هاجس غريب يتملكني، احساس عجيب ينتابني، احلام مفزعة تسيطر علي، أوهام كثيرة تتلبسني، لم أعد قادراً على التفسير، اصبحت مشلول الحركة والتفكير، أكاد اشعر ان الوقت المتبقي من حياتي بالكاد يكفيني حتى أبلغ قبري، بالكاد يكفي الآخرين ليدثروني بكفني، مللت حياتي، بات يراودني احساس بأنني اصبحت مجرد كائن يأكل وينام ويعيش في الاحلام. حاولت تشخيص حالتي فوجدتها مواكبة لهذا الزمن الرديء، الذي أصبح فيه الحق مجرد باطل، والباطل هو البطل. جاءني صوتها الشاكي، الباكي يعتصره الألم، يدمره الأسى، العبرة تخنقه، الحسرة تطوقه، قالت لي بصراحة لم أجد غيرك أشكو له سوء حالي أنا وعيالي. ماذا أقول لك إنني وزوجي هنا منذ عام 1975م، حيث عمل زوجي معلماً لمدة 17 سنة تم بعدها الاستغناء عنه، وحاول استثمار أموال نهاية خدمته في التجارة حتى نواصل تعليم اولادنا، واستطعنا ان نعبر بهم من مرحلة الى مرحلة، واظهروا تفوقاً كبيراً. ولكن فجأة أدارت لنا الحياة ظهرها، وانقلبت حياتنا من النقيض الى النقيض من ليال مستورة إلى أيام بالأسى ممهورة، حاصرت المشاكل زوجي وتراكمت عليه الديون، ولم يعد لديه اي شيء يعيننا على الحياة، ابنتي قطعت دراستها الجامعية لتعمل علها تساعدنا، كما بدأت أعمل، علماً بأن اقامة زوجي انتهت ولم يستطع تجديدها ليس امعاناً في المخالفة ولكن لقصر ذات اليد، وبعدها بعام انتهت اقامتي وكذا أبنائي، اسودت الدنيا في وجوهنا، بياض ايامنا تحول الى ليالٍ حالكة السواد، داهمت الامراض زوجي كيف لا والديون هم بالليل وذل بالنهار، وليت الديون هي المشكلة.. اننا يا سيدي بالكاد اصبحنا نوفر لقمة العيش، والدائنون يطرقون الابواب يسألون عن اموالهم.. ولكن من أين لنا أن نعطيهم ونجيب عن سؤالهم.. متى تسددون ديونكم؟ أحدهم تقدم بشكوى وتحولت القضية الى المحكمة.. واصبح حالنا مثل شخص القي به في اليم مكتوفاً وقيل له اياك اياك ان تبتل! نعم نعرف ان هناك كثيرين يعانون مثلنا، ندرك أن البعض لديه مشاكله وقد سبق لك ان استعرضت عدداً من مشاكل الآخرين.. ولكن ماذا نفعل فحالنا يغني عن سؤالنا! ومأساتنا اكبر من كلماتنا! لكن رحمة الله واسعة واننا نذكر الله كثيراً في صلاتنا وقيامنا وندرك ان أهل الخير كثيرون، وفي الوقت نفسه نضم صوتنا إلى صوتك في زاوية سابقة سردت خلالها مشكلة تلك السيدة هي واطفالها الذين انتهت اقاماتهم ولم يتمكنوا من تجديدها بسبب ضعف امكاناتهم المالية.. نضم صوتنا ونأمل في عفو لمخالفي قانون الاقامة، لان العفو اذ شملنا وتم تجديد اقامتي واقامة اولادي يعني عودتهم للدراسة واكمال مراحلهم التعليمية وخروجهم لميدان العمل وعندها سوف يخففون اعباء الحياة علينا، وتبقى مشكلة الديون المتراكمة على زوجي، واملنا في أهل الخير كبير، واعتقد أن البعض سوف يراعي ظروفنا. وفجأة صمتت لكن صدى آهاتها، ونحيب عبراتها، وانين كلماتها لم ينقطع، ولم أجد ما أقوله لها سوى لا تقنطي من رحمة الله.. وفي صوت هامس قالت ونعم بالله. عدت لنفسي وسألت ترى هل من أياد بيضاء تمتد لهذه السيدة حتى تتجاوز محنتها هي واسرتها؟ هل سيصدر قرار قريب بعفو شامل على مخالفي قانون الاقامة بما يمكنهم من توفيق اوضاعهم، وتجديد اقاماتهم حتى يواصلوا حياتهم على ارض الدولة بصورة شرعية؟ الا يوجد استثناء لمثل هذه الحالات الانسانية في دوائر الجنسية والاقامة المحلية لتنهي عذابات هذه الاسرة؟ هذا ما أتمناه وما تأمله هذه الاسرة، «ان الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه». آخـر نقطـة قال شاعر: ولو لم يكـن في كفـه غـير روحـه لجـاد بهـا فليتـق اللـه سـائله