(1) أداء ـــ الذين يقولون «ان فصل الصيف مقبرة الأداء» لا يلامسون الحقيقة دائما، حتى لا نقول انهم مخطئون، فإذا كان صحيحاً ان الأنشطة خلاله تتقلّص إلى درجة تكاد تنعدم معها مقارنة بما تدور فيه من أنشطة ببقية الفصول، إلا ان التنسيق والتوقيت للأنشطة والفعاليات يحدّد مدى قوة أو ضعف تلك المقولة. وهذا الأمر ينطبق على نموذج دبي الإمارة الجميلة التي تبحث دائماً عن المختلف وغير المتوقع في أسلوب حياتها، وهي الواقعة في فضاء صحراوي جعل صيفها على الدوام أشبه بمعاناة حقيقية، الأمر الذي كان يدفع معظم سكانها للسفر والسياحة في مشارق الدنيا ومغاربها. لكن دبي بدلت من هذا المفهوم إلى حد كبير وبات صيفها ملاذاً آمناً لطالبي الراحة والهدوء حتى في شهري يوليو وأغسطس، فقد ابتكرت هذه المدينة الكونية صيفاً آخر لها زاخراً بالحيوية، وها هي مفاجآتها تتكرر منذ ثلاثة أعوام حاملة معها البهجة والفائدة للمقيمين فيها، ولكل من يقصدها سائحاً من إمارات الدولة وسائر أصقاع الأرض. ومن البديهي القول ان مفاجآت صيف دبي لهذا العام قد حفلت بأشكال متنوعة فنية وثقافية وتراثية وتربوية، فضلاً عن فعالياتها الترفيهية، وما من شك بأن الجهود المبذولة لإنجاح هذا الحدث السنوي الممتع، إنما تنم عن قدرة فائقة لدى القائمين عليها في السعي إلى ثورة في المفاهيم التي كانت سائدة، ومفادها ان الصيف يقلص من حركة البشر، ويدب في نفوسهم الخمول. هكذا دبي، إذن تجعل من صيفها شعلة نشاط ومن حرارتها حياة في شرايين المدينة، ولعلها وهي تزخر بأحداثها على مدار العام تصر على ان تصنع كل يوم في السنة عيداً يحول ساعاتها ودقائقها وثوانيها إلى فائدة وبهجة. (2) صاحبة الجلالة من خلال تجربتي المهنية، لم أخضع يوماً لمزاج الوقت ولا لتقنية الفصول، لذا يظل ايقاعي الذهني مستعداً دائماً للتواصل مع أجواء العمل حتى في أيام العطلات والأعياد، وأراني دائماً أحسد نفسي على هذا الجلد الذي يسميه الكثير من أصدقائي تفانياً مبالغاً فيه، ويصفونه أحياناً بأنه نوع من الانتحار! وإذا كنت لا أطيق الحديث بمنطق «الأنا» إلا انني أعترف بأني مدمن عمل إلى حد العشق، وأقر أيضاً بأن الاجهاد الذي أتعرض له طواعية يتسبب أحياناً بالتعب للآخرين. لكن الأمر يسعدني وأعتقد انه يفرحهم أيضاً، كون النتيجة التي سنصل إليها في النهاية هي المستوى المهني اللائق والراقي. وما دمنا فتحنا السيرة الآن.. سيرة صاحبة الجلالة، قصة عشقنا اليومي مع القلم والورقة وصديقهما الكمبيوتر، فإن ثمة تساؤلات أحارُ دائماً في كيفية تفسيرها، ليس أقلها هذا الهوس لدى كثيرين من ممتهني الصحافة بتوقيع أسمائهم على ما يكتبونه أو لا يكتبونه! وقد يندهش البعض بهذا الكلام المتناقض ليكتشف بعدها ان ذلك حقيقة ساطعة، إذ ثمة من يستولي على نصوص كتبها آخرون ويمهرها بتوقيعه غير مكترث بالحد الأدنى من مبادئ الرسالة الإعلامية التي يتصدرها الضمير المهني أولاً وأساساً. وإذا كانت هذه الأمور التي أسردها ليست جديدة في عالم الصحافة، فإن من الواجب التذكير لعل الذكرى تنفع، بأن مجد الانسان لا يُبنى بجهد الآخرين وتعبهم، وان مقتضيات الأمانة الصحفية تتطلب الصدق وليس الادّعاء، وفي الخلاصة ان ما يفيد هو ما تزرعه وتنتظر بشوق حصاده لترى ما جنته يداك.. وحينها تنال سعادتك حقاً. ملاحظة أخيرة.. كثير من الكتّاب والشعراء والصحفيين المشهورين صاغوا الكلمات بمدادهم على ملايين الأوراق، وغالباً ما كانوا ينشرونها بدون توقيع أو بأسماء مستعارة، وهذا الأمر ان دل على شيء فإنما ينم عن شعور داخلي لدى هؤلاء بأن ليس كل شيء يكتبونه يستدعي توقيعه بالضرورة، إذ ان ثمة كتابات لا تضيف شيئاً إلى رصيد كاتبها، وأحياناً كثيرة تكون وبالا عليه.