على غرار الرواية الشهيرة بعنوان «من يخاف فرجينيا وولف» كتب مثقف من أصل ألماني هو (جوزيف جوف) دراسة نشرها في أحدث أعداد مجلة «ناشونال انترست» الأمريكية (عدد صيف 2001 الحالي) فاستعاد عنوان الرواية متسائلا بدوره: (من يخاف السيد الكبير) وبعيدا عن هذه الترجمة الحرفية فإن المعنى يستقيم حين نتساءل من وحي هذا العنوان قائلين: - من يخاف الفِتوة.. أو القبضاي أو القطب الأوحد الذي يحاول الهيمنة أو السيطرة على مقاليد العالم؟ والمقال.. يحلل بالطبع ما آل اليه موقع أمريكا وموقفها بعد زوال منافسها العنيد الذي كان ـ الاتحاد السوفييتي ـ وبالتالي بعد أن وضعت حربها (الباردة) كل أوزارها في عقد التسعينيات الماضي. واذا كنا قد أشرنا ـ في الجزء الأول من هذا المبحث ـ الى إمعان ادارة الرئيس بوش ـ الابن الحالية في محاولة الامساك بخيوط هذا الدور المنفرد مما يهدد بعزلة أمريكا عن بقية العالم ـ فإن (جوف) الذي أشرنا اليه وهو باحث في مركز جامعة هارفارد للدراسات الاستراتيجية يقف بنا بذكاء عند ملمح رصده في اطار متغيرات السياسة الأمريكية في المرحلة الراهنة. ان الرصد يبدأ بمرحلة الحرب الباردة وخاصة عند بداية (اندلاعها) في النصف الثاني من عقد الأربعينيات مع انتهاء الحرب الكونية الثانية وقتها كانت الدبلوماسية الأمريكية في عنفوان قوتها أو في أوج ذكائها من حيث النظرية أو التطبيق لهذا عمد سدنتها في تلك المرحلة الباكرة فترجموا شعار الخير المشترك للبشرية الى مؤسسات تجسد في الظاهر هذا الخير وتعد في العلن بالتعاون والتضافر والشراكة في الجهود من أجل تحقيق هذا الخير الجامع للناس ـ ولكنها كانت في الباطن أو فلنقل في الجوهر والحقيقة مؤسسات تصب في نهاية المطاف في صالح أمريكا بوصفها قوة عاتية خرجت من أتون الحرب العالمية دون أن يلحقها دمار أو انكسار مثل المانيا أو دون أن تكسف شموسها وتؤذن هذه الشموس الى مغيب ومحاق مثل الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية، وطبعا دون جراحات هيكلية وخسائر فادحة لحقت ببناها الأساسية ومرافقها الانتاجية مثل الاتحاد السوفييتي في أواخر حقبته الستالينية. عن العبقرية الدبلوماسية في هذا السياق بالذات يقول الباحث القادم من جامعة هارفارد: ـ تجسدت عبقرية الدبلوماسية الأمريكية في القرن العشرين في بناء مؤسسات كبرى ما بين الأمم المتحدة الى صندوق النقد الدولي وما بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) حتى (استجد مؤخرا) من اقامة منظمة التجارة العالمية التي تعد بالأساس توسيعا لمؤسسة (الجات) الجات اسمه حسب مصطلحات الأمم المتحدة هو: الاتفاق العام للتعرفات الجمركية والتجارة. المهم أن هذه المؤسسات وغيرها جاءت مكلفة بالعمل على تحقيق الخير العام للبشرية وقد ساندت القوة الأمريكية (البازغة والمتطلعة) وأضفت عليها طابع التعددية وبفضلها تحققت المصالح الأمريكية من خلال تحقيق مصالح أطراف أخرى. صندوق النقد ومصالح أمريكا وفي معرض تعليقنا على ما يذهب اليه الباحث الهارفاردي قد نلاحظ من جانبنا أن هذا هو بالضبط حال منظومة البنك ـ صندوق النقد الدولي ومعهما المؤسسة المالية الدولية حيث الصندوق بالذات يشكل في رأينا أكبر معمل تفريخ ـ أن أجزت التعبير للوصفات الاقتصادية ذات الطابع السياسي أصلا المطلوب تطبيقها بالاغواء حينا والفرض والقسر أحيانا على مستوى اقتصادات العالم وبما يحقق في التحليل الأخير مصالح الولايات المتحدة أو مصالح من ترضى عنهم من حلفائها في أقل القليل. وليس ببعيد من ناحية أخرى تلك المقولات التي ترددت عن تحويل منظمة الأمم المتحدة لتصبح كما قال الكثيرون عربا وغير عرب ادارة تابعة لوزارة خارجية الولايات المتحدة.. يشهد بهذا مثلا ما أصبح يشكو منه الكثيرون من تحويل مجلس الأمن الى اداة لصالح السياسة القومية الأمريكية ويشهد به السلوك التصويتي لواشنطن ازاء جميع، نعم جميع ما أصبح الأن مطروحا على بساط البحث الدولي من معاهدات واتفاقات والمفروض أنها تتوخى في مجملها هدف تحقيق الخير المشترك للبشرية جمعاء، وفي مقدمة هذه الصكوك الدولية ما يلي: 1 ـ معاهدة تغيير المناخ (كيوتو). 2 ـ معاهدة حظر الاتجار أو النقل غير المشروع للأسلحة الصغيرة. 3 ـ معاهدة حظر (أو تقنين) الأسلحة البيولوجية. 4 ـ معاهدة حظر الصواريخ الباليستية (الذاتية التوجيه أو العابرة للقارات أو ذات الطابع الاستراتيجي) وما يرتبط بذلك من اعلان ادارة واشنطن المستجدة في البيت الأبيض أنها بسبيل انشاء درع الصواريخ الدفاعية في اطار ما كان يعرف باسم حرب الكواكب. إن جوزيف جون يقول ان مشكلة هذه المؤسسات التي أبدعت الدبلوماسية الأمريكية انشاءها منذ أكثر من نصف قرن ـ أنها أقيمت في حقبة الحرب الباردة وأنها بذلك تنتمي الى آليات وأوضاع تلك الحقبة عندما كان من مصلحة أمريكا بشكل واضح أن تتحمل أعباء تسيير تلك المؤسسات وتوقع عن طيب خاطر الشيكات المطلوبة من أجل تلك الأعباء. بعد تغير الأوضاع لكن ها هو الوضع ـ يا مولانا ـ يتغير مثل كل شئ ومثل كل وضع. أو على حد قول الباحث المذكور بالحرف الواحد: الآن أصبح واضحا أن أمريكا لم تعد راغبة في توظيف موارد في تلك المؤسسات (الدولية وما في حكمها) إلا بقدر ما تستطيع أمريكا أن تجنيه من وراء تلك المنظمات والذي حدث بالنسبة للمنظمات يحدث الآن بالنسبة للاتفاقيات والمعاهدات. وفي هذا المضمار يقول كاتب أمريكي كبير هو أنتوني لويس (نيويورك تايمز، 21 يوليو 2001): إن هذه الكراهية (من جانب ادارة بوش) للمعاهدات تعكس موقفا بأن أمريكا حرة في أن تفعل بالعالم ما تشاء وتهوى.. وها هم جماعة بوش وقد وصلوا بالموقف الى الحد الذي يكاد يجسد مقولة أنا من أجل نفسي.. وكل شئ من أجلي أنا.. ولك أن تسمي هذا ـ يضيف انتوني لويس ـ نزعة انفرادية أو تسميها تصرفاً من جانب واحد.. ولكنها في كل حال نزعة تشكل انعطافة حادة عن المنطلق الذي كنا نصدر عنه دوما بعد الحرب العالمية وهو أن المعاهدات ـ اذا ما تم التفاوض عليها بحكمة واتزان ـ إنما تعزز أمننا في نهاية المطاف. صوت من انجلترا على الجانب الآخر من الأطلسي، يلاحظ الكاتب الانجليزي ـ جيوفري وييتكروفت (ظاهرة الاتساع المتزايد في الهوة الفاصلة بين أمريكا وأوروبا الغربية بالنسبة للكثير من قضايا السياسة الاقليمية والدولية ولكنه ينبه ـ وربما ينبهنا نحن العرب بالذات أن كنا ننتبه لما يدور حولنا ـ الى أن ثمة ثغرة خلاف فاصلة ولكنها لا تحظى برصد المراقبين والمحللين السياسيين بين أوروبا وأمريكا حول موقف كل منهما ودور كل منهما ازاء قضية الشرق الأوسط. الكاتب الانجليزي ـ معروف باهتمامه الخاص بقضايا اسرائيل واليهود وله 3 كتب مهمة صادرة في هذا الخصوص.. ولكنه يرصد ذلك الميل الأمريكي الى عدم التعاطي الجاد مع قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي (ونحن نرى في ذلك إحدى ثمار نزعة العزلة أو الانفرادية أو غرور القطب الواحد من جانب واشنطن) ومن ثم فهو يدعو أوروبا الى أن تكثف بل تضاعف جهودها كي تضطلع بدور أهم وأكثر فعالية في اطار الصراع بين العرب ـ الفلسطينيين وبين الصهيونية ـ اسرائيل. يقول الكاتب الانجليزي: لاشك أن النفوذ الأمريكي في حال من التضاؤل في كل أنحاء الشرق الأوسط وبشكل ملحوظ.. ولطالما حاولت واشنطن أن تمارس في اطار هذا الدور شتى الحيل التي يمكن أن تبهر المشاهدين أو يخدعهم ومن ذلك مثلا أن تؤيد اسرائيل بكل قوة فيما تبذل قصارها لمصادقة الدول العربية ولعب دور السمسار ـ الوسيط الأمين ـ لا عجب أن رفض العرب أخيرا فكرة أن أمريكا ما زالت وسيطا نزيها يعطي لكل ذي حق حقه بالعدل والقسطاس. وربما يرجع الأمر الى أن علاقة اسرائيل (الحميمة) مع أمريكا قد ترتبت عليها عواقب سلبية بالنسبة لاسرائيل وقد يكون من خير اسرائيل أن تتفاوض مع الفلسطينيين عن طريق وسيط بديل يمكن اعتباره بحق وسيطا محايدا. وفي ضوء ما سبق يرشح الكاتب الانجليزي الاتحاد الأوروبي كي يضطلع بهذا الدور البديل أو الجديد في الشرق الأوسط.. ويضيف قائلا: لقد كان هنري كيسنجر يقول دائما: سوف آخذ أوروبا على محمل الجد عندما يكون لها رقم هاتف يمكن الاتصال به وقت نشوب أزمة. يعلق الكاتب الانجليزي فيقول: وربما تكون المعارك المريرة والمطولة التي ما زالت تدور في الأرض المقدسة هي الفرصة التي تزود أوروبا (في ضوء عزلة أمريكا) برقم هاتفي يمكن طلبه بالمجان وفي أي لحظة. العزلة.. التحدي.. الاستفزاز إن سلوك العزلة أو هو نزعة الانفراد التي تجمع في ادارة الرئيس بوش الراهنة بين التحدي والاستفزاز باتت تشكل سلوكا سياسيا خطيرا.. بمقاييس العصر الذي نعيش فيه. وفيما يتنادى أهل التنظير والبحث الأكاديمي في الولايات المتحدة الى دعوات العولمة وما ينطوي عليها من ضرورات تعزيز وشائج الترابط أو التكافل أو التآزر (ما يعرف في مصطلحات علم السياسة المعاصر باسم الاعتماد المتبادل). اذ بهذا السلوك الانفرادي الذي يصدر عن الاحساس بتفوق القوة أو بغرور القوة إن شئت الدقة - هذا السلوك كما يؤكد أنتوني لويس إنما يبعث برسالة غاية في الخطورة من واشنطن الى العالم الذي تعيش فيه. لويس الذي نعده، ويعدونه من حكماء الصحافة والسياسة في الولايات المتحدة وهو أيضا معروف بآرائه المتزنة والمتوازنة ازاء شتى القضايا ومنها قضايا العرب والأقليات وصراع الشرق الأوسط - كتب في نفس الموضوع - على التوالي مقالة مهمة «نيويورك تايمز» 28 يوليو 2001 اختار أن يكون محورها على الشكل التالي: أمريكا ما برحت تعزل نفسها عن القضايا العالمية. وفي صدر المقال يسترجع لويس تصرف رئيس جمهوري أسبق هو ريتشارد نيكسون الذي أدان في عام 1969 استخدام الأسلحة البيولوجية في سلوك وصفه الكاتب الأمريكي بأنه عمل مستنير يتوخى المصلحة الوطنية على أساس أن نيكسون كان يفهم ـ وبحق ـ أن لا ثروة أمريكا ولا قوتها الجبارة يمكن أن تحمي سكانها من أسلحة زهيدة الثمن مهلكة المفعول ومن ثم قاد نيكسون المسيرة الى حيث توقيع اتفاقية 1972 بحظر انتاج وتطوير وامتلاك الأسلحة البيولوجية. في أواخر يوليو كانت الجهود العالمية متواصلة في جنيف للتصديق على البروتوكول المنتظر الذي يضع تلك المعاهدة موضع التنفيذ. وقد فاجأت أمريكا العالم بأن رفضت نص البروتوكول ـ تماما كما فعلت قبلها بأيام بالنسبة لاتفاقية حظر الاتجار بالأسلحة الصغيرة وهي مناط معظم الشرور في الحروب الأهلية بأفريقيا وغيرها ـ وبذلك ـ يقول الكاتب أنتوني لويس ـ عمد الرئيس بوش الابن بجرة قلم الى محو 8 سنوات من جهود التفاوض والصياغة من أجل وضع معاهدة الأسلحة البيولوجية موضع التنفيذ. أما الرسالة الخطيرة التي يحذر منها أنتوني لويس فيقول عنها ما يلي: معناها أنه لا يزال هناك قوم داخل وزارة الدفاع الأمريكية يعتنقون (ويطبقون) أفكاراً بشأن الحرب البيولوجية وأسلحتها ولن يؤدي هذا سوى الى تشجيع أطراف أخرى على المزيد من التفكير والتنفيذ بشأن استحداث الجديد والمزيد من الأسلحة البيولوجية. فتش عن المصالح وما يعنينا في مضمار التحليل السياسي في هذا السياق هو النظر الأعمق الى حيث المصالح الاقتصادية والمنافع المليارية التي يصدر عنها مثل هذا السلوك ومرة أخرى فأنتوني لويس يشير الى أن رفض الادارة الأمريكية بروتوكول الأسلحة البيولوجية تكمن وراءه مصالح شركات العقاقير والمواد الكيماوية ومن يتحالف معها من مسئولي وزارة الدفاع في الولايات المتحدة، تماما كما أن رفض اتفاقية حظر الأسلحة الصغيرة كان وراءه مصالح صانعي تلك النوعيات من الأسلحة الخفيفة (هل السلاح الخفيف لا يقتل البشر؟) وتمثل مصالحهم وتنطق باسمهم ـ كما ألمحنا في حديث سبق ـ جمعية البندقية الأمريكية ذات النفوذ الواسع في دوائر الكابيتول ـ الحكومة والكونجرس على السواء. والذي يسترعي نظر المراقب المحايد من أمثالنا أن كثيرا من المحللين الأمريكيين يناشدون الرئيس بوش الابن أن يتعلم من حكمة الرئيس بوش الأب: هكذا قالت «نيويورك تايمز» في افتتاحيتها المنشورة بتاريخ 24 يوليو 2001 حين قالت ان الأب التزم في أول مؤتمر معقود بشأن البيئة في ريو البرازيلية بالمشاركة في جهود العالم من أجل خفض الانبعاثات والغازات التي تؤدي الى تساخن الكوكب الذي نعيش فيه. ـ وهكذا انتقد أنتوني لويس السياسة الحالية باعتبار الصين عدوا محتملا لأمريكا مشيرا الى أن مثل هذه السياسة لا ترضي الرئيس بوش الأب. ـ إن لويس يعزو هذه السلبيات في السياسة الأمريكية الراهنة الى غياب الرؤية ـ البصيرة ـ التي تنفذ الى جوهر الأمور.. وهو يختم آخر مقالاته التي نحيل اليها بعبارات من الكتاب المقدس تقول ما معناه. ـ حين تغيب الرؤية.. يهلك الإنسان ـ كاتب سياسي مصري