بسبب الثورة التكنولوجية والعلمية، بما في ذلك الثورة في مجال سرعة الاتصال وسرعة نقل المعلومات عن طريق الكمبيوتر والشبكة الدولية، نشأت وتنشأ سمات، في مجال الثقافة والحضارة، تعم العالم كله، وتنشأ اخطار نووية وكيميائية وصحية وبيئية تعم العالم كله. وتسبب الثورات في مجالات العلم والتكنولوجيا والاتصال والتفاعل فيما بين الثقافات والمصالح داخل كل بلد وفيما بين البلدان وفيما بين القارات. ويكون هذا التفاعل ايجابياً او سلبياً. والتفاعل الايجابي هو التفاعل الذي فيه يمارس طرف التأثير في اطراف اخرى. وفي اطار التفاعل يوجد مستفيدون ومتضررون. والذين يسيطرون على آليات السيولة العالمية (العولمة) هم الذين يحققون قدراً اكبر من الاستفادة، والذين لا يحسنون استعمال هذه الآليات، ومعظمهم من ابناء العالم النامي، يكونون المهمشين من شتى النواحي. وعلى الرغم من بعض السمات العامة للعالم فإن كل شعب من شعوبه لا يزال يحتفظ، وان كان الى حد اقل بسبب العولمة، بهويات وخصوصيات قومية وعرقية وثقافية خاصة به، وهذه الخصوصيات والهويات مبعث منازعات وصراعات في بعض الاحيان والاماكن، ومن الجدير بالذكر ان العولمة تؤدي، دعماً لمصالح المروجين لها، الى تأجيج كثير من هذه المنازعات. وبالنظر الى ان الخصوصيات والهويات والاختلافات لها اثر معاكس لاتجاهات العولمة فإن المستفيدين من العولمة يسعون الى طمس هذه الهويات والخصوصيات. ان قسماً من الحاجات البشرية ثابت وقسماً اخر يحدد ويتغير وفقاً للظروف الاجتماعية والثقافية السائدة وللرؤى القومية والانسانية ووفقاً لنتائج التفاعل بين البشر والظروف السائدة المتغيرة. وبالتالي فإن الموقف الذي يتخذه افراد شعب حيال السمات العالمية والمشتركة يحدده تغير قسم من الحاجات البشرية وتحدده الخصوصيات والهويات نفسها التي يتغير قسم منها تبعاً للسمات العالمية والحاجات البشرية المتغيرة. ولابد من ان يكون ما يؤيده ويقبله افراد شعب من الشعوب مزيجاً من الخصوصيات والهويات الخاصة والسمات العالمية والمواقف التي تفرضها الحاجات البشرية الثابتة والمتغيرة. ويتوقف حجم كل مكون من هذا المزيج على نتيجة التفاعل الحاصل بين كل هذه العوامل. وتشهد الساحة العالمية انتشار العولمة التي هي نتيجة ثورة تكنولوجيا المعلومات. وتتوفر المعلومات لمن لديهم الادوات والمهارات اللازمة لاستخدام تكنولوجيات المعلومات الحديثة. العولمة تفتح الاسواق لمن لديهم الادوات والموارد اللازمة للاستفادة منها. وهي تتيح فرصاً لرفع مستوى حياة الناس الذين تتوفر لديهم ادوات الحصول على المعلومات والذين لديهم المهارة في استعمالها. ويوجد من تتوفر لديهم هذه الادوات والمهارات ويوجد من لا تتوفر لديهم هذه الادوات والمهارات. وبالتالي يوجد من يستطيع الاستفادة من العولمة ومن لا يستطيع الاستفادة منها. وتزداد الفجوة اتساعاً من الناحية المالية بين من يستطيعون ومن لا يستطيعون الاستفادة منها. وتتجلى هذه الفجوة في اختلاف مدى التأثير الذي تمارسه الجهات الفاعلة على الساحة الدولية. والواقع ان عولمة الاقتصاد والتجارة تنافس الحكومات على الساحة الداخلية والوطنية وتمس باداء الحكومات لمسئولياتها السياسية وتنال من سلطات تلك الحكومات ومن تنفيذها لسياساتها، وذلك لأن قوى العولمة اكبر في حالات كثيرة من قوة الحكومات على التصدي لها ولآثارها. واذ يقل اثر الحكومات حيال ديناميكية العولمة ينشأ فراغ سياسي في كثير من القطاعات والبلدان. ـ استاد الدراسات الشرق اوسطية الولايات المتحدة