منذ توقفت المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية مطلع العام الجاري، مع انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وسقوط حكومة ايهود باراك الاسرائيلية، نشرت وسائل اعلام مختلفة المزيد من المعلومات والتقارير حول الملابسات التي رافقت آخر مراحل التفاوض بين الجانبين برعاية ومشاركة الادارة الأمريكية السابقة، وأسباب فشل الأطراف الثلاثة في الوصول إلى اتفاقات متوازنة تحقق تسوية عادلة ونهائية لصراع نصف القرن الماضي. وتبين معظم هذه التقارير، وخلافا للحملة الاعلامية الاسرائيلية والأمريكية التي أعقبت حملة كامب ديفيد الفاشلة في يوليو من العام الماضي، ان الفلسطينيين لم يضيعوا تلك «الفرصة التاريخية» التي جرى الحديث عنها، وان ما حدث بالفعل لم يكن سوى عملية ضغط أمريكية ـ اسرائيلية منسقة هدفها دفع الجانب الفلسطيني، اما إلى تقديم المزيد من التنازلات في قضايا الوضع النهائي المطروحة، أو تحميله المسئولية الكاملة عن انهيار المفاوضات، وهو ما أقدم عليه الرئيس الأمريكي السابق، فضلا عن رئيس الحكومة الاسرائيلية ـ آنذاك ـ ايهود باراك، وكأن المقصود هو الوصول إلى هذه النتيجة وحسب. وهذا الاستنتاج ليس مجرد مسألة أخلاقية فحسب، وان ما يترتب عليه لا يتجاوز حدود المسئولية السياسية والمعنوية، بل انه يشكل أحد العناصر الرئيسية في التحليل المتعلق بتفجر الانتفاضة الشعبية الفلسطينية ودوافعها الحقيقية، أيّاً يكن سبب انطلاق شرارتها الأولى. فالمحللون السياسيون، على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم، لم يتوقفوا عن الخوض في تفاصيل هذا التطور البارز في الجانب الفلسطيني ونتائجه المحتملة، وذلك من خلال اجراء مقارنات حول حسابات الربح والخسارة ومدى قدرة الشعب الفلسطيني على التحمل والصمود في وجه الآلة العسكرية الاسرائيلية المتفوقة، وأمام الحصار والعقوبات الجماعية القاسية التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي على المدن والقرى الفلسطينية، فضلا عن استشهاد المئات من المواطنين وارتفاع عدد الجرحى إلى أكثر من عشرين ألفا حتى الآن. وفي حين يذهب بعض المحللين إلى القول إن الانتفاضة الشعبية الفلسطينية تواجه مأزقا خطيرا نتيجة لقسوة الضغوط الاسرائيلية وارتفاع الخسائر من جهة، وعدم الحصول على الدعم العربي والدولي المطلوب من جهة أخرى، يؤكد آخرون أن لا شيء مفاجئا في كل ما يحدث، فالشعب الفلسطيني مارس خياره الوحيد المتاح حتى لا يقدم على الاستسلام، وهو استطاع أن يمارس ضغوطا مماثلة على الحكومة الاسرائيلية والمجتمع الاسرائيلي، ثم على المستوطنين بوجه خاص، أما الخسائر التي يقدمها فهي الثمن الذي لابد من دفعه في سبيل تحقيق استقلاله وحريته واستعادة كرامته المهدورة. والسؤال الذي يظل مطروحا دائما: هل كانت ثمة فرحة حقيقية لتجنب خيار الانتفاضة الشعبية؟ وهل كان هناك أمل في المزيد من المراهنة على الخيار السياسي والمفاوضات، سواء خلال عهد حكومة ايهود باراك، أو في المرحلة اللاحقة التي شهدت وصول ارييل شارون إلى السلطة وتشكيله حكومة مواجهة ائتلافية؟ وللاجابة على هذه الأسئلة لابد من العودة إلى المرحلة التي أعقبت مؤتمر مدريد (أواخر عام 1991)، وانطلاق مسيرة أوسلو عام 1993، حيث تقودنا الأحداث والوقائع إلى النتائج الراهنة. المسيرة المتعثرة في الثالث عشر من سبتمبر 1993 شهدت حديقة البيت الأبيض توقيع «اعلان المبادئ» الذي عرف باسم «اتفاق أوسلو» بين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي ـ آنذاك ـ اسحق رابين، الذي اغتيل في وقت لاحق. واعترفت اسرائيل بموجب هذا الاتفاق بمنظمة التحرير الفلسطينية وأقرت بمنح الفلسطينيين حكما ذاتيا محدودا، مقابل السلام وتوقف الفلسطينيين عن المطالبة بفلسطين التاريخية. وتضمن هذا الاتفاق، الذي أحدث انقساما واسعا بين الفلسطينيين، بنود غامضة وتفاصيل كثيرة يحتاج كل منها إلى شرح وتوضيح واتفاق مستقل، وهو ما حدث على مدى السنوات الماضية. عندما وقع اتفاق القاهرة، المعروف باسم «غزة وأريحا أولا»، في الرابع من مايو عام 1994، وأطلقت عليه بعض الوسائل الاعلامية وصف «غزة ـ أريحا ... أولا وأخيرا». ومع ان الحكم الاستشرافي الذي تنطوي عليه التسمية الثانية يتسم ببعض المبالغة السياسية، لكن التسمية الأولى كانت تنطوي هي الأخرى على قدر من التفاؤل لا ينسجم لا مع واقع الحال ولا مع ما هو متوقع من اسرائيل في مجال تنفيذ التزاماتها حيال الاتفاقات الموقعة أو احترامها المواثيق الدولية. كان الهدف من اتفاق القاهرة تحديد مراحل وآلية تنفيذ اتفاق أوسلو الذي بنيت التسوية الاسرائيلية ـ الفلسطينية على أساسه. وبالفعل فقد جرى وضع جدول زمني لانسحابات اسرائيلية من المناطق الفلسطينية المحتلة في قطاع غزة والضفة الغربية، وحدد الطرفان فترة خمس سنوات لتنفيذ الاتفاقات المرحلية، على أن يتم في نهايتها التفاوض على ما سمي قضايا الوضع النهائي، وهي: القدس، اللاجئون، الحدود، المستوطنات الاسرائيلية في الضفة والقطاع والدولة الفلسطينية المستقلة. وفي 28 سبتمبر عام 1995 وقع عرفات ورابين «اتفاق طابا» المعروف باسم «أوسلو 2». وينص هذا الاتفاق، الذي وقع في واشنطن، على توسيع المناطق التي تخضع للحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، والسماح للفلسطينيين باجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، (أجريت هذه الانتخابات في 20 يناير عام 1996 وانتخب فيها عرفات رئيسا للسلطة الفلسطينية). وقد شكلت لجنة ثلاثية اسرائيلية ـ فلسطينية ـ أمريكية للاشراف على تنفيذ الاتفاق خصوصا ما يتعلق بالشئون الأمنية. ما بعد رابين شكل اغتيال اسحق رابين في الرابع من نوفمبر عام 1995 نقطة تحول على صعيد التسوية الفلسطينية ـ الاسرائيلية، إذ أعقبت الحادث سلسلة من التداعيات أدت إلى عودة حزب «الليكود» اليميني المتطرف إلى الحكم بزعامة بنيامين نتانياهو، وذلك في أعقاب العملية العسكرية الواسعة التي نفذتها اسرائيل ضد لبنان، وسميت «عناقيد الغضب»، بذريعة الرد على عملية تفجير فدائية نفذتها حركة حماس في القدس. وكما كان متوقعا فقد بدأ نتانياهو يضع العراقيل في طريق التسوية. ومع ان «اتفاق الخليل» وقع في عهده، ومعه شخصيا، إلا انه ظل يماطل في تنفيذ بنوده. وفي الوقت ذاته عمل على تكثيف بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وجمد عملية التسوية ولم يلتزم بأي من الاتفاقات الموقعة، كما ظل يسوف في شأن مباشرة مفاوضات الوضع النهائي. هذا التعثر المستمر في مسيرة التسوية قاد لاحقا إلى مفاوضات جديدة في واشنطن، بدأت في منتصف اكتوبر عام 1998 وتوجت في الثالث والعشرين منه بتوقيع اتفاق عرف باسم «واي ريفر». وقد نص هذا الاتفاق على ان تنسحب اسرائيل من مساحات جديدة من أراضي الضفة الغربية تصل نسبتها إلى 14.2%، مقابل تعهد الجانب الفلسطيني بتنفيذ عدد من الاجراءات الأمنية بهدف منع أية أعمال موجهة ضد اسرائيل. وتم الاتفاق على أن يكون للمخابرات الأمريكية حضور أقوى في اطار اللجنة الأمنية الثلاثية المشكلة سابقا لضمان تنفيذ الاتفاق. كذلك وجه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون «رسالة ضمانات» إلى كل من الطرفين لتشجيعهما على تنفيذ التزاماتهما. بيد ان بنيامين نتانياهو رفض تنفيذ الاتفاق متذرعا بأن الجانب الفلسطيني يتلكأ في اتخاذ الاجراءات الأمنية التي تدخل ضمن التزاماته. كما وقع خلاف حول المناطق التي سيتم الانسحاب منها، ومساحتها الفعلية، بالاضافة إلى محاولة دمج بعض الانسحابات المقررة بمفاوضات الوضع النهائي لممارسة مزيد من الاستيطان في الضفة الغربية وانشاء عدد من المستوطنات الجديدة. وقد أدى كل ذلك إلى تزايد الصراع السياسي الداخلي في اسرائيل، كما مارست الولايات المتحدة ضغوطا واضحة في اتجاه ابعاد نتانياهو عن السلطة والمجيء بآخر خلفا له، من خلال اجراء انتخابات مبكرة. وهكذا بدا الطريق مفتوحا أمام ايهود باراك ليشكل حكومة اسرائيلية جديدة. رجل السلام و... اللاءات! في السابع من مايو عام 1999 تمكن باراك من اطاحة خصمه نتانياهو في انتخابات خاضها تحت شعارات تتحدث عن «السلام مع العرب» لكنه رفع إلى جانبها لاءات أربعا تحولت إلى ما يشبه الثوابت في سياسته العامة. وهذه اللاءات هي: 1 ـ لا لتقسيم القدس. 2 ـ لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين. 3 ـ لا لتمركز أي جيش أجنبي غرب نهر الأردن. 4 ـ لا للعودة إلى حدود الرابع من يونيو 1967. إن الخطة التي اعتمدها باراك في مجال التعامل مع الملف الفلسطيني لا تختلف عن تلك التي نفذها سلفه نتانياهو من حيث محاولة فصل المفاوضات الجارية مع الجانب الفلسطيني عن أية اتفاقات سابقة، لا سيما اتفاق أوسلو، وذلك بهدف تغييب أية مرجعية قد يستند إليها الموقف الفلسطيني ويستمد منها شرعيته. ومع ان باراك لم يستطع اسقاط اتفاق «واي ريفر» نظرا لتمسك الادارة الأمريكية به، لكنه تمكن من الالتفاف عليه واستبداله باتفاق آخر هو «اتفاق شرم الشيخ» (الذي وقع في مطلع شهر سبتمبر 1999)، مما أتاح له ادخال عدد من التعديلات المهمة عليه، ثم اتباع اسلوب «الانتقائية» في تنفيذ بنوده. كان من المفترض ان تنتهي المرحلة الانتقالية في 14 مايو 1999 (بحسب الاتفاقات الموقعة)، على ان يعلن الفلسطينيون في هذا الموعد (13 سبتمبر) دولتهم العتيدة. لكن ذلك لم يحدث، لا بالنسبة للنقطة الأولى ولا بالنسبة للنقطة الثانية، فلم يكن أمام الفلسطينيين سوى الانتظار. وفي 20 يناير عام 2000 كان يفترض أيضا ان ينتهي تنفيذ بنود الاتفاقيات المرحلية، والتي تشمل: الانسحابات المقررة في الاتفاقات الموقعة بين الطرفين، وآخرها «اتفاق شرم الشيخ» الذي يعتبر توأم «اتفاق واي ريفر»، كذلك مرت المناسبة دون أن يحدث أي شيء يدل على وجود رغبة اسرائيلية حقيقية في تنفيذ الاتفاقات الموقعة. وعقدت لقاءات كثيرة بين الطرفين لتذليل العقبات التي تباعد بين موقفيهما لكنهما فشلا في تحقيق أي تقدم. وعلى الرغم من ان الطرفين يختلفان حول نقاط عديدة إلا ان موضوع القدس كان أبرز هذه النقاط، وقد تجلى ذلك بوضوح خلال قمة كامب ديفيد التي عقدت خلال الفترة من 11إلى 24 يوليو عام 2000، لكن القمة انهارت تماما بعد اسبوعين من المناقشات العقيمة التي أظهرت وجود شقة واسعة بين موقفي الطرفين وغياب الثقة تماما بينهما. وكانت النتيجة ان تعذر على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اعلان «الدولة الفلسطينية المستقلة» في الثالث عشر من سبتمبر وارجأ الموعد إلى تاريخ آخر غير محدد، في حين واجه ايهود باراك تحديات جدية من القوى الاسرائيلية المعارضة، الأمر الذي جعله يزيد من تشدده في مواجهة الفلسطينيين. المواجهة ... ومسئولية واشنطن انطلاقا من هذا التعثر المستمر في المسيرة السلمية، ثم محاولة الطرف الاسرائيلي المزايدة على المعارضة بالنسبة لما يمكن أن تقبله الحكومة الاسرائيلية أو ترفضه في اطار عملية التجاذب المتزايدة، كان لابد للفريقين من ان ينتهيا إلى صدام شامل يكرس حقيقة التباعد القائم بين الطرفين، وقد جاءت زيارة ارييل شارون بعد ذلك إلى ساحة المسجد الأقصى لتشعل فتيل المواجهات، التي تحولت خلال الأيام والأسابيع التالية إلى انتفاضة شعبية عارمة ضد الاحتلال الاسرائيلي عكست احتقان الشارع الفلسطيني من مماطلات السلطة الاسرائيلية وتسويفها ورفضها الاعتراف بالحقوق الفلسطينية المشروعة. وإذا كانت ممانعة نتانياهو، ثم التردد الذي أظهره باراك في الاقرار بحقوق الفلسطينيين وموجباتها السياسية والقانونية، قد تسببت في وصول جهود التسوية السلمية إلى طريق مسدود، فان الانحياز الأمريكي لاسرائيل الذي برز جليا في مختلف مراحل المفاوضات شكل العامل الرئيسي في تشجيع الحكومة الاسرائيلية على ابداء هذا القدر من التعنت. وعندما تغيرت الادارة الأمريكية بانتخاب جورج بوش رئيسا للولايات المتحدة ساد نوع من الانطباع بأن ثمة تغييرا محتملا في اتجاه ممارسة بعض الضغط على اسرائيل. وفضلا عن ان ذلك لم يحدث على الاطلاق، فقد أضيف إليه عامل سلبي آخر هو وصول ارييل شارون إلى السلطة خلفا لباراك، وكان ان أطلق شارون العنان لتوجهاته الارهابية فصعد عمليات القتل والتدمير ضد الشعب الفلسطيني والمنشآت الرسمية والخاصة، كما عمل على توسيع النشاطات الاستيطانية متحديا بذلك كل المواقف الدولية المعارضة لهذه التوجهات العدوانية. وبدلا من ان تتصدى الولايات المتحدة لهذا السلوك العدواني الذي يتسم بكثير من الاستفزاز والعنجهية، اتخذت الادارة الأمريكية مواقف مماثلة للسياسة الشارونية، الأمر الذي وضع المنطقة كلها على حافة انفجار شامل. وأيّاً تكن التطورات التي تندفع نحوها مواجهات الأراضي المحتلة، فإن الشعب الفلسطيني لا يجد أمامه سوى خيار واحد هو الدفاع عن نفسه في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي وآلته التدميرية. وإذا كان شارون استطاع اخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت خلال غزوه لبنان عام 1982 فانه قطعا لن يستطيع اخراج الشعب الفلسطيني من وطنه فلسطين، أو تصفيته كله. وبالتأكيد فان وقائع نكبة 1948 الكارثية لن تتكرر عام 2001، لا بالنسبة لحمل الفلسطينيين على مغادرة ما تبقى من أرضهم، ولا بالنسبة لتحقيق انتصار كالذي أدى إلى قيام دولة اسرائيلية. فالفلسطينيون قادرون هذه المرة على المواجهة وعلى الصمود على صنع مستقبلهم. ـ كاتب صحفي لبناني مقيم بباريس