في بلاد كثيرة من الدنيا، يدرك المسئولون حكمة: (اذا كان الكلام من فضة، فإن السكوت من ذهب).. إلا أن بلادا أخرى كثيرة يأخذ مسئولوها بحكمة رواد سوق الثلاثاء: (خذوهم بالصوت حتى لا يغلبوكم)! قد لا يبدو الفارق بين الحكمتين مثيرا لانتباه أحد، أو قد يراه البعض مقارنة لا محل لها في المقال، إلا أن ذلك ليس كذلك.. فالحصافة ـ بلاشك ـ تقتضي الاستخدام البليغ لمفردات الكلام، والبلاغة في أحد معانيها تعني باختصار: (ما قل ودل)، وفي تراثنا الديني من المعلوم أنه: (لا يكب الناس على وجوههم يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم)، وفي تراثنا الشعبي مثل جميل يقول: (لسانك حصانك، إن صنته صانك).. وربما يعني وصف اللسان بالحصان أن طبيعته الاندفاع والتهور، ويحتاج لقائد ماهر مدرب كي يكبح جماحه ويروضه. كل ذلك كلام جميل ومفهوم، ولكن لم يمنع أحدا من اطلاق لسانه كألف حصان جامح في المفيد وغير المفيد، كما أن أحدا لم يبد اهتماما باقتناء (الذهب) الذي هو حصيلة (الصمت)، وتكالب الجميع على (الكلام) الذي هو من معدن أقل.. وفي النهاية يسألك الحاذق الفاهم وهو يصوب سبابته الى مخه: (هو يعني كان الكلام بفلوس..؟؟) فإذا كان ذلك كذلك، وهو كذلك!، فإن القانون الدولي يرى غير ذلك..! فالكلام ليس بفلوس فقط، وإنما في أحوال كثيرة يساوي ما هو أكثر من الفلوس، مثل وجود أمة أو سيادتها. وقبل أن ينزعج القارئ ويصاب بالسكتة الكلامية ـ لا قدر الله ـ فإن الكلام المقصود في القانون الدولي ليس أي كلام لأي مخلوق، وإنما كلام المسئولين الذي يفترض أنه كلام مسئول. ففي نزاع ما بين النرويج والدنمارك بخصوص منطقة جرين لاند، اعتبرت محكمة العدل الدولية أن تصريحات وزير خارجية الدنمارك التي جاء فيها: (إن حكومة بلاده لن تعارض رغبات النرويج)، اعتبرتها المحكمة بمثابة التزام قانوني على حكومة الدنمارك، وهو ما يسمى في القانون الدولي التزام من جانب واحد أو تصرف بالارادة المنفردة. وحيث أن قاموس المجاملات العربية من أغنى قواميس اللغات قاطبة، فلنا أن نتصور تصريحا علنيا لأحد مسئولي دولة (س) يشير الى نزاع مع دولة (ص) حول حق من الحقوق أو التزام معين، ثم ـ ومن باب المجاملة ـ يذكر في كرم وأريحية: (ليس لدينا نزاع ولا خصام، فنحن أشقاء).. هذه الجملة البسيطة الجميلة النبيلة، يمكن ترجمتها قانونا بأن الدولة (س) تعلن على لسان مسئول أنها تخلت عن مطالبتها بالحق أو الالتزام، واذا كانت الدولة (ص) على قدر من الخباثة والدهاء، فليس عليها سوى أن تسجل هذا التصريح العنتري الحاتمي انتظارا للحظة التي يعرض فيها النزاع على التحكيم الدولي. الكلمات في ميزان العلاقات الدولية يجب أن توزن بميزان الذهب، لأن تلك العلاقات لن يوطدها أو يوترها علو صوت الكلمات أو زيادة حجمها، وكل كلمة لابد أن تحمل مدلولا محددا لا يقبل التأويل، إلا في الحالات التي تقتضي فيها الحكمة توظيف الغموض. ولعلنا لا ننسى أن كلمة واحدة Territories قد ملأ تفسيرها مجلدات في مكتبة الصراع العربي ـ الاسرائيلي لأنها وردت في قرار مجلس الأمن الشهير 242 خالية من اضافة حرف تعريف، ورغم أن ديباجة نفس القرار اشتملت على مبدأ (عدم شرعية الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة) بما يعتبر كافيا لتعريفها، ورغم أن أربع لغات أخرى صدر بها القرار حملت حرف التعريف الملعون، إلا أن عباقرة الصياغات في اسرائيل تمسكوا باللفظ الوارد في النص الانجليزي، ولم يقبلوا أي تفسير آخر حتى من اللورد كارادون الذي صاغ القرار بنفسه. وهناك تصريحات من نوع: (سوف نحرق وندمر..) وتلق أحيانا من باب الوعيد أو تتسلل من ديوان الفخر والحماسة العربي، وتصبح بعد ذلك سوط عذاب دوليا على من تفوهوا بها، كدليل على وحشيتهم وعدوانيتهم، رغم أن الحقائق على الأرض تنطق بأن من نطقوا بذلك ضحايا ومساكين لا يملكون أن يحرقوا سوى أصابع أيديهم.. والأمثلة بلا حصر!! لذلك كله، لا مناص من أن تتضمن دساتير بعض الدول نصا يحرم على بعض البشر المسئول شهوة الكلام، أو أن يتوصل أهل العلم الى علاج أو نوع من الأدوية ضد اسهال الكلام الذي لن يكفيه طن من محلول الجفاف بعد خراب مالطة..! ـ كاتب مصري