فجّر الطبيب والباحث الايطالي سوفيرينو انطونيوري (65 عاماً) قنبلة ملغومة بإعلانه عن بدء تجاربه المعملية للاستنساخ البشري، والاعداد لاستقبال أول طفل مستنسخ على غرار النعجة «دوللي» العام المقبل. ولم يعبأ الطبيب الايطالي الملقب بـ «الساحر» أو «المعجزة» بالاعتراضات التي هبت في وجه محاولات نقل آليات الاستنساخ من المجال النباتي والحيواني إلى دائرة البشر، ولم يهتز له جفن أمام المخاوف من تداعيات الاستنساخ، وما تجلبه من مخاطر أخلاقية ودينية وتمسك بأهمية بحوثه وما ستقدمه من آمال لنحو 75 مليون إنسان محرومين من نعمة «الأبوة»، غير عابئ بخطورة التلاعب بالجينات، وما ستفرزه من مشاكل أخلاقية، وبما ستقوده في نظر البعض إلى انهيار الحضارة البشرية بوجه عام، عندما تصل تقنيات الاستنساخ إلى مستوى يتم توجيهها وفقاً لبوصلة عنصرية، وإحياء أسطورة الـ «سوبر مان» أو الانسان الأقوى الذي يقود العالم وفقاً لمقولات فلاسفة العنصرية. ولم أستغرب ان يدافع الطبيب الايطالي عن تجربته لاستنساخ أول طفل، يولد، عن غير الطريق الطبيعي للتكاثر البشري وإنجاب الأطفال، في تحد لثوابت الأديان، رغم ان مؤتمره الصحفي عقد على مسافة قصيرة من المقر البابوي للفاتيكان. فمن جهة ربما يظهر علم الانساب، أن للطبيب سوفيرينو صلة بالفيلسوف الألماني «نيتشه» الذي استقر في ايطاليا وكتب مؤلفه الرئيسي «هكذا تكلم زراديشت» متضمناً الأساس الفلسفي لنظرية الـ «سوبرمان». ومن جهة ثانية ، يفتخر ويتباهى سوفيرينو بأنه سليل المفكرين العظام والأبطال الذين غيروا التاريخ، الايطالي جاليليو أول من تحدى الاكليروس المسيحي وجاهر بنظرية دوران الأرض حول الشمس، والثاني نابليون القائد العسكري للثورة الفرنسية. ويرى سوفيرينو نفسه سليلاً لهؤلاء اعتماداً على بحوثه وأعماله في مركزه للخصوبة طيلة الخمسة عشر عاماً الأخيرة، ويعتقد ان دوره التاريخي يكمن في تحطيم الحواجز والمحرمات الأخلاقية والدينية، وهنا يكمن اللغز، ولا يكشفه سوى ان تعلم ان سوفيرينو يرأس الجمعية الأمريكية الاسرائيلية الايطالية للاستنساخ البشري، ويقود حملة لتلقي التبرعات لدعمها. ومعروف عن ساحر الاستنساخ عدوانيته تجاه الصحفيين ومراسلي وكالات الأنباء، وكأنه في حرب دائمة مع الرأي العام الدولي، بسبب تصريحاته التي يؤكد فيها عبقريته، وان التاريخ يصنعه الخارجون على المألوف، وهي كلمة حق يراد بها باطل. غايته، ان عملية الاستنساخ وولادة أول طفل بشري بدون الطريقة الطبيعية للانجاب، لو تمت ستكون انقلاباً شاملاً، يضع نقطة فاصلة بين مسار حضارتنا الانسانية قبلها وبعدها. ومن السهل ان نطلق أحكاماً سريعة بالإدانة والرفض والتحريم، والأسهل مجاراة اغراء الاستنساخ، وندخل في أوهام وتخاريف «العلم» ونرسم صوراً لعوالم جديدة مصنوعة على «المقاس» ونعيد إنتاج أو استنساخ الأبطال والصعاليك والمهرجين والملوك والمجرمين، والارهابيين حسب الطلب! لكن العقدة أو المشكلة ليست بهذه البساطة، ونحن مدعوون للتفكير بعمق قبل ان نقول كلمتنا في الاستنساخ. وهل هو: كارثة أم معجزة؟ وهل ما سيفعله الايطالي سوفيرينو ساحر الاستنساخ سيقوده إلى تكرار مأساة «فاوست» المتحالف مع الشيطان أم لا؟