسطينية الى موقعها المركزي في نضال الأمة العربية. كانت المفاجأة هائلة على الجميع، ولكن وقعها الأكبر كان على هذا الفريق من (سجناء أوسلو) في السلطة. وفي البداية تصوروا أنها (هبة) لن تطول ولكن الانتفاضة استمرت وتصاعدت وفرضت نفسها على الجميع وهنا تحرك هذا الفريق ليأخذوا الانتفاضة كلها معهم الى (سجن أوسلو) بدلا من أن تكون انقلابا عليه وانعتاقا منه.. وبينما كانت القوى الوطنية كلها تتفق على أن هدف الانتفاضة هو إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال، كان فريق (سجناء أوسلو) يطرح هدفا بديلا هو تحسين شروط التفاوض لكي يتم استئناف مسيرة سلام الشجعان اياه في ظروف أفضل!! وقد انقلب الوضع بعد وصول شارون لحكم اسرائيل وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية مع حزب العمل لتنفيذ برنامج ضرب الانتفاضة واستكمال تهويد القدس ووضع الأمة العربية كلها ـ وليس فلسطين وحدها ـ تحت التهديد. ومنذ اليوم الاول أعلن شارون برنامجه واضحا وأكد أن القدس خارج أي تفاوض ولا للحل النهائي الذي يعيد الحقوق الفلسطينية المغتصبة، وإنما حل مرحلي يمتد لسنوات طويلة يعطي للفلسطينيين 40% من الضفة مجزأة ومحاصرة بالمستوطنات. والى أن يتم ذلك فهي الحرب حتى يتم تركيع الفلسطينيين، وهو الحصار والتجويع وهدم المنازل وحرق الزراعات والاغتيالات التي لا تفرق بين رجل وامرأة وتطول حتى الأطفال. ورغم ذلك فإن فريق أوسلو طالبنا أولا بالصبر، وبعدها بانتظار معجزة أن يعود العقل للسفاحين بقيادة شارون، وبعدها بالرهان على المعتدلين الاسرائيليين الذين لم يظهر لهم أثر، ثم بالرهان على الموقف الأمريكي الذي سيتدخل في الوقت المناسب. ورغم أن شيئا من ذلك لم يحدث، فما زال فريق أوسلو يراهن على كل شيء إلا الشعب الصامد المجاهد.. وما زالوا يبشرون بأن الفرج سيأتي مع المراقبين الأمريكيين الذين سيجلسون في سفارتهم أو في الفنادق يحتسون البيرة ويرصدون الموقف! ومازالوا يؤكدون أن الحل قادم مع تطبيق تقرير لجنة ميتشيل الذي سيتم بعد أن يرضى الحاكم بأمر أمريكا السيد شارون ويتنازل ويقرر أن يمنح الفلسطينيين فترة يؤكدون فيها أنهم تابوا عن النضال توبة نصوحة لا رجعة فيها ويطلبون العفو والسماح، وبعدها فقط يقرر شارون أن يبدأ الحديث حول رفع الحصار وتخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني ويوقف حرب الابادة التي يشنها، ويبحث تحت رعاية الأمريكان في سبل العودة الى الأوضاع التي كانت قبل 28 سبتمبر من العام الماضي، وكفى الله المؤمنين شر الانتفاضات وما سببته لأهل أوسلو من متاعب، وما نشرته من أحاديث عن استقلال ووطن وعودة اللاجئين وانتقام الشهداء! مازال فريق أوسلو يراهن على موقفه، ولكنه يصدم بالمعجزة التي تتحقق كل يوم على أرض فلسطين باستمرار الانتفاضة رغم كل الظروف القاسية التي تواجهها.. عدو لا يعرف إلا لغة البطش ومنطق القوة الغاشمة، وحصار يستهدف تجويع الشعب، وحرب إبادة في حماية أمريكا وبتأييدها، وعجز عربي لم يعد يعرف كيف يواجه الموقف، وجواسيس تربوا في ظل فريق أوسلو والتنسيق الأمني وتعاون الأجهزة ضد المقاومة التي اعتبرتها اتفاقات المهانة إرهابا يجب القضاء عليه. رغم كل شيء تتحقق المعجزة وتستمر الانتفاضة، ومع استمرارها يحقق الدم الفلسطيني ما عجز عنه كل شئ آخر، فيتوحد المقاتلون على الأرض في مواجهة الارهاب الصهيوني. رفقة السلاح وزمالة الدم رفعت الجميع الى مستوى المسئولية ليرتفع النداء بعد عشرة شهور من الانتفاضة طلبا للجبهة الموحدة وربما حكومة الطوارئ التي تقطع الطريق على الذين يتوهمون أن فصائل المقاومة يمكن أن تدخل حربا أهلية، أو أن السلطة يمكن أن تكون الذراع الذي يوفر الأمن لاسرائيل على حساب المقاومة وبيع دماء الشهداء. الدعوة النبيلة قد تكون تأخرت كثيرا ولكنها تكتسب أهميتها من الظروف الخطيرة التي تمر بها القضية الفلسطينية، ومن أن الذين طرحوها هم المناضلون في أرض المعركة، وأنهم يطرحونها على أساسين هامين: - الأساس الأول أن المطلوب قيادة تمثل خطاب الانتفاضة بوضوح وحسم، وتترك أوهام أوسلو وتداعياتها، وتعود بالقضية الى أصلها الواضح الذي أعادت الانتفاضة تجسيده.. قضية احتلال ينبغي أن يزول، وأرض لابد أن تتحرر، وقدس ينبغي أن تعود معها كل الأرض المحتلة منذ الرابع من يونيو 67 وما دون ذلك مرفوض وليس مجالا للتفاوض بأي حال. - والأساس الثاني هو القيام باصلاح شامل وعاجل لمجمل الأوضاع الداخلية الفلسطينية ولأجهزة السلطة التي لم تثبت أي كفاءة في ادارة الأزمة خلال الشهور الماضية. فما تحتاجه الانتفاضة ليست حكومة من 33 وزيرا بعضهم لا يفعل شيئا على الاطلاق، بل حكومة طوارئ من عدد محدود قادر على قيادة الانتفاضة الى هدفها.. كما أوضح البرغوثي. وهنا مربط الفرس كما يقولون.. فالذين تحصنوا في مواقع هامة في السلطة لن يتركوها ببساطة، ولن يتخلوا عن مكاسبهم بسهولة، بل سيقاتلوا حتى النفس الأخير. وفريق أوسلو قد ينحني للعاصفة التي تطالب بالجبهة والحكومة الائتلافية التي تضم قوى المقاومة، ولكنه لن يكون جادا في السير لتحقيقها لأنها إذا تحققت فقد دوره وأقر بعجزه وأنهى وجوده السياسي. ويبقى الأمر حتى الآن رهنا بموقف الرئيس عرفات المطالب الآن بالكثير، والذي يتعرض لضغوط هائلة من كل الجبهات. عرفات الآن ـ وأكثر من أي وقت مضى ـ مطالب بحسم أمره والوصول الى قرار حاسم: هل سينضم الى خطاب المقاومة ويعيد رص الجبهة الداخلية استعدادا لمواجهة طويلة وصعبة وقاسية؟ أم سيظل يراهن على تدخل أمريكي لن يجيء وإذا جاء فلمساندة اسرائيل في عدوانها ودعمها في مطالبها؟! هل سيقرر أن ما بدأه في أوسلو قبل سنوات قد انتهى، وأن الإصرار على المضي فيه لا يعني إلا المزيد من الخسائر للشعب الفلسطيني؟ أم سيصر على أن نهج أوسلو ما زال صالحا للسير فيه، وأن ما تحقق من خلاله لا يجوز التفريط فيه؟ هل سيدرك أن الموقف الملتبس للسلطة الفلسطينية يعطي المبرر لكثير من الانظمة العربية لكي تواصل نهجها في الصمت على العدوان الصهيوني الوحشي، أو الاكتفاء ببيانات الاستنكار. وأن تبني (خطاب الانتفاضة) والاعلان أن البنادق الفلسطينية لن تسقط إلا بتحقيق أهداف الانتفاضة بإنهاء الاحتلال واستعادة القدس وكامل التراب الفلسطيني المحتل في 67.. هذا وحده هو الذي يضع الأنظمة العربية والعالم كله أمام مسئولياتهم؟! هل سيقرر أن الشريك الكامل في عملية السلام لم يعد كذلك، وأن ما يواجهه الفلسطينيون هو مجتمع عنصري نازي في اسرائيل، وشريك أمريكي في العدوان وفي امتهان الكرامة العربية.. أم أن الرهان سيظل هو الرهان بعد كل ما جرى ويجري على أرض فلسطين؟ هل سيقر بأن تعطيل أجهزة منظمة التحرير الفلسطينية كان خطأ، وأن الاعتماد المطلق على الحلقة الضيقة المحيطة به كانت خطيئة، وأن النتيجة كانت فسادا في الادارة في الداخل واستشراء لنفوذ الأجهزة الأمنية وتراخيا في إعداد المجتمع لمواجهة المواقف الصعبة وانهيارا لمنظمة التحرير كقيادة تمثل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وتجسد تطلعاته في الاستقلال والعودة.. أم سيترك بطانة السوء تنتصر لنفسها وتستمر في نهجها وتستدرجه للاستمرار في الرهان على المستحيل؟ هل سيقر بأن الادارة السيئة في السنوات الماضية من عمر السلطة أنتجت فسادا هائلا وعجزا فاضحا عن اداء المهمات الصعبة، وجواسيس تغلغلوا في عمق السلطة، وأن الاصلاح أصبح ضرورة حياة حتى تستمر المقاومة وتنتصر إرادة الشعب الفلسطيني.. أم أن الفريق الآخر سيفرض رؤيته بتأجيل كل شيء حتى يتم الاستقلال، فتكون النتيجة كما نرى.. أن العاجزين عن تحقيق الاصلاح لن يتمكنوا من تحقيق الاستقلال حتى لو أرادوا، وأنه لا بديل عن اصلاح حقيقي وجذري يعكس روح الانتفاضة ويقيم الجبهة الوطنية ويعيد الحياة لمنظمة التحرير وينهي الرهان على أي شيء إلا كفاح الشعب الفلسطيني ودعم الشعوب العربية. الأمر الآن وصل الى مرحلة الخيار الصعب.. وليس أمام عرفات إلا الحسم القاطع: نهج أوسلو أو خطاب الانتفاضة. ـ نائب رئيس تحرير جريدة «اخبار اليوم» المصرية