الهجمات الصاروخية الاسرائيلية على الفلسطينيين، حملات الاغتيال، اللوائح الاسرائيلية، السوداء، قوائم الاغتيال، اعتقال فلسطينيين وهم يحاولون تفجير انفسهم في اسرائيل، هكذا تستمر عملية المواجهة دون توقف، ولكن هذه المرة في ظل انزلاق باتجاه مواجهات أوسع لا يعرف احد الى أين ستقود وبين اليوم والامس نستطيع ان نشاهد حجم التغير في الوضع العام المرتبط بالقضية الفلسطينية. وتواجه الادارة الامريكية الكثير من الضغوطات وذلك للتصرف بفعالية وللتدخل بجدية قبل ان تنفجر الاوضاع الفلسطينية الاسرائيلية وتتحول الى حرب مفتوحة، ولكن الادارة الامريكية على مستوى البيت الابيض مترددة في التدخل الجاد حتى الان، اذ تضغط الخارجية الامريكية وعلى الاخص القسم الخاص بمنطقة الشرق الاوسط، لصالح التدخل استباقا للحدث الاكبر. وقد شهد الاسبوع الماضي الكثير من اللقاءات الحكومية في العاصمة الامريكية التي عكست هذا الانقسام، وقد عكست صحيفة «الواشنطن بوست» يوم الاثنين الماضي حجم هذه التناقضات وحدتها، فقد برزت هذه الخلافات بين الممارسين العارفين بخطورة عدم التدخل الامريكي الجدي وبين الجدد الذين اتوا بالتعيين بعد انتخاب الرئيس بوش. المعينون في الاجهزة الادارية والسياسية المختلفة اكانوا في البيت الابيض ام في الوزارات المؤثرة اميل لمحاباة مراكزالقوى المؤثرة وبالتالي تجنب التدخل، وذلك لارضاء قواعدهم وخاصة الجماعات اليهودية التي تمانع التدخل الامريكي الجاد في الحرب الدائرة الان في هذا تقع حالة تناقض كبيرة في السياسة الامريكية الرسمية وهي مستمرة حتى الان دون حسم. ومن الشواهد التي تعكس طبيعة الازمة موقف الولايات المتحدة من الرد على محاولات العراق اسقاط طائرة امريكية منذ ايام، اذ جاء الجمود في التعامل مع الحدث في سياق الخلاف الامريكي الامريكي على السياسة والذي ارتبط بالاجواء التي خلفتها الانتفاضة، من جهة اخرى نجد انه في جولات المسئولين الامريكيين الاخيرة الى منطقة الشرق الاوسط وفي جولات المبعوثين الرسميين وغير الرسميين لم يطرح موضوع سوى موضوع الانتفاضة واسرائيل، بل كما يقول الكثير من المسئولين الامريكيين انه «حتى بين اقرب الحلفاء وبما في ذلك الكويت حيث التخوف الاكبر من صدام حسين ونظامه، الا ان المسألة الفلسطينية طغت على احاديث المسئولين الكويتيين مع المبعوثين الامريكيين». ومن الواضح الان بداية وعي امريكي بأن مواجهة نظام صدام حسين غير ممكنة في ظل الانتفاضة وفي ظل العنف الراهن وانه لابد ان تهدأ الجبهة الفلسطينية قبل بلورة سياسة الانتظار والترقب، ام اخذ قرارات جريئة تحرك الوضع وتدفعه باتجاه الضغط المباشر على اسرائيل وايقاف اطلاق النار وايقاف الاستيطان والعودة للمفاوضات. ان بقاء الصراع في شكله المفتوح وعدم السعي نحو حل جاد ومسئول للقضية الفلسطينية سوف يعني استمرار العنف واستمرار العسكرية واستمرار الفوضى فبلا حل عادل للقضية الفلسطينية يبقى الجرح النازف بلا توقف، ولكن من سلبيات كل حرب مع عدو خارجي انها تستنزف البلاد العربية معنويا وسياسيا وعسكريا، فمن خلال مواجهة اسرائيل توجه ضربات موجعة للاقتصاد الفلسطيني، ومن خلال المواجهة مع اسرائيل سوف تبقى الطاقات العربية عاجزة عن السير باتجاه التنمية والتطوير وباتجاه الديمقراطية والحرية، هكذا الصراع مع الخارج يجمد كل شيء ويفرض نمطا من الاستنزاف السلبي على العرب الذي يعود ويتحول الى نقمة ضد المصالح الامريكية وضد الاستقرار والتنمية في منطقة الشرق الاوسط، هكذا تكبر الحلقة المفرغة التي تعيش فيها اسرائيل ويعيش فيها الشعب الفلسطيني والدول العربية والمصالح الامريكية. لهذا من مصلحة الولايات المتحدة حسم ترددها والعمل لايقاف التدهور في اطار تجميد الاستيطان ووقف القتال والتوجه نحو مفاوضات جادة حول المستقبل، بلا هذا سوف تتعمق ازمة المنطقة المرتبطة بأزمة الاستقرار في الشرق الاوسط والمرتبطة بأزمة اسرائيل وبأزمة العلاقات الامريكية العربية وبأزمة العنف الذي لايعرف حدودا او منطقا. ـ استاذ العلاقات السياسية بجامعة الكويت