غالباً ما يجري تناول جملة المعضلات السياسية، والقضايا المتأصلة ذات الجذور التاريخية أو الطارئة عربياً وإقليمياً ودولياً، من خلال عينات انتقائية مجردة لا تؤهلنا إلى اتخاذ مواقف واضحة تستند إلى أسس موضوعية، لكي نبني عليها جملة استنتاجاتنا. وهذا ناتج على ما يبدو عن إغفالنا للطريقة المنهجية التي تملي علينا بنهاية الأمر، ضرورة الاستناد إليها كلية أثناء محاكمتنا للأشياء، واستخدامنا أدوات قياس شفوية أو كما يقال شعاراتية وهمية، تبقينا ندور في حلقة مفرغة لا طائل منها، أي في إطار القشرة أو الغلاف الخارجي، لنبتعد بعد ذلك عن لب الأشياء وجوهرها، ولنعود ثانية أو قل عاشرة لإنتاج ذات المواقف، أو نكرر أنفسنا في كل مرة تملي علينا الظروف ضرورة تناول حزمة المواضيع التي تمس بشكل مباشر مستقبل، بل وأسس العلاقات السياسية والدبلوماسية والعسكرية ـ الأمنية القائمة في منطقتنا.. الخ. القابعة أصلاً على بركان صامت ينتظر طرفا مغامرا، أو ماريشال حرب حالم بالانتصارات الزائفة، قد تجره أقداره لإشعال فتيل الانفجار لنعود مرة أخرى نتلظى أو نكتوي على ناره الحارقة، والأمر سيان. لعل اللافت بالأمر أننا حين نتناول العلاقات التركية ـ الإسرائيلية، بذات الطريقة التي أشرنا إليها، لجملة الظروف والعوامل الإقليمية والدولية الطارئة التي دفعت بالطرف التركي إلى إقامة مثل هذا المستوى من العلاقات مع اسرائيل، نصل إلى حزمة من الاستنتاجات غير الدقيقة، التي تبتعد عن الدراسة التشريحية لهذه الظاهرة، والتي قد تؤهلنا لاتخاذ مواقف موضوعية بعيدة عن ردات الفعل. وقد تكون المواقف العربية الملتبسة على كافة المستويات السياسية منها والدبلوماسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، إزاء هذه القضية الشائكة حيناً، والنارية أحياناً أخرى، تعبر عن إخفاق أصحاب هذه المواقف لانهم لم يأخذوا بالحسبان، أو بكلام أصح قد أسقطوا من حساباتهم، حزمة الخلفيات والدوافع والضرورات التي ألمت بتركيا لتدفعها باتجاه اسرائيل. فتركيا مع أنها الدولة المسلمة الأولى التي اعترفت بإسرائيل عام 1949، إلا أن علاقاتها مع الثانية لم تشهد يوماً خطاً بيانياً متصاعداً بشكل منتظم، كما يحاول البعض اجتزاء الحقائق وتلفيق التهم جزافاً. هذا إذا ما استثنينا مرحلة الخمسينيات وأوائل ستينيات القرن الماضي، واستثنينا الموقف السلبي غير المبرر إزاء الحق السوري في الأمم المتحدة من قضية ضم اسرائيل للجولان السوري المحتل، دون أن نسقط من حساباتنا بطبيعة الحال، أن تركيا انطلقت وعلى الدوام في مجمل علاقاتها ومواقفها مما تعتقده بأنه يصب في بوتقة مصالحها الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، سواء لجهة محيطها العربي أو الإسلامي أو الدولي بسمة عامة. ولعل تبرير اعترافها بإسرائيل كان ولا يزال مرتكزاً إلى ذات القناعات، وليس خارج فهمها العام، باعتبار أن هذا الاعتراف سيكسبها حليفاً شرق أوسطياً، في مواجهة الأخطار المحدقة بها، والمتعاظمة يوماً بعد يوم من كل صوب وحدب .هذا إذا أغفلنا العامل الداخلي المتأجج الذي ينذر بين ليلة وضحاها بالكثير من الصراعات القومية والاثنية والمذهبية والطبقية ـ الاجتماعية، والتي إذا ما وقعت ستفتت هويتها المجتزأة بين أوروبية وآسيوية أصلاً هذه المرة، وهذا الأمر بحد ذاته يملي عليها، بالاستناد إلى المؤسسة العسكرية، الاستقواء بالخارج على الداخل من أجل ترشيد حركيته الآخذة باتجاه التغيير وتهذيبها ما أمكن، بعد أن تبلورت آليات التغيير المعبر عنها بالطبقة الوسطى النشطة والتي تميل إلى أسلمة الدولة والمجتمع على العكس من دستورها الذي حددته منذ 1923، والى العودة مرة أخرى لشرقنة المجتمع التركي على المستويين السلطوي والشعبوي، بحيث تبقى تصب على الدوام في داخل بوتقة النظام ورؤيته وتوجهاتها السياسية العامة، والمحكومة بخلفية أيديولوجية معبر عنها هي الأخرى بأحزاب علمانية، قد تجاوزت من خلال قيمها الفكرية مقولة آسيوية الدولة، وانتقلت بكل ما تحمله من أحلام ومفاهيم إلى مقولة الأمة التركية التي تنتمي إلى أوروبا، كما بقية الدول الأخرى التي تتسم بذات السمات القلقة وعلى رأسها اسرائيل نفسها الحليف الأول بالنسبة لتركيا، فهي قائمة على أساس احتلال أراضي الغير الآسيوية، وتطرح نفسها بقوة دفع الخارج على أنها ليست فقط واحة الديمقراطية، بل المثل الغربي بكل أبعاده على هذه البقعة الجغرافية الصغيرة المتأججة .هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار، أن تركيا تعاني حالة دائمة من الصراعات السياسية الداخلية، وغالباً ما يكون محور هذه الصراعات ما بين المؤسسة العسكرية والاتجاهات والأحزاب العلمانية من جهة، وبين الأحزاب ذات التوجه الإسلامي. ولعل الانقلابات الأربعة التي دمغت الحياة التركية، والتي وقعت في الأعوام 1960 و1971 و1980 ويوم 18يونيو 1997 ضد حكومة نجم الدين أربكان، لم تعبر ليس فقط عن مدى هشاشة الديمقراطية التركية وحسب، بل عن الصراع بين القوى الإسلامية من جهة، والعلمانية بقيادة العسكر والمعبر عنها بمجلس الأمن القومي من جهة أخرى، والتي ما ان تخبو فترة من الزمن حتى تعود لتطفو على السطح بأسماء أحزاب تركية إسلامية تتناسل من بعضها البعض، وان اتخذت أسماء وخطابات سياسية وشعارات انتخابية مختلفة عن سالفتها بعض الشيء. وعود على بدء يمكننا تلخيص بعض النقاط التي دفعت تركيا بهذه القوة غير المتوقعة باتجاه اسرائيل، في التالي: أولاً: يجب الاعتراف بأن الدور والمكانة التي كانت تتحلى بهما تركيا، حتى النصف الأخير من ثمانينيات القرن الماضي، بفعل الثنائية القطبية التي كانت قائمة على المسرح الدولي، والدور الاستثنائي الذي كانت تكتسبه بفعل الجغرافيا ـ السياسية، قد افتقدته دفعة واحدة دون سابق إنذار. فتركيا التي شهدت مرحلة التوسع الأولى لحلف شمال الأطلسي في عام 1949، باعتبارها حجر الزاوية وحاجز الصد الأول لحلف وارسو، أصبحت دولة عادية في هذا الحلف، على الأقل بالنسبة للدول الأوروبية، وبدأت المرحلة الرابعة بعد انهيار التحالف الشيوعي «حلف وارسو» بضم كل من بولونيا وهنجاريا وجمهورية التشيك، إلى ما كان يسمى بالمعسكر المعادي. لتصبح بعد ذلك أشبه ما يكون بالكم المهمل، أو بنظرة موضوعية أصبحت تشغل ذات المكانة التي تشغلها جمهورية التشيك على سبيل المثال لا أكثر ولا أقل. ثانياً: إن المفاجأة الكبرى، فوتت على تركيا الاستفادة من فرص نهاية ما كان يسمى بالحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي منذ عام 1990، بل إن نهاية هذه الحرب حرمتها من ترشيد واستغلال الكثير من خصوصياتها في لعبة توازن القوى، أو من الاستفادة من الدعم السياسي الأمريكي والاستراتيجي الكبير لها .ولهذا اختزلت كل أوراقها بورقة العلاقة الإسرائيلية وحسب، بالإضافة إلى أنها باتت جغرافيا مفتوحة للولايات المتحدة الأمريكية من أجل ممارسة العدوان ضد العراق المحاصر وغيره. وهذا الأمر أسقط من يدها الورقة العربية ولو بشكل جزئي، والورقة الإيرانية المهمة بالنسبة لها، والتي حدت من تمدد نفوذها باتجاه آسيا الوسطى التي تعتبر ضرورة ملحة لترميم اقتصادياتها المنهارة على أقل تقدير. ثالثاً: أخفقت تركيا حين فكرت بالقفز على المعادلة الأمريكية التي تسعى إلى جعل اسرائيل قوة إقليمية وهمزة وصل بين الشرق والغرب، علماً أنها تدرك أن الفعل الأمريكي الضاغط والقوي سيحول الأنظار إلى تل أبيب، بهدف الالتفاف السياسي ـ الاستراتيجي حولها وتصبح تركيا وكيلاً وليست شريكاً حسب اعتقادها. لدرجة وصلت معها ـ تركيا ـ إلى اعتبار الشريك الأول هو اسرائيل باعتبارها النموذج الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط، وهذا السبب بالذات أسقط من يدها أيضاً اللعبة المزدوجة التي تعتمد على الجمع بين الشرق والغرب في آن معاً .. وهذا الأمر بالذات ضرب سلة المشاريع التي طرحت في تركيا باعتبارها أهدافا استراتيجية بعيدة المدى، بداية من مشروع أنابيب السلام، إلى الهلال الإسلامي في البلقان، مروراً بجامعة الدول التركية وانتهاء بمنظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود ... فقد كان على ما يبدو مطلوباً من تركيا دور اللاعب الكبير وليس الملحق على مشاريع الآخرين، علماً أن تركيا بحكم موقعها الجيوسياسي، كانت ولا تزال قادرة على الاستفادة أكثر من غيرها من هذه الفرص المطروحة . رابعاً: إن تركيا بتشديدها على مسألة الإرهاب وتركيز حركتها الإقليمية بشكل رئيسي منذ اتفاق غزة ـ أريحا على التواصل مع اسرائيل، تضيف إلى أخطائها السابقة خطأً جديداً يثير مزيداً من الحساسيات المزمنة مع الجوار العربي والإسلامي في آن معاً، حيث المياه والنفط مدخل أساسي ليكون لتركيا حركتها الفاعلة ودورها المؤثر وموقعها المتواصل مع محيطها الطبيعي. خاصة وأن اسرائيل تبدي على الدوام ميلاً كبيراً إلى الكلام، لكي تظهر على الأقل، أن عزلتها في الشرق الأوسط ليست مطلقة، وهذا ما يؤدي في أغلب الأحيان إلى مردود عكسي ومباشر على تركيا الشرق أوسطية بشكل عام، وعلى المصالح التركية ـ العربية بشكل خاص. والاهم من كل ما تقدم، غالباً ما تمارس تركيا سياساتها بالارتكاز إلى ردات الفعل، فاخفاقاتها المتلاحقة لجهة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بفعل الفيتو اليوناني والألماني، بالهروب خطوة إلى الأمام باتجاه الولايات المتحدة وإسرائيل وتوقيع رزمة من الاتفاقيات الأمنية والعسكرية مع الثانية، وما استتبع ذلك من عقود تتعلق بالصناعات العسكرية المشتركة، وتحديث الجيش التركي بما يعادل 150 مليار دولار تدفعها لإسرائيل على مدار عشر سنوات، والتي وقعت بالخطوط الأولى بعد قمة لوكسمبورج في 10 نوفمبر 1997، والتي استبعدت تركيا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، كل ذلك جاء بهدف استثمار علاقات اسرائيل ببعض المنظمات وجماعات النفوذ في أوروبا، كمقدمة لتهيئة الرأي العام الأوروبي وقادة دول الاتحاد لقبول عضويتها فيه . دون أن تأخذ بالحسبان أن اسرائيل ومعها الولايات المتحدة من خلف الستارة، تسعى جاهدة لابقاء تركيا خارج إطار الاتحاد لتبقى تدور في محيط مخططاتها في المنطقة بشكل عام، وهذا ما حاول تأكيده شيمون بيريز مراراً حينما أخرجها من دائرة الشرق والغرب في كتابه «الشرق الأوسط الجديد» واعتبرها مجرد ممر سياحي مكمل. ناهيك عن أن دراسات الجدوى التي بدأت مراكز الأبحاث الإسرائيلية تشيعها حول مسألة المياه التركية، اعتبرت جميعها، بما في ذلك بيريز بكتابه الآنف الذكر، أن التحلية ذات جدوى أكبر بما لا يقاس من استجرار المياه التركية، والتي بدأت تشكل نكسة حقيقية لدى الجانب التركي. ولا يمكن أن نغفل الأثر السلبي على العلاقات التركية ـ العربية مجدداً، حيث فشلت الدبلوماسية التركية في تحقيق أي تعاون مستقبلي جدي بين تركيا والدول العربية خاصة الخليجية منها .وكان ولا يزال إصرار دول المجلس ومصر وسوريا وليبيا على ضرورة تجميد تركيا لاتفاقياتها العسكرية مع اسرائيل في مقابل زيادة وتكثيف العلاقات الاقتصادية والثقافية بين الدول العربية وتركيا، ومن سوء طالع الشعب التركي أن صانع السياسة التركية رفض هذا الشرط، باعتبار أن الاتفاق بين تركيا وإسرائيل هو اتفاق للتدريب ولن يتم إلغاؤه، على الرغم من أن العرب جميعاً يدركون الآثار السلبية المترتبة على اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في عام 1996بين اسرائيل وتركيا، وحتى بعض الدول الأوروبية، وما استتبعها في العام 1997 من اتفاقيات تعاون استراتيجي وعسكري، والتي أدت بدورها إلى إلحاق أضرار بالغة الخطورة أيضاً على المستوى الداخلي التركي، والذي اتضح من خلال التراجع الكبير في العلاقات الاقتصادية والتجارية معها، على المستويين الإسلامي والعربي، والدولي بشكل جزئي. إلا أن تركيا رغم هذه الخسارات المفجعة بقيت ممعنة في تنفيذ كل ما وقعت عليه من اتفاقيات مع اسرائيل، فلم تتوقف عند حدود إجراء التدريبات العسكرية المشتركة، بل زادت الطين بلة بعد أن التفت اسرائيل على الحكومة التركية برئاسة بولاند أجاويد في عام 2000 وأقنعته بإمكانية تفعيل وتطوير واجتراح آليات وخطط وبرامج متقدمة لتطوير اتفاق التعاون الاستراتيجي، والذي يتضمن تطوير جميع الأسلحة العسكرية التركية، بالإضافة إلى إدخال التقنيات الرفيعة ـ الهايتك ـ والمتقدمة عليها خلال وقت قصير. لكن السؤال بالمقابل، أين هو البرنامج العربي الموحد والواضح على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، القادر على إخراج تركيا من أزماتها الحادة ؟ خاصة وأننا ندرك أن العرب إذا ما توفرت الإرادة بالارتكاز إلى برنامج موحد قادرون على جر تركيا إلى حظيرتهم اكثر من أي وقت مضى، بهدف قطع الطريق على المشاريع الإسرائيلية الجهنمية، التي ستظهر نتائجها المدمرة على مستقبلهم آجلاً أم عاجلاً. ـ كاتب فلسطيني