من الواضح أن دعاة قيم الدين والأخلاق لن يفلحوا في ردع علماء الاستنساخ عن المضي في مشوارهم المثير للقلق وسيعمدون إلى إنتاج مخلوقات بشرية على طراز النعجة دوللي. حديث العلماء عن الأزواج غير القادرين على الإنجاب ليس سوى محاولة خجولة لتلبيس مشروعهم مسوحاً جمالياً وترويج هذه الخطوة الحمقاء في سلوفان أخلاقي. إذا تقبل المجتمع مشروع الأجنة المستنسخة فسيفتح الباب على مصراعيه لفوضى بشرية لا يمكن التنبؤ بعواقبها الوخيمة. المسألة تبدو وهي جنين وكأنها مشروع لفيلم على نمط سينما الخيال العلمي، غير أن القضية في جوهرها تستوجب التحريض لإثارة الجماهير على نحو يفوق زوابع أعداء العولمة، فهؤلاء سيدفعون أكثر من غيرهم ضريبة الحماقة العلمية المرتقبة. تكنولوجيا الاستنساخ ليست الكشف العلمي الأول الذي يسوّقه أصحابه ومموّلوه كبشارة خير للإنسانية ثم ينقلب الكشف وبالاً على البشر. هكذا كان حال الديناميت مع ألفريد نوبل ثم الراديوم والبلوتونيوم والإشعاع على أيدي ماري وبيار كوري كما كان كشف النسبية بواسطة البرت اينشتاين، فقد تحولت تلك الكشوفات العلمية كلها إلى مختبرات التدمير واستثمرها أعداء البشرية، والحال سيكون أكثر كارثية مع اختراع آلان كولمان الذي استنسخ النعجة دوللي وأغرى من بعده الباحثين لتطبيق التكنولوجيا نفسها على البشر. لو أن كولمان وأمثاله استهدفوا تكريس علم جيناتهم المتطور هذا في مكافحة الأمراض التي تحاصر الكائن البشري في عصرنا الحالي من كل فج عميق لأفادوا الإنسانية أكثر من عملية الاستنساخ. ولو أنهم عمدوا إلى استنساخ أغذية طبيعية لأفادوا البشرية كذلك، فلم يعد الإنسان يأمن شيئاً مما يأكل سواء من الحيوانات أو النباتات إذ دخلت السمّيات الكيميائية على اللحوم والخضروات والفاكهة المعلبة منها والطازجة. من السهل أن يتصور المرء الجدوى التي يمكن أن تقطفها الإنسانية فيما لو اتجهت جهود العلماء لجهة تحسين الغذاء من خلال تكريس تكنولوجيا الجينات لذلك المنحى، ولكن من غير اليسير تخيل الحال الكارثية التي سينتهي إليها العالم إذا تابع العلماء حماقاتهم لجهة استنساخ قطيع بشري على طراز دوللي. بغض النظر عن الخطوط الحمر التي يرسمها الدين والأخلاق وقيم الجمال التي تحظر حماقة الاستنساخ البشري، فالسؤال الاكثر إلحاحاً يبقى في الطراز الإنساني الذي يمكن أن يغري علماء الجينات بإصدار طبعة ثانية منه. فالمسرح العالمي بأسره يفرز قدراً طائلاً من الإحباط بحيث لم يعد المرء يرى قدوة أو شخصاً جديراً بإصدار طبعة ثانية له ـ إلا من رحم ربي ـ وهؤلاء الذين يرحمهم ربي يربأون بأنفسهم عن الاستنساخ. قد يكون المشهد العربي أكثر مدعاة للإحباط إذ اختفت النجوم عن سمائه وكأن زمان الرجال العظام ولى إلى غير رجعة، هذا زمن البكائيات على غياب قادة بقامة ناصر ونهرو وديجول وماو، وعلى شعراء بفحولة المتنبي والجواهري واليوت وشوقي وبول ايلووار والسياب، ومطربين بأصالة أم كلثوم وعبدالوهاب وجون لينون وعبدالحليم حافظ، وكتّاب بمقدرات جوركي وطه حسين والأصفهاني وتشيكوف والأفغاني. ربما أقنعتنا التجربة أن التاريخ لا يعيد نفسه وكذلك الرجال، فالسادات أعلن في بدء توليه الرئاسة أنه سائر على درب عبدالناصر غير أنه أخذ مساراً مضاداً تماماً، وهم يحاولون زيادة قناعتنا بأن المرء لن يكون طبعة ثانية لأحد، فبوتفليقة لن يصبح بومدين ومحمد السادس لن يكون أباه الحسن الثاني وإميل لحود لن يلعب دور فؤاد شهاب وأن عبدالله الثاني لن يعيد سيرة عبدالله الأول، وأن كل المطربات اللواتي لا حصر لهن ليس بينهن فيروز أخرى ولاتزال الكوميديا العربية تبحث عن نجيب ريحاني دون جدوى. في ظل المشهد القاتم الذي يتمنى المرء معه تعجيل فناء الأصول المتحركة على المسرح فأي الطبعات الثانية تلك التي يمكن أن تبرق بواسطة علماء الاستنساخ. التضخم السكاني وترهل البطالة واستشراء المهمشين مظاهر لا تدعو لإصدار طبعات جديدة من هؤلاء الذين يمكن أن يتحوّلوا للحياة مع النعاج المستنسخة ويمارسون صمت الحملان.