بعيداً عن الخلاف الدائر حول مشروعية برامج المسابقات التي راجت أو زادت عن الحد مؤخراً في الهواتف ومحطات التلفزيون، وتحريمها تأسيساً على حرمة المسابقات التي تجرى عبر الهاتف عموماً، واعتبارها شكلاً من أشكال المقامرة، لأن المشاركين يساهمون في مبلغ الجائزة الذي يمنح للفائز من خلال مكالماتهم الهاتفية عالية الكلفة، وما رافق ذلك من اتهام منظمي برامج المسابقات بالتحايل على المشاهدين وسلبهم أموالهم وعدم إعادة تلك الأموال باستثناء جزء ضئيل منها في صورة الجائزة الممنوحة للفائز، ثم العودة إلى تحليل هذه المسابقات ونقض الرأي السابق. واقتناعاً بأن اختلاف العلماء رحمة ـ كما نعلم ـ على عكس اختلاف غيرهم الذي هو نقمة على الشعوب ـ كما تعلمون ـ فسنحاول الابتعاد عن الخلافات، وننحى منحى آخر على اعتبار ان الانحناء للعاصفة خير من مواجهتها خاصة إذا كانت من النوع الذي يقتلع الأشجار من الجذور ولا يبقي لها أثراً، غير اننا سنجد أنفسنا مضطرين للتوقف عند فلسفة الترويج لهذه البرامج القائمة على دراسة سيكيولوجية البشر ودغدغة أحلامهم في الثراء السهل السريع بعد ان تكون قد سدت في وجوه الكثيرين منهم أبواب الثراء الأخرى وتخطفت اللقمة من أيديهم قبل ان تصل إلى أفواههم أيد خبيرة تعرف كيف تحول التراب إلى تبر وتنتزع الكحل من العين، فاتجهوا إلى أجهزة الهاتف يحدوهم الأمل في فتح أبواب الكنز والولوج إلى جنة الثراء ونعيم الأثرياء عبر بوابة هذه البرامج ليبتسم الحظ لعدد محدود جداً منهم، هم نقطة في بحر الأمواج المتدافعة على خطوط الهاتف، فيشدّوا الرحال بعد أن يكونوا قد دفعوا مبالغ لم يضمن لهم أحد استرجاعها على أمل أن يعوضوها، حتى إذا ما أبصروا بوابة مغارة «علي بابا» أخذت أضواؤها تزغلل عيونهم، ومنّوا نفوسهم بالربح الوفير وأبحروا في عوالم من الخيال تصوروا أنفسهم خلالها وقد امتلكوا الثروة حتى إذا ما سألهم مقدم البرنامج عمّا هم فاعلون بالمليون الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من جيوبهم أو حساباتهم في البنوك سمعت من الخطط والنوايا ما لا تكفي ملايين «بيل جيتس» لانجازها، وتجسيدها على أرض الواقع. ولأن حبال الآمال التي تعلقوا بها ضعيفة، فإن هذه الأحلام سرعان ما تتحطم على صخرة الاخفاق في الاجابة عن سؤال تفشل كل الوسائل المساعدة من جمهور وأصدقاء وإجابات محذوفة في تجاوزه إلى بقية المراحل. وغالباً ما يجد المتسابق ـ الذي أتى نافشاً ريشه ـ نفسه وقد أفاق على مبلغ ضئيل يكفيه بالكاد لشراء قارورتي عطر أو ثلاث ، وهو عائد من رحلة البحث عن المليون، ويتبخر حلم المليون الذي جاء لاقتناصه من فم الأسد الرابض على مئات الملايين التي تدخل عرينه من جموع المشاهدين المتطلعة إلى هذا النوع من الثراء عبر اتصال هاتفي أغرتها به معرفة مصممي هذا النوع من البرامج بنفسيات البشر ونفوسهم الطماعة. وبعيداً عن برامج المسابقات الهاتفية والتلفزيونية ذات الملايين الوهمية صعبة المنال نقترب من فكرة الوصول إلى ثروة من هذا النوع بوسيلة معدومة الجهد قليلة التكاليف، متسائلين عن التوقيت المناسب لامتلاك ثروة كهذه من حيث السن والاقبال على الحياة وفسحة العمر المتاحة لاستغلال هذه الثروة والاستمتاع بها إلى أقصى حد، حيث يطالعنا خبر بثته وكالات الأنباء من الولايات المتحدة الأمريكية عن فوز «الكاريو كاستيانو» بجائزة اليانصيب الأولى في ولاية كاليفورنيا ومقدارها مئة وواحد وأربعون مليون دولار! «كاستيانو» الفائز بهذه الجائزة موظف متقاعد يبلغ من العمر ستة وستين عاماً، وكان يعمل في محل سوبر ماركت، وقد اشترى تذكرة اليانصيب الفائزة يوم سحب الأرقام نفسه. ثمة علامات استفهام كثيرة تطرح نفسها حول الحظ وقواعده وحول مفارقاته وكيف يتلذذ بمعاندة الآلاف وربما الملايين من الناس الذين انطلقوا لشراء وجمع التذاكر منذ اليوم الأول للإعلان عن اليانصيب، ثم لا يجد غضاضة في معانقة عجوز متقاعد أخذ يلملم أوراقه ليرحل عن الحياة، وقبل ان يفعل ذلك يقرر أن يضع يده في جيبه ليخرج ما تبقى فيه من دولارات قليلة تكفي بالكاد لكي يشتري بها ورقة يانصيب ربما كانت هي الأخيرة، دون ان يخامره أدنى أمل في الفوز، لتكون هذه الورقة هي الورقة الرابحة. ولأن صاحبنا لم يكن آخذاً الأمر بالجدية المطلوبة، فلم يدر في خلده أن ورقته هذه يمكن ان تكون هي التي وقع اختيار الحظ عليها بدليل ان منظمي اليانصيب ظلوا ينتظرون حاملها أياماً قبل ان يتنبه صاحبنا إلى ان ورقته هي الورقة المنتظرة، ولأنه لم يعد في العمر بقية ـ كما يقال ـ فقد اختار كاستيانو الحصول على مبلغ الجائزة دفعة واحدة بدلاً من نظام الدفعات السنوية المعتاد بعد دفع الضريبة المطلوبة. أما السؤال الأهم الذي لابد من طرحه فهو عما سيفعله كاستيانو بهذا المبلغ الضخم، وهو في خريف العمر وقد تقلصت قائمة المتع المتاحة لعجوز في مثل سنه، تأخرت عليه الثروة كثيراً، أو هي ـ بتعبير آخر ـ أتت على غير موعد في الوقت الضائع. لو سألنا كاستيانو قبل أربعين عاماً أو أكثر عمّا سيفعله بهذا المبلغ لسمعنا منه مشاريع كثيرة تتعدى في مجملها الملايين التي كسبها بضربة حظ، ولكنه في هذه السن لم يزد على ان قال انه سيستعين بهذا المال لمساعدة بناته في دخول الجامعة ومساعدة الجماعات المكسيكية الأمريكية. هكذا هي الحياة.. مطلوب فيها ان يأتي كل شيء في موعده.. ومع ذلك فهو لا يأتي.. للشباب رونقه وطموحاته وآماله وطيشه ونزقه أحيانا.. ولمنتصف العمر حكمته وترويه ونظرته المتأنية وحساباته الدقيقة.. ولنهايات العمر أحكام وحسابات لا يعرفها إلا من اجتاز كل المراحل وألقى مراسي سفنه في المحطة الأخيرة من الرحلة بعد ان جاب بحار الحياة المختلفة وخبر أعماقها المتفاوتة وزار موانئها المتعددة. في لحظة من اللحظات يصبح للمسألة وجه آخر.. فليس مهماً من سيربح المليون.. وليس مهماً كيف سيربح المليون.. ولكن المهم متى سيربح المليون؟ فعندما تأتي الملايين في غير توقيتها لا نكترث كثيراً بمجيئها كما فعل صديقنا كاستيانو عندما نام أياماً قبل ان يتنبه إلى انه يضع البطاقة الفائزة في مكان ما أسعفته الذاكرة فتذكره، وعندما تأتي في غير أوانها نحتار إذا ما سُئلنا عما سنفعل بها كما احتار وتلعثم وارتبك صديقنا كاستيانو عندما سئل عما سيفعله بالملايين التي جاءته في الوقت الضائع. وعندما يصبح المليون ويغدو الذهب هو كل همنا والغاية التي نسعى إليها تعمى أبصارنا عن أشياء كثيرة جميلة ورائعة تزخر بها الحياة ولا تستطيع ملايين الدنيا مجتمعة ولا كنوز ذهبها ان توفرها لنا بدليل انها حين تأتي في غير أوانها تصبح عبئاً علينا وتجعلنا نتساءل عن الكيفية التي سننفقها بها وفيم سينفقها ومن الذي سينفقها.. نحن أم الذين ينتظرون أن تؤول إليهم؟ وتجعلنا نتساءل: وما قيمة كل ملايين الدنيا وذهبها إذا كسبناها وخسرنا لذة الاحساس بجمال الوردة ورقة النسمة وخفقة قلب ترافقنا حيثما ذهبنا، ومشاعر حب تحيط بنا وتشعرنا بالدفء إذا ما غربت عنا الشمس أو حجبت عنا ضوءها سحب غير ماطرة فلفّنا الظلام وتجمدت أطرافنا من برودة العواطف، حتى لم نعد نستطيع لمس الملايين ولا رؤية بريق الذهب.. عندها يقرع جرس من نوع آخر لا علاقة له بتلك الأجراس التي تعلن نهاية الحلقة لأنه جرس البداية لا جرس النهاية.