اليوم تنفرد اوساط رأسمالية واستعمارية بالهيمنة على شئون العالم. وتستعين تلك الاوساط بالمكتشفات التكنولوجية في مجال الاتصال والمعلومات في تعزيز هيمنتها هذه. وتتعزز في هذه الايام الدعوة الى القضاء على الحواجز الاقتصادية والثقافية، وبخاصة الحواجز السياسية، اي حواجز الدولة، وعلى الخصائص الثقافية للشعوب باسم العولمة. وقد اضعفت في الواقع هذه الحواجز. وبذلك تصبح بلدان العالم النامي ضعيفة ومكشوفة اقتصادياً وثقافياً وسياسياً، لا حصانة لها في وجه هجمة قوى العولمة الساعية الى تحقيق الارباح الطائلة والداعية الى ازالة مزيد من هذه الحواجز دعماً لها في تحقيق اهدافها. ويتمثل هذا القضاء في حمل دول صغيرة وضعيفة من العالم النامي على تصفية القطاع العام وتعزيز القطاع الخاص. ويقصد بذلك اضعاف الدولة القومية واضعاف الدولة عموماً. وقد تم حقاً اضعاف كثير من الدول في شتى ارجاء العالم. ويبدو ان الدولة ستزداد ضعفاً وان الوظائف التي تؤديها ستقل. ان الوظيفة الرئيسية التي تؤديها دول كثيرة في الوقت الحاضر هي القيام بدور المسهل والميسر لتدفق الارباح على جيوب اصحاب الرأسمال في الداخل والخارج. وللحد من اثار العولمة وللتحكم بالعولمة ولتفادي نشوء فراغ سياسي داخل الدول وفي العلاقات فيما بينها يجب ان ينشأ نظام سياسي عالمي جديد تضطلع فيه بدور هام المؤسسات ذات التمثيل السياسي لكل دول العالم. ويجب ان توجد سلطة عالمية فعالة تتعامل مع اثار العولمة. ويمكن ان تشكل الامم المتحدة هذه السلطة اذا اصبح مجلس الامن اكثر تمثيلاً لدول العالم واذا اصبح المجلس ذا صبغة ديمقراطية واذا اصبحت اساليب عمله اكثر ديمقراطية. ولتحسين جودة حياة الشعوب الفقيرة يجب ان تدمج اقل البلدان نمواً واشد البلدان تخلفاً ادماجاً ايجابياً في الاقتصاد العالمي. والمقصود بالادماج الايجابي ان تكون لتلك البلدان كلمة مسموعة ووزن على الساحة الاقتصادية العالمية. ولرفع مستوى المعيشة لجميع الشعوب ولتحقيق اهداف التنمية يجب على الدول المتقدمة النمو ان تقدم المساعدة الانمائية الرسمية المستدامة والمتزايدة. ومن المؤسف ان اربع دول فقط حققت هدف الامم المتحدة وهو توفير نسبة 0.7 في المئة من اجمالي دخلها القومي للمساعدة الانمائية. في هذه الظروف العالمية القائمة ينشأ اشكال في الموقف المتخذ حيال الدولة. فمن ناحية واحدة ادت الدولة وتؤدي دور الاداة القائدة او الموجهة للشعب في مسيرة النهضة والتغير الاجتماعي والاقتصادي المنشود وفي عملية اقامة الامة وحماية الشعب، او هكذا كان البعض ينظر الى وظيفتها، او هكذا احب البعض ان تكون هذه الوظيفة. ومن ناحية اخرى، في ظل السيولة العالمية تضعف الدولة، وما يتبقى منها يؤدي وظيفة اخرى، هي وظيفة الحراسة والامن لضمان سلاسة تدفق الاموال. والمهمة التي يجب علينا ـ العرب ـ ان ننجزها او التحدي الذي ينبغي لنا ان نواجهه هو ان نكون جزءاً فعالاً من العالم نسهم في حياته الاقتصادية والحضارية ونشكل صورته الانسانية مع المحافظة في الوقت نفسه على تميزنا وعلى خصوصيتنا القومية والثقافية. ويمكن تحقيق هذين الهدفين عن طريق قيام وتعزيز الدولة القومية العربية. فالدولة هي احدى الادوات الاهم لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والادارية والتكنولوجية. ولكن، كما اشرنا، تعترض عقبات تحقيق الدولة هذين الهدفين، ومن هذه العقبات ضعف الدولة باعتبارها مؤسسة حكم ذات شرعية في كثير من الاراضي العربية. ومن هذه العقبات تزايد اثر العولمة المتزايدة القوة في شئون الدولة. ـ استاذ الدراسات الشرق اوسطية ـ الولايات المتحدة