تصوره البعض شيخا من مشايخ الطرق الصوفية.. وتصوره البعض رومانسيا حالما يحلق في السماء ولا يهبط على الأرض.. وتصوره البعض تلميذا مشاغبا يخرج لسانه لجميع المدرسين ويرمي الحجارة على شبابيك كل النائمين.. وتصوره البعض كاتبا غاضبا لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب. لكن.. (سامي السلاموني) ـ الناقد السينمائي المتميز الذي رحل بعيدا عن الأرض قبل 10 سنوات بالضبط ـ كان يفكر بطريقة مختلفة.. كان يصر دائما على الخروج على النص.. لذلك لم يعجبه في أغلب الأحيان كاتب السيناريو والمنتج والمخرج ومهندس الديكور وصانع المكياج وفريق التمثيل. وكان يطالب الجمهور أن يسترد ثمن تذكرة السينما لأن السينما كلها أونطة في أونطة. و(سامي السلاموني) حين كان يخالف قوانين النقد السينمائي التي كانت سائدة ـ والتي كانت خاضعة لقانون (ليس في الإمكان أفضل مماكان) ـ فإنه لم يكن يفعل ذلك بدافع المشاكسة أو الرغبة في الشهرة أو الثروة فزهده في الحياة كان معروفا لدرجة أنه لم يكن يملك بيتا يعيش فيه لسنوات طويلة.. وعندما نجح أخيرا في الحصول على (أربعة جدران) على أطراف صحراء (مدينة نصر) لم يستمر طويلا على قيد الحياة.. مات بعطب في القلب.. قبل أن تستقر فيه امرأة واحدة.. فقد كان أشهر المضربين عن الزواج. وقد عرفته عن قرب سنوات طويلة كانت فيها شوارع وسط (القاهرة) مكانا تقضي فيها معظم ساعات النهار والليل.. فهذه الشوارع كانت قريبة من دور الصحف التي نعمل فيها.. وفيها دور السينما التي ندخلها ونعشقها.. ومطعم سيدة يونانية كنا نفضل طعامها.. ومكتبة (مدبولي) التي كونت ثلاثة أرباع عقولنا على الأقل.. وكافيتيريا (لاباس) ومقهى (ريش) ومركز (البن البرازيلي) وكانت أماكن تجمعنا التي فيها نحلم ونتحاور ونتشاجر ونتبادل الكتب والأخبار ودعوات المسرح والنقود القليلة. البيت الكبير كنا شلة قدر لها أن تشق طريقها الى الامام.. منها (أحمد زكي) و(عادل امام) و(أحمد مرعي) ورساما الكاريكاتير (جمعة فرحات) و(رؤوف عياد) ومهندس الديكور (نهاد بهجت) والصحفي خفيف الظل (فؤاد معوض) أو (فرفور).. كنا نلتقي مرتين على الاقل في (لاباس).. مرة في الصباح الباكر ومرة بعد المغرب.. وفي المرتين كان القاسم المشترك فنجان (الكابتشينو).. أو القهوة والحليب بالبخار على الطريقة الايطالية والتي قضى (أحمد زكي) (وقتا طويلا حتى عرف كيف ينطق اسمها.. في الصباح كنا نلتقى بمن كنا نطلق عليهم (مجلس وزراء الظل): المخرج الكبير (صلاح أبوسيف) والمحامي الشهير (لبيب معوض) والمصور الصحفي المحترف (رشاد القوصي).. وغيرهم ممن قسمنا عليهم المناصب الحكومية المختلفة.. وفي الليل كان (يوسف ادريس) يكفي.. فقد كان رحمه الله عاصفة تمشي على قدمين. ولو كان للمكان تأثير على مستقبل البشر فإن (لاباس) أكبر دليل على ذلك.. وعندما أغلقوه سنوات ثم فتحوه بديكورات وأسعار وذوق الانفتاح الاقتصادي كنا قد تفرقنا.. وتباعدت بيننا السبل.. وسمحت المسافات والفوالق بيننا بسوء فهم حرق الجسور.. وبنميمة مؤذية دمرت العلاقات.. وفجرت الأوهام والاتهامات السخيفة.. إن (لاباس) كان مثل (البيت الكبير) الذي هدموه وأقاموا على بقاياه (سوبر ماركت). كان (سامي السلاموني) نحيل الوجه.. له حسنة بارزة على الجانب الأيسر من ذقنه.. له أنف طويل (يقسم الوجه الى قسمين).. (فكأن العينين تنظران من خلف قضيب يفصل بينهما في حسم وصرامة (على حد وصف) خيري شلبي له.. أما رأسه (فقد نحلت وبرته بفعل سنوات الزمن التي مشت عليها بأظلافها الخشنة فلم تترك شعرة واحدة فيها الا وسلختها أو قصفتها أو خطفت لونها وكانت كآلة الحصاد تكوم الشعر في مؤخرة الرأس منفوشا).. ولكن الرأس كان مناسبا لجسد ضئيل (كحزمة من الضوء يبعثها كشاف سيارة على الطريق السريع.. مناسب لقامة قصيرة تمشي بخطى سريعة مهرولة ولكن في انضباط وحنكة لا تتوافر إلا لصعلوك جواب آفاق في رحلة دؤوبة).. على حد وصف (خيري شلبي) أيضا. ولد (سامي السلاموني) في 12 مارس عام 1936.. في احدى قرى محافظة (الدقهلية).. هي قرية (سلمون القماش).. الأب كان موظفا حكوميا.. يتعاطى السياسة ويتابعها على صفحات المجلات التي كان يرسل ابنه لشرائها.. وكان الفتى (يتروى في ركن قصي ليقرأها قبل أن يعود إلى أبيه وهو ماأوقعه في هوى الصحافة وتمنى من صميم قلبه أن يكون واحدا من هؤلاء الذين يكتبون هذا الكلام الجميل السلس المليء بالحماسة والجرأة واتساع الأفق والحرارة.. ومنذ ذلك الحين قرر (سامي السلاموني) أن يكون صحفيا مهما كان الجهد والعناء. فور أن حصل على شهادة (التوجيهية) ـ أو (الثانوية العامة) ـ شد الرحال إلى (القاهرة) ـ أو مصر (أم الدنيا) كما يقول الناس خارج العاصمة - ليكون قريبا من مصدر حلمه الكبير.. لكن.. الأب سرعان ما رحل في (عز) شبابه تاركا ورائه (حفنة من الصبيان) الصغار تعلقوا أمانة في عنقه.. وهو ماجعل (سامي السلاموني) يشتغل ويدرس في الوقت نفسه.. عمل قارئا لعدادات الكهرباء.. وسكن قريبا من ادارة الكهرباء في (بولاق).. وجد حجرة في بيت عتيق بحي (معروف) بما فيه من مطاعم وورش ومقاهي ومخابئ لتدخين (الحشيش).. كانت الحجرة في الدور الرابع.. ينام ويأكل ويكتب ويقرأ ويستقبل أصحابه فيها.. وقد بقى فيها حتى بعد أن أصبح ناقدا شهيرا يحسب له ألف حساب ويسعى كل نجوم السينما ومنتجيها ومخرجيها لكسب وده.. وعندما تقرر أن يهدم البيت لم يجد مأوى له سوى الفنادق و(البنسيونهات) المتواضعة.. ولم يتح له أن يستقر مرة أخرى في (شقة) إلا بعد أن تدخل الكاتب الصحفي (أحمد بهجت) وأقنع محافظ (القاهرة) بعار بقاء أفضل النقاد في تاريخ السينما المصرية على الرصيف. ولا جدال انه كان بالفعل نقطة تحول في تاريخ النقد السينمائي في مصر.. لقد سبقه الى النقد السينمائي الجاد بأصوله الحديثة (صبحي شفيق) الذي كان يكتب في الملحق الأدبي لـ (الأهرام) عندما كان مسئولا عنه الدكتور (لويس عوض).. وكان أسرة (صبحي شفيق) تملك دور سينما في (شبرا) أتاحت له الفرجة على كل ماتعرضه من أفلام مصرية وأجنبية كما أن اجادته للغة الفرنسية فتحت أمامه أبواب القراءة عن أسرار السينما وعناصرها المتنوعة وعلى رأسها خبايا النجوم الذين شغلوا الناس وحركوا خيالهم.. وشاركه في الكتابة عن السينما (سعد الدين توفيق) الذي كان دائم المقارنة بين مايجري في الواقع ومايجري على الشاشة الفضية.. وقد كانت اسهاماته _ المنشورة في (الكواكب) و(المصور) ـ بمثابة رصف الطريق أمام جيل (سامي السلاموني) الذي جاء على بلدوزر. الحلم المتنقل وكان هناك عدد من نجوم الكتابة الأدبية والفنية يكتبون خواطرهم النقدية مثل (احسان عبدالقدوس) و(فتحي غانم) و(سعد الدين وهبه).. بل و(أحمد بهاء الدين) أحيانا.. لكن.. ما كانوا يكتبونه لم يكن خاضعا للقواعد النقدية التي درسها (سامي السلاموني) في معهد (السينما) ومعهد (التذوق الفني) الذي دخلهما بعد أن انتهى من دراسته الجامعية. والمثير للدهشة أنه لم يكن يفكر في النقد السينمائي.. كان مثل جيله يفكر في كتابة القصة والقصيدة.. لكن الشعر استعصى عليه منذ اليوم الأول فتركه غير نادم.. فالشعر مثل الحب لا يمكن أن تحصل عليه بمجرد رغبتك فيه.. ولم تكن القصة سهلة لكنها لم تكن مستحيلة.. وقد استمر ثلاثة شهور كاملة يكتب في أولى قصصه القصيرة.. وعندما اطمأن اليها حملها وذهب الى رجل يعتبره جيل الستينيات - وأشهر كتابه (خيري شلبي) و(جمال الغيطاني) و(يوسف القعيد) و(أمل دنقل) ـ بمثابة الأب الروحي له هو (عبدالفتاح الجمل) الذي كان مشرفا على الملحق الأدبي والفني لجريدة (المساء).. لكنه سرعان ماتلقى أولى صدمات حياته العملية في عالم الكتابة الابداعية. يقول (خيري شلبي): (لقد كان جيلنا يعاني من اضطهاد يكاد يصل الى حد النفي وعدم الاعتراف بوجوده أصلا حيث يتربع الجيل الأكبر على جميع المنافذ ويحتل جميع المناصب على الرغم من أنه كان يعيش بعمليات تنفس صناعي بعد نكسة العام السابع والستين ويصر مع ذلك على اقتناص جميع الفرص والسيطرة على جميع الداخل والخارج في جميع أنشطة (الحياة).. وهو ماجعل الملحق الأدبي لـ (المساء) بمثابة عنق زجاجة لا يسمح بمرور الا من هو موهوب بحق.. إن الفرصة كانت على قدر الموهبة. والنشر على قدر الابداع.. خاصة وان (عبدالفتاح الجمل) كان (لا يخشى في الحق لومة لائم ولا يتورع عن قول رأيه بأكبر قدر من الخشونة وربما القسوة إذا لم يعجبه عمل تقدم به أحد). لم يعجب (عبدالفتاح الجمل) بقصة (سامي السلاموني) ونصحه أن ينظر حوله قبل أن يكتب.. ولم يكابر (سامي السلاموني).. لم تضغط عليه نرجسيته.. ولم يقنع نفسه بما كان يفعل غيره وهو أن مايكتبه لم يولد بعد الناقد الذي يستوعبه.. أدرك انه كاتب مقال.. وليس كاتب قصة.. وقد وجد مقاله النقدي الأول منشورا باهتمام لا يحظى به سوى الكتاب الكبار والمحترفين.. وفي تلك الليلة سهر حتى الصباح ليقرأ مانشر باسمه مئات المرات.. وأنفق كل مافي جيبه على شراء نسخ من الصحيفة وزعها على أصدقائه وجيرانه وأرسلها الى أهله في القرية.. لقد أراد أن يحصل على أكبر عدد من المشجعين والمؤيدين ولو على حسابه الخاص. والمثير للدهشة أيضا أنه لم يكن يفكر في احتراف النقد السينمائي.. كانت علاقته بالسينما مثل علاقة ملايين المتفرجين بها.. الجلوس في الظلام.. والاندماج في الخيال.. ومنافسة البطل في عشق البطلة.. وهو ماجعله يفكر في أن يكون بطلا على الشاشة.. ان يكون نجما تسقط في هواه الجميلات.. وتتفتح أمامه أبواب المجد والشهرة.. لكنه لم يتوقف طويلا عند هذا الحلم.. فلا هو في طول (رشدي أباظة).. ولا هو في وسامة كمال الشناوي.. لا هو في جرأة (عماد حمدي) ولا هو يملك قدرة الشر التي يتمتع بها (فريد شوقي). وانتقل الحلم الى الاخراج السينمائي.. وقد درسه بالفعل في معهد (السينما).. وجرب فيما بعد عدة محاولات تسجيلية قصيرة أخذت عناوين من كلمة واحدة: (مدينة) و(ملل) و(كاوبوي) و(الصباح) و(القطار) و(اللحظة).. أخرجها على مدى 20 سنة.. بين عامي 1971 و1991.. وبقى فيلمه الروائي الطويل حلما لم ينفذ.. وأغلب الظن أنه لم يكن سينفذ ولو عاش 100 سنة.. فهو من كثرة ماتأمل الأفلام وفحصها وفصصها واستوعبها بعين الناقد فقد جرأة الفنان وتهوره بعيدا عن الحسابات.. كما أن طبيعة السينما التجارية في مصر لم تكن لتسمح له أن يجرب مايريد بفلوسها كما حدث لنقاد السينما الجديدة - في (فرنسا) و(بريطانيا) و(الولايات المتحدة الأمريكية) ـ الذين تحولوا الى مخرجين يكتبون أفلامهم أيضا وربما يمثلونها كذلك. وقد حرص (سامي السلاموني) ـ في نقده السينمائي - على أن يكون مثل القاضي الذي يجلس على منصة العدالة متجردا من أي هوى شخصي.. كان يدفع ثمن تذكرة السينما من جيبه.. وكان لا يكتب في كثير من الأحيان الا بعد أن يشاهد الفيلم أكثر من مرة.. ولم يكن صديقا الا لعدد محدود من النجوم عرفهم قبل أن يصبحوا نجوما مثل (أحمد زكي).. ولم يمنع ذلك من هجومه الشرس عليهم لو أدوا أدوارا غير مقنعة.. وهو ماجعله من العصاميين الشرفاء الذين يأنفون من أن يأتيهم المدد الا من عرقهم وكدهم المستميت.. كان لا يأكل اللقمة الا اذا تعرف على دمه مغموسا فيها ولا يشرب الجرعة الا اذا كانت مصبوبة من عرقه (الغزير).. على حد رؤية (خيري شلبي) كذلك. ولم يكن الذين يهاجمهم (سامي السلاموني) بكل الشراسة التي اشتهر بها يتخيلون أو يتصورون أنه كان واحدا من الظرفاء الذين يسخرون من كل شيء بما في ذلك نفسه شخصيا.. وسخريته كانت مريرة مثل سخرية: بيرم التونسي و(محمود السعدني) و(صلاح جاهين).. لكنه لم يحول السخرية مثلهم الى كتابة ابداعية الا فيما ندر عندما قرر - بعد أن يئس من النقد السينمائي وفشل جدواه في تغيير حال الأفلام ـ أن يصدر مجلة أطلق عليها (الترمواي) أو (الترام) كان ينشرها داخل مجلة (الاذاعة والتلفزيون) التي كان معينا فيها.. وبعد يأسه من النقد السينمائي أيضا كتب مقالات في الكرة.. عبر فيها بخفة ظل متناهية عن مايجري في ملاعب الرياضة الشعبية الأولى في (مصر).. ولم يخف فيها أنه كان متعصبا الى حد الجنون الى (الأهلي) الذي كان يعتبره بمثابة الحزب الحاكم الحقيقي في البلاد. ولأنه كان لا يكف عن التدخين والغضب والسعي المستحيل لتغيير الدنيا من حوله كان لابد أن يصاب بمرض القلب الذي ورثه عن أبيه.. ولأنه كان مهملا في حياته الخاصة فلا يأكل بانتظام ولا ينام بانتظام ولا يستجيب للنصيحة من أحد فإنه لم يكتشف أن شرايينه ضاقت وخدعته الا بعد فوات الاوان.. وكانت السكتة القلبية هي المرأة الوحيدة التي نجحت في السيطرة على حياته. ـ كاتب وصحافي مصري