في جلسة نسائية معتادة بين مجموعة من الصديقات والزميلات والجارات والقريبات تتابعت الاحاديث والمناقشات حول كل شئون المرأة ذات الاهتمام المشترك، وأولها واهمها بالطبع، مايخص الموضات في الازياء والماكياج واحدث اجهزة الهواتف المتحركة، واشهر تسريحات الشعر وأمهر محناية في الديرة. وكادت الجلسة ان تنتهي دون ان تطل عليها سيرة الرجال فيما يشبه تعمد الحاضرات على تجاهل الحديث عنهم ربما عن رغبة في عدم تكدير صفو اللقاء الاسبوعي وربما كان الهدف الترفع عن الغيبة والنميمة اللتين يمارسهما الرجال في حق النساء بدافع الشكوى أو الملل أو رتابة الحياة. وكان من الممكن ان تمضي سهرة السوالف النسائية كما اشتهت الحاضرات لولا ان رن الهاتف المتحرك بين يدي الصديقة «فاطمة» التي ردت عليه والدهشة تكسو ملامحها ونبرات الاسى تغلف كلماتها. وبفضول نسائي تعالت أصوات الحاضرات: خير يا فاطمة، ماذا هناك؟ فكان جوابها: ابداً، زميلتي في العمل لديها مشكلة تفاقمت مؤخراً بعد ان اصر زوجها على ان يمارس حقه في شرع الله بتعدد الزوجات!! وخيم على الحاضرات صمت تحول معه المكان الى ما يشبه القبور، لكن ذلك لم يستمر طويلاً فقد تفجر الحديث حول شهريار العصر الحديث، عصر الموبايل، والكمبيوتر والانترنت، والمكائد النسائية ذات التقنية العالية والمتطورة. والغريب ان كل من في الجلسة لم تتدخر شيئاً مما لديها من حكايات وقصص، بل إن بعضهن قدمن «سيناريوهات» جاهزة للتنفيذ كي تقدمها فاطمة لزميلتها حتى تطمئن الى ان نساء الملينيوم «الألفية» غير اولئك اللواتي عشن في قصر «شهريار» في وقت لم يكن هناك هواتف أو انترنت تنقل الخطط أو بالأصح المكائد ـ في ثانية من الزمن ـ وتحبط كل مؤامرة على جنس الحريم يدبرها اي رجل تنظر اليه النساء على أنه حفيد «شهريار» حتى وإن لم يكن يمت له بصلة من بعيد أو قريب. وقبل ان ندخل الى السيناريوهات المطروحة في الجلسة إياها نشير إلى ان اغرب واطرف ما أعلنته الحاضرات حين قلن في نفس واحد وبعبارة لا تخلو من الوضوح: نحن لسنا كغيرنا من النساء أنانيات او محبات للاحتكار فنحن نملك وعياً وعقلاً ومسلحات بالعلم وايضاً بالوظيفة ولهذا فإننا نؤيد تعدد الزوجات بشرط.. وهنا سادت لحظة صمت، قلن بعدها بنبرة متحدية: الا اكون الزوجة الأولى!! ثم ألحقن عبارتهن الغامضة بضحكة تفيض بالعناد والتحدي. ومن بعيد وبطرف خفي كنت ارقب ما يحدث هامسة لنفسي: لقد اتفقن على موقف واحد مع سبق الاصرار والترصد ـ كما يقول أهل القانون ـ رغم ان ما يعرفه الجميع من ان النساء ـ وكما تعلمون ـ لا يتفقن على رأي حالهن في ذلك حال السياسيين عندنا، والاغرب ان يكون جوابهن غامضا تماما كأجوبة الدبلوماسيين في عواصمنا وكل عواصم الدنيا، تلك الاجوبة التي لا تشفي غليل السائل ولا توضح المسائل، وتترك الامور معلقة الى ان تتبدل الاحوال فينسى الناس السؤال والجواب. وتركز حوار الحاضرات على القضية المطروحة والتي استأثرت بكل الاهتمامات فقالت احداهن: اعترف ان منطق الرجال الذين يتطلعون الى التعدد وتراودهم بين اللحظة والاخرى فكرة الاقتران بزوجة جديدة هو منطق غاية في الغرابة، رغم ان الشرع اقر التعدد الا ان الانانية تغلفه بلا حدود كما انه لا يخلو اطلاقا من قصر النظر وضيقه، وكان هذا بداية هجوم على صنف الرجال وان جاء هادئا وفي اختصار. واكملت الاخرى، في المقابل فان المرأة ترى الرجل الساعي باستمرار الى زواج جديد سواء كان له عذره ام لم يكن هو ايضا انسان اناني لا يراعي مشاعر زوجته ولا سنوات العشرة، ولا يأبه بما قد يصيبها من آلام وايلام وانكسار وهوان جراء قراره التعسفي الذي يمكن وصفه باللاإنسانية. وقالت الثالثة بنبرة منطقية وثقة واضحة، لكن ما دامت حركة الحياة لا تتوقف، فان التعدد أيضا حاصل، وواقع شاءت النساء أم أبين، اعترضن أم وافقن، رضين بالامر الواقع ام رفضنه والسبب واضح ومعروف وهو زوغان عيني زوجها الى اخرى ومن ثم الارتباط بها وهو امر لا نملك فيه شيئا، فهي إذن مسيرة في هذا الجانب وليست مخيرة، حتى وان شاورها زوجها في قراره وحدثها بما ينوي الاقدام عليه. واعترضت احداهن ولها في الفلسفة دراسات وبحوث: ولكن قبولها يجب الا يعني ـ البتة ـ رضوخها والخضوع لما كان فإن تركت أي امرأة الأيام تفعل ما تشاء فإنها لا تطيب نفسا ـ على الدوام ـ بما يحكم به القضاء.. وللحريم في هذا الحكم شئون وشجون ومكائد ومصائد قد تكون تقليدية وأخرى اصطبغت بالتكنولوجيا فتأتي لتجاري العصر وتحاكي أدواته. وهنا تدخلت الصديقة ذات الاهتمامات الفنية لتقول : الواقع ان فتح ملف «الضرات» أو «الشريكات» وهما مسميان لهما دلالة واحدة، يعني تقديم مسلسل بحلقات تماثل حلقات المسلسلات المكسيكية التي تبدأ صيفاً ولا تنتهي إلا قبيل حلول الصيف التالي وتمتلئ حلقاتها بأنواع من الكوميديا والفكاهة والطرائف التي يمكن ادراجها تحت مسمى البرنامج الشهير «صدق أو لاتصدق» أو تحت مسمى وقائع وأحداث أغرب من الخيال» لما فيها من عجائب ونوادر تثير الضحك أحيانا وتدعو إلى الاستغراب في معظم الأحيان. ولمثل هذه الأحوال حكايات وحواديت فإن أحيطت الزوجة «المعذورة» بنية زوجها خطبة أخرى فإنها تبذل كل ما في وسعها لتمنع وقوع الفأس في الرأس. فمن بداية تبدأها بغضب واستنكار وتنديد مثل رجال السياسة تماما ولا أدري لماذا يفرض ظل السياسة نفسه هنا، حتى يصل الأمر في النهاية إلى صراخ وعويل ووعيد وتهديد، وإن لم يجد ذلك شيئاً، فقد تجنح للسلم وتلجأ إلى الأسلوب الأكثر فاعلية وهو الدموع التي اتهموا بها التماسيح رغم ما أكده أهل العلم من انه ليس للتماسيح دموع. وإذا لم تفلح في ذلك ووجدته مصراً على موقفه ولم تنفع معه كل أنواع التهديد والشدة واللين فإنها تبادر إلى طرق باب أهل العروس متسلحة في هذا الصدد عادة بما يكون لديها من جرأة قليلة ودموع كثيرة ولفافات من المحارم الورقية التي تستخدمها بكثرة أمام العروس المنتظرة وذويها كي تجفف دموعها الساقطة مدراراً على وجنتيها. وعادة يفلح هذا السلاح ويصيب الهدف أحياناً، وبادرت صديقة تعمل في قطاع الشرطة: هناك حالات تكون الزوجة فيها آخر من يعلم، وهنا قد يأتي رد فعلها سريعاً ومنفعلاً، وقد تتأنى وتصبر على تجرع كأس المرارة ـ مؤقتاً ـ ريثما تلتقط أنفاسها وتستعيد توازنها فيأخذ التخطيط دوره والمكانة تجد طريقها إلى التنفيذ بمعاونة عدد من المقربات. وإن كنا نحمد الله على ان حالة الغضب التي تستبد بالزوجات في بلادنا لم تصل إلى الساطور والاكياس البلاستيكية وسموم الفئران والضرب من تحت الحزام والايقاع بالزوج والزج به في مخالفات قانونية كما هو الحال في بعض البلدان، إنما المسلم به ان الأمر لا يمر بسلام، فهو أشبه بالحرب التي يسفر عنها قتلى وضحايا. وجاء دور صديقتنا المحبة للمبتكرات الحديثة او عاشقة الانترنت كما نطلق عليها لتقول .. سأحكي لكم عن حالة «روية» ففيها من الطرائف اكثر من غيرها، فهذه الزوجة المخلصة قد نالها الكثير من الاذى من افعال زوجها التي كان اقساها على نفسها تلك التهديدات المتكررة بالزواج مرة اخرى والتي تحولت في فمه الى علكة بدون طعم او رائحة، وأغنية يرددها على مسامعها صباح مساء، حتى تحولت حياتها الى جحيم بسبب القلق وعدم الأمن أو الاستقرار على نفسها وعلى من انجبتهم من عيال. وظلت تراقبه في كل حل له أو ترحال، تنام وعيناها مفتوحتان واذناها كالارانب في حالة استنفار على الدوام، ولكن كما يقولون «الحذر لا يمنع القدر» فمع يأسه من الارتباط بواحدة من بنات الديرة وفشله من الافلات من مراقبة المتحرية زوجته، استغل فرصة سفره الى دولة شقيقة في مهمة رسمية، ومع انتهاء ايام المهمة انتهى زوجها من اتمام مراسم الزواج وعاد لمنزله وفي ذراعه العروس الجديدة. وتساءلت صاحبة الرواية: ما الذي تتصورون ان «روية» فعلته وقتذاك؟ واجابت .. قد يتصور البعض ان حالة من الثورة وهستيريا الغضب قد انتابت الزوجة القديمة، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، فالصمت المطبق كان سيد الموقف واصرار تام على الا يستقل زوجها بزوجته الجديدة في بيت آخر، بل أهلا وسهلا بها في دارها الكبيرة، مؤكدة ان قلبها مثل كل شيء مفتوح لهما ونفسها ترحب بإقامتهما معها. ولكن رياح العاصفة التي لم تهدأ يوما هبت بقوة ذات يوم عندما اسرت روية الى زوجها وهي تعرف ضعف مقاومته لبنات حواء برغبتها في تزويجه من صديقة لا تمانع في الاقامة مع ضرتين والعيش معهما بسلام! ولم يكذب الزوج خبرا، ولم يدرك ان مبعث هذا الامر ليس حبا فيه، انما نكاية في الزوجة الثانية واذاقتها من الكأس ذاتها التي شربت منها، بل ان صاحبنا شكر زوجته كثيرا وابدى امتنانه لموقفها الكريم مؤكدا لها انها اغلى ما لديه، فهي ام العيال وهي الاولى والاهم. وتابعت الصديقة ان روية التي شفي غليلها بهذا المشروع ارادت ان تؤكد للثانية ان من سلك طريق التعدد فإنه لن يحيد عنه، ومن توجه ضربة إلى غيرها اليوم عليها أن تكون على استعداد لتلقي ذات الضربة غداً خاصة وان الزوجة الأولى اختارت الزوجة الثالثة بمواصفات خاصة وبعناية ودقة لتأديب الاثنين معا، الزوج وزوجته الثانية، حتى رغم ما كان بعد ذلك عندما انقلبت الاحوال على الاولى كان نصيبها من التأديب والتهذيب أكبر من نصيب غيرها مما جعلها تؤمن في النهاية ان الحفرة التي حفرتها بيديها لغيرها كانت سقطتها فيها أعمق وجرحها منها أكبر، ولكن ما الحيلة، وقد خرج الامر من يديها، واصبحت تشاركها الزوج والمسكن، فكان الحل في نظر روية هو اعلان هدنة وان كانت مؤقتة وفرض سلام ولو من اجل مصلحة فاهتدت الى تشكيل جبهة مع الزوجة الثانية لتلقين الثالثة درساً يعيد اليهما كرامتهما التي اهدرت على يديها، ومن ثم استعادة الزوج المنحاز اليها باستمرار بعد ان صار يفضلها عليهما وأمسيتا لاتريانه إلا بقدر ما تسمح هي له بذلك، وكان الحل بإقصائها عن عرش قلبه بمقدم الزوجة الرابعة تأديبا وتهذيباً، ولاتزال المعركة أو بالأدق المؤامرة مستمرة بعد ان استعانت الزوجتان بأسلحة ووسائل جديدة لم يتم الكشف عنها حتى الآن تحت شعار ارضاء الزوج في الظاهر والانتقام منه ومن زوجته المفضلة. نسيت ان اقول لكم ان روية اعتمدت على الهاتف المتحرك والانترنت للتخطيط لكل مؤامراتها، ولا اعرف كيف تم ذلك على وجه التحديد، لهذا اقول كان الله في عون الرجال في الملينيوم الجديد، وعلى فكرة نحن في بداية الالفية وباقي على نهايتها 999 سنة؟؟ EMAIL: fadheela@albayan.co.ae