عندما اقتربت إقامتى في الولايات المتحدة الأمريكية من نهايتها، كان أهم ما يشغل ذهني هو كيفية نقل الكتب الكثيرة التي اشتريتها طوال أشهر الإقامة. وكالعادة، فاجأني الحجم الضخم للكتب وأعدادها الرهيبة التي ظلت تتراكم، والتي ظلت تتزايد كلما دخلت مكتبة من المكتبات، ولا أذكر أنني عرجت على إحدى المكتبات إلا وخرجت بكمية كبيرة من الكتب، أحملها فرحاً، ولا أبالي بثقلها وأنا في طريقي للعودة إلى المنزل. وكان أصدقائي الأمريكان يستغربون مما أفعل، ويسألونني عن سبب هذا الجنون الذي أعانيه، وكنت أحدثهم أولا عن عشقي الذي لم ينقطع للكتب، والذي يبدو أنه لم يتناقص مع اقترابي من الستين، بل تزايد ربما نتيجة تزايد القدرة على الشراء. وكنت أحدث هؤلاء الأصدقاء الحميمين بالطبع عن فقر مكتباتنا العامة بالقياس إلى مكتباتهم، وأقول: إن مكتبات جامعة هارفارد على سبيل المثال تضم أكثر من خمسة عشر مليون عنوان، وإننا إذا أضفنا إليها كيمبردج الصغيرة وحدها، تضاعفت الملايين مرات ومرات، ووصل حجمها إلى ما يماثل حجم سكان مصر كثيفة السكان. وكنت أقول إن عدد السكان يتناسب تناسبا عكسيا في الأوطان العربية مع أعداد الكتب، وأنه كلما ارتفع عدد السكان تقلص عدد الكتب، وكانت النسبة مخجلة إلى أبعد حد. أما عن مكتبة جامعة القاهرة فربما كان لا بأس بها في الكتب القديمة، لكن مصادر المعرفة المعاصرة، وآفاق المعرفة المتجددة غير موجودة، ولذلك فلابد لكل استاذ في جامعة مثل هذه الجامعة أن تكون له مكتبته المتخصصة، خصوصا إذا كان يشتغل في فروع معرفية متجددة، والنقد الأدبي الذي تخصصت فيه لا يرحم المشتغلين به، فكل يوم يخرج علينا بالجديد من الكتب والإصدارات، وتياراته المتغيرة متلاحقة في تسارع إيقاعها. وكان بعض الأصدقاء لا يقتنع بذلك، ويقول: حتى لو كانت مكتبات جامعاتكم فقيرة، وكان شراء الكتب الجديدة ضرورة، فلماذا تثقل على نفسك، وتحمل معك مئات الكيلوات من الولايات المتحدة. يكفي أن تجلس إلى مكتبك في القاهرة، وتفتح جهاز الكمبيوتر الخاص بك على شركات بيع الكتب العالمية، من مثل شركة الأمازون، وتطلب منها كل ما تشاء من كتب، بل تسأل موقعها أو موقع غيرها عن كل ما تشاء من كتب، وتضغط على بعض الأزرار، بعد أن تدخل الأرقام السرية للماستر كارد الخاص بك أو الفيزا كارد، وسوف تصلك الكتب التي تشتهيها إلى منزلك بواسطة البريد، أما أن تترك نفسك فريسة للجنون الخاص بإقتناء الكتب الجديدة في المجالات المعرفية التي تحبها، وما أكثرها، فإن هذا نوع من الجنون الذي لم يعد مقبولا في زمن الإنترنت وتحول العالم إلى قرية كونية صغيرة وأذكر واحدا من هؤلاء الأصدقاء جرؤ على أن يقول لي ضاحكا: أنت تذكرني بمن يصر على الارتحال بالجمل عبر القارات. وكنت أكظم غيظي من سخرية الأصدقاء، وأتجاهل هذه السخرية في الحالات التي لم أكن أفلح في الاقناع. وكنت أحدثهم عن أن الدخول إلى دكاكين الكتب، وتصفح الكتب نفسها ورقة ورقة بعد تأمل الفهرست، والتوقف عند صفحات بعينها، والتمهل في التصفح واختبار مادة الكتاب، ونسيان النفس والوقت أثناء هذه العملية، متعة غامرة لايمكن أن يتيحها الإنترنت، وأن الكتاب يفقد حضوره الحي عندما يختفي من أمام العين، ويغيب عن لمسات الأصابع، بل عن مدى الإدراك الشمي للأنف، ويتحول إلى مجرد معلومة مختزلة أمام العين على شاشة جهاز بارد، تستدعي كل ما فيه بحركة أصابع على أزرار. وكنت أحاول وصف فرحتي بلقاء الكتاب الجديد ولهفتي عليه لو جمع ـ إلى إثارة عنوانه ـ غواية موضوعات فصوله، وغواية المطالعة الخاطفة لفقرة في هذه الصفحة أو تلك، والمرء واقف بين صفوف الكتب للذين أرهقهم الوقوف. وكنت أصف لهم متعتي وأنا أحمل صفا من الكتب بين يدي في مكتبات البيع الكبيرة وأمضي فرحا بما أحمل إلى الركن المخصص للقهوة واحتساء المشروبات، وأجلس إلى قهوة ساخنة أرتشفها في أيام البرد، بينما أقلب صفحات الكتب التي أحملها، وأنتقي منها في النهاية ما تعمقت أواصر الصداقة السريعة بيني وبينه. ولكن ما أقل ما كنت أجد من يتعاطف معي في ذلك كله ولاتزال ترن في أذني الجمل الساخرة التي تأتي على سبيل التعليق من بعض هؤلاء الذين اصابتهم دروشة التكنولوجيا الإتصالية والغرام بإمكانات الإنترنت. ولا أزال أذكر الوقت التي ظللت أفند فيه فكرة أن يعتمد المرء على مكتبة الكترونية، وأن إنسان الزمن القادم لم يعد في حاجة إلى مكتبة خاصة تحتل حجرات من البيت، وأنه يستطيع أن يطلب من أي شركة نشر الكترونية أن تعد له موقعا خاصا به، يضم كل الكتب التي يريدها، والتي لايمكن أن يطالعها معه غيره. وكنت أحدث دراويش الإنترنت، ولاأزال عن فتنة الكتاب المطبوع، وأن هذه الفتنة ستظل قائمة، ولن تختفي، وأن حمل الكتاب الجديد في اليد يشبه لعشاق الكتب المهوسين بها حمل وليد جديد. ولذلك أصممت سمعى عن الاستجابة إلى الساخرين، ومضيت في عاداتي التي يصعب مفارقتها، وظللت أشتري الكتب، وأفرح بها، إلى أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة كما يقولون، وصار التفكير في وسيلة النقل والشحن أمرا ضروريا. وبعد تفكير لم يطل، قلت لنفسي: أقسم الكتب إلى قسمين: قسم أرسله بواسطة البريد البحري وهو رخيص الثمن،واجعل هذا القسم هو القسم الأكبر، وأحمل ما يصعب عليك أن تفارقه من الكتب القليلة معك في الطائرة. وجلست يوما كاملا أقوم بقسمة الكتب، مقررا منذ البداية أن لا أحمل معي في حقائبي إلا عددا معدودا من الكتب. وكنت أحسب الأمر سهلا، ولكن سرعان ما اكتشفت صعوبته فما أكثر الكتب التي أريد حملها معي. وكانت النتيجة سبع كراتين أرسلتها بالبريد البحري. وعدد خمس حقائب لم يكن فيها سوى الكتب التي صعب علي إرسالها بالبريد البحري. وجاء يوم السفر وما أصعبه، وكان معي صديقي بيل جرانارا وأيمن السيد وسنان أنطون، وظللنا ننقل الحقائب من الدور الرابع إلى الشارع، ومضينا منهكين إلى المطار وبحثنا عن حمال يقبل أن يساعدنا في حمل أثقال الكتب، وما أكثر ما سمعنا من شتائم الحمالين، إلى أن أفلحنا في إقناع اثنين منهم بأننا سنعطيهم أجرا استثنائيا تماما. ووصلنا إلى مكان وزن الحقائب ، وكانت موظفة شركة الطيران البريطانية إنجليزية باردة، ومع ذلك لم تتردد في إظهار دهشتها من كثر عدد الحقائب، ورفضت أن تقبل أي حقيبة بعد أن حاولت حمل الحقيبة الأولى، وكانت لسوء الحظ أثقل الحقائب وزنا. واستعادت نبرة سكان المستعمرات القديمة، وقالت في نبرة لا راد لها: لن أقبل حقيبة تزن أكثر من مئة رطل. وكان هذا يعني رفض الحقيبة الأولى. ولحسن الحظ، كانت الثانية مئة بالتمام والكمال، والثالثة والرابعة في الحدود نفسها، أما حقائب الملابس فكان أمرها هينا، وبقيت الحقيبة التي جاوزت الوزن، وحاولت الاستعانة بكل وسائل الاقناع، لكن بلا فائدة. وكان لابد من إخراج مجموعة من الكتب لإنقاص وزن الحقيبة. وقمت بذلك صاغرا والعرق يتصبب على وجهي من الحرج والإرهاق معا، فقد كانت عشرات الأعين تنظر إلى ذلك المجنون الذي يحمل هذه الكتب في حقائبه، وكانت العيون من حولي كأنها تتهمني بأنني أعيش في مطلع القرن الواحد والعشرين. وأخيرا جاء دور العقاب المالي بدفع ثمن الوزن الزائد، والحمد لله أنقذني الماستركارد، لكني دفعت ما لم أدفعه من قبل في وزن زائد، وما لا أظن أنني سوف أدفعه بعد ذلك. ولم يعلق صديقي جرانارا إلا بجملة واحدة بالإنجليزية ترجمتها: لابد أن ندفع لكي نتعلم. وسكت حتى لا يغضبني. أما أنا فقد تنفست الصعداء، وودعت الأصدقاء الذين كانت أعينهم تقول لي: ألم نقل لك ؟ وتركت معهم بعض الكتب التي لم تتسع لها حقيبة اليد التي أحملها معي في الطائرة، والتي أصبحت ثقيلة لدرجة رهيبة. ومضيت إلى الطائرة، وجلست إلى مقعدي والتقطت أنفاسي، ومسحت عرقي الغزير الذي تدافع من كل خلايا جسدي، وتنهدت مستريحا، وقلت لنفسي: الحمد لله. ولم أشغل نفسي بمطار القاهرة، فالأمر فيه يسير، والأصدقاء والأهل ينتظرون، ولا يشغل أحد باله بمجنون يحمل حقائب كتب، خصوصا أن الكثيرين يعرفونه مبتليا بحرفة الكتابة. ولكنني لم أملك سوى استرجاع نظرات الأعين المودعة التي قالت دون كلام: ألم نقل لك ؟! هل كان الأمر يستحق هذا العذاب والحرج ؟! ألم يكن من الأفضل إرسال الكتب بالبريد، أو حتى الشحن التجاري؟! ولماذا لا تدخل القرن الحادي والعشرين أيها المنتسب إلى النصف الأول من القرن العشرين؟! ومتى تكف عن عنادك وتدخل دنيا الإنترنت وتطلب الكتب عن طريقه ؟! وشيئا فشيئا انداحت الأسئلة مع بداية الرحلة، والإنتقال إلى العالم الخاص بالطائرة، وبداية فيلم مثير للإنتباه. لكن لهفتي على الكتب ظلت قائمة إلى أن وصلت إلى القاهرة، ورأيت الحقائب مصفوفة في حجرة مكتبي وفتحتها بعد أن أكملت واجب السلام والتحية، وأخذت أتأمل ألوانها وأنا أشعر بسعادة غامرة، نسيت معها كل شيء بما في ذلك الحرج والعرق وكل ما تكلفته من مال للوزن المفرط في الزيادة لأثقال الكتب.