تتجدد التساؤلات حول مدى قدرة الانتفاضة الفلسطينية على الاستمرار في ظل حرب الصواريخ والاغتيالات التي تقوم بها الحكومة الاسرائيلية محاولة ايجاد واقع الاستسلام ضمن الانتفاضة، ومع هذا المشهد البسيط مبدئيا فإن حكومة شارون تحاول الآن ان تلعب على ثلاثة محاور اولها: القضاء على الانتفاضة، وثانيها: حماية المستوطنات، وثالثها: الخروج من هذه المعركة وفي تعبير ادق المجزرة، دون خسائر عالمية على مستوى الرأي العام وأفكار الحكومات الأوروبية والأمريكية خاصة بعد فتح ملف شارون كمجرم حرب عالمي. ولكن المشكلة في هذه المحاور الثلاثة انها متداخلة بحيث يصعب فصلها عن بعضها من وجهة النظر الاسرائيلية وهذا التلازم في التداخل يجعل الانتفاضة الفلسطينية تقف وقفة اشد مما كانت عليه رغم الدم الفلسطيني الذي يهدر يوميا نتيجة القصف الصاروخي الصهيوني وحرب الاغتيالات الشارونية، لذلك فإن خيارات الانتفاضة الفلسطينية تتداخل ايضا في محاور ثلاثة اولها الاستمرار والتصعيد وهذا مرتبط باستمرار الوحدة الوطنية التي خشي عليها بعد موافقة السلطة على تقرير ميتشيل ومطالبة السلطة الفلسطينية بالتهدئة وهي التي تعرف سلفا انها تطلب المستحيل من فصائل الانتفاضة بكل اتجاهاتها ومن الجماهير التي ادركت انه لم يبق شيء لتفقده بعد اخفاقات العملية التفاوضية. اما المحور الثاني: وهو الخيار الذي بدأت بعض الاوساط تتناقله ليس داخل الارض المحتلة او المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية اي ما يعرف بالمنطقة «أ» بل خارج هذه الارض حيث ظهر بشكل واسع ضمن بعض الاوساط الثقافية العربية وهي ترى لابسة ثوب الرأفة بالفلسطينيين، ان الانتفاضة يجب ان تتوقف لكي يتوقف الدم الفلسطيني، حيث يعتبرون ان الحجر وبعض الاسلحة الخفيفة قد تجبر اسرائيل على حرب شاملة قد تطال الوطن العربي بأكمله، ولن نناقش ما الذي يقصده اولئك الدعاة بل يجب ان يسمعوا بكل بساطة كيف يشيع الفلسطينيون شهداءهم وهم يهتفون «بالروح» بالدم نفديك يا شهيد ويجب عليهم ان يسمعوا زغردة النساء عندما يقدمن أبناءهن شهداء للوطن ليس حبا بلذة الألم بل لكي لا يبقوا في الألم ويورثوه لأحفادهم. تمادي شارون والمحور الثالث: هو خيار في الواقع قد رفضته الانتفاضة وترفضه بشكل يومي، ولكن اذا ما حصل ان توقفت الانتفاضة وسلمت امرها لاسرائيل وعادت المفاوضات، فهل يعقل ان تعطي اسرائيل ايا من الحقوق الفلسطينية، والمفاوضات كانت تطالب بالحد الادنى من هذه الحقوق؟! الواقع ان خيار العودة الى المفاوضات مع وقف الانتفاضة اصبح خيارا يكسر كل الآمال ليس الفلسطينية بل العربية لأن الكيان العربي بمجمله مهدد من اسرائيل قبل غيرها، لذلك فإن خيار الاستمرار بالانتفاضة هو خيار للشرف العربي ومحاولة شارون كسر شوكة الانتفاضة هو محاولة لكسر وتشتيت ليس الحكومات العربية فقط بل الشعوب العربية بمجملها. اذن عملية التصعيد الاسرائيلي لم تبدأ كما تدعي ضد نشطاء الانتفاضة بل طالت الصواريخ الطفل الفلسطيني وتجاوزت نظام (الاغتيالات الهادئة) كما اسمتها الحكومة الاسرائيلية، هذه الاغتيالات التي كان مقررا لها ان تعتمد بالاساس على تفجير المنازل دون الحاجة لاستخدام المروحيات والصواريخ، ولكن شارون وأمام كل الصمت العربي يطلق صواريخه مادامت آثارها لن تصيب سوى الفلسطينيين، وهذا ما حصل من الحكومة الاسرائيلية عشية انتهاء قمة عمان وتوبع في اجتماع لجنة المقاطعة العربية ليرد شارون على هذا الاجتماع بجحيم طائرات الاباتشي مرة اخرى ليسقط عشرات الشهداء وتنتهك حرمة المسجد الاقصى مرة اخرى من قبل متطرفي الهيكل الثالث. شارون الآن اختار خطته التي يطلق عليها بالعبرية «يورانيم» وتعني بالعربية «يوم الجحيم» ولأسباب استعجاله بهذه الخطة مبررات على مستويات ثلاثة داخلية وعربية وفلسطينية. فالمبررات الداخلية ان الانتفاضة اثرت على حكومة شارون بعد ان اختاره الناخب الاسرائيلي كمنقذ لقلقه الدائم وهو المعروف بمجازره السابقة، اضف الى ذلك ان حالة القلق والرهاب التي يعيشها الشارع الاسرائيلي جعلته يطالب بشكل فعلي بالهجرة الخارجية من اسرائيل اضافة الى الهجرة الداخلية المتنامية من المستوطنات وبشكل عام فإن الشارع الاسرائيلي بات يطالب بتدمير الشعب الفلسطيني ولم يعد نمط الاغتيالات الهادئة مقبولا وهو النمط الذي ابتدأ به شارون قبل (يوم الجحيم) كما اسماه، وبإعلانه هذا اليوم يدرك تماما فقدانه المفاتيح الآمنة له ولحكومته وحتى لشعبه. اذن الانتفاضة في مستواها الثاني تتداخل مع تقاطع الشأن الداخلي الاسرائيلي لانها اثرت على بنيته وهددت حكومة شارون نظرا لقوة تأثيرها فأصبح عامل الزمن بالنسبة لشارون عامل بقاء في السلطة، اضافة الى انها حركت عرب فلسطين 1948 الذين ما زالوا يحاولون ضبط انفسهم رغم ان هذا الصبر سيصبح هو الاخر محاطا بمجموعة من الضغوط قد تجعل من جسد اي واحد منهم لغما متفجرا. لذلك يبدو الافلاس الحكومي الاسرائيلي محاطا من كل اتجاه وهو افلاس متناقض فرئيس الوزراء الاسرائيلي يطالب بوقف الانتفاضة كي تنفذ خطة ميتشيل وهو بالاساس لم يرض بشرط ميتشيل بل يسعى الى القفز فوق اي قرار واي رأي عام عالمي او رسمي، ورفض ارسال مراقبين دوليين، كما اوصت الدول الصناعية الثماني في اجتماعها الأخير، اما رئيس الاركان فإنه ينفذ عمليات القصف العسكرية ويقول (شاؤول موفاز): إن السلطة الفلسطينية «لا تحترم البتة وقف اطلاق النار وانها تحولت الى سلطة ارهابية»! فبأي منطق تتحدث الحكومة الاسرائيلية وهل يعقل ان تبقى اسرائيل تسخر منا ومن الرأي العام العالمي وأؤكد (الرسمي ايضا) والعرب واقفون دون ان ننكر حسرتهم على شاشات الفضائيات التي تبث صورة الدم الفلسطيني وهو يجري دون اية صورة بلاغية بل يجري حقيقة وليس كناية. خيارات الانتفاضة وامام الصورة الواضحة والمؤلمة للدم الفلسطيني وأمام الاعتزاز بشعب الانتفاضة الصامد هل يمكن ان نطالب الانتفاضة بالتوقف وكلنا يعرف ان الثورات لا يمكن ان تنتصر دون تضحية، ولكننا بالمقابل نطالب بصوت مرتفع بفعل عربي حقيقي متضامن. لقد اجتمعت لجنة المقاطعة العربية في دمشق بفريق عمل مشترك وتغيبت بعض الدول العربية عن الاجتماع لأسباب تبدو احيانا غير مبررة، مع العلم ان هذا الاجتماع جاء تنفيذا لقرار مجلس الجامعة العربية في مؤتمر القمة العربية الأخيرة. واختلف المجتمعون على المقاطعة غير المباشرة للبضائع الاسرائيلية وكان القرار بأن يشطب هذا البند حفاظا على (التضامن العربي)؟! فإذا كان العرب ما زالوا يختلفون بمقاطعة البضائع الاسرائيلية فهل باستطاعتهم ان يتفقوا على مقاطعة اسرائيل بشكل كامل؟ واذا اتفقوا هل تكفي مقاطعة اسرائيل كي يتوقف هذا العدو الصهيوني عن حربه ضد الانتفاضة؟! الواقع ان مقاطعة اسرائيل مقاطعة كاملة مفيدة بشكل كبير ولكنها غير كافية، لان مجرد التهديد بمقاطعة الولايات المتحدة الداعمة لاسرائيل وأوروبا المترددة تكفي لردع الصهيونية عن تفجير المنطقة بحرب شارونية لا ترضى بها الولايات المتحدة وترفضها اوروبا، ليس خوفا على العرب بل على مصالحهم لذلك تبدو صورة المقاطعة الحقيقية واضحة مع فهمنا للعلاقات الدولية وطبيعتها، ولكن الفهم الاكثر جدية اصبح الناتج الحقيقي عن المعادلة الجماهيرية العربية التي مازالت تنتظر ردا عربيا حقيقيا، وهي بالطبع معنية بهذا الرد وغير مغيبة عنه ان ارادت حكوماتها او لم ترد لان الشارع العربي ما زال يغلي بصمت وتتراكم على صدره الضغوطات بشدة، وهذا الاحتقان لابد ان يؤدي الى انفجار وان كان المشهد العام يصعب تفسيره وتفسير ثباته وعدم مبالاته احياناً. وبذلك تبدو خيارات الانتفاضة مرتبطة بواقعها الداخلي والعربي معا، فخيار الاستمرار هو الخيار الوحيد القائم في هذه المرحلة والمرتبط اصلا بالغليان والثورة التي يشهدها الشارع الفلسطيني ومرتبط بالوحدة الوطنية الحقيقية التي باتت مطلبا حقيقيا للانتفاضة كي تؤثر اكثر على البنية الداخلية للكيان الصهيوني، وتظهر عجز الحكومة الاسرائيلية عن تأمين وعد الأمن الذي قطعه شارون على نفسه اثناء حملته الانتخابية وهو في الواقع لم يستطع تأمين الحد الادنى من الامن الذي وعد به وكل ذلك بسبب تأثير الانتفاضة المباشر سواء كشكل من اشكال النضال او بالعمليات التفجيرية والاستشهادية التي يقوم بها الفلسطينيون، مما يعني ان شارون امام خيارات متعددة وأحد هذه الخيارات ان يبقى الوضع على ما هو عليه ويحافظ على طبيعة اعماله الاجرامية لمدة طويلة وهذا ينطوي على مخاطر تطالب حكومته الائتلافية وهي في الواقع حكومة تطرف من يمينها الى يسارها ولكنها بالمقابل متناقضة وبدأت تطفو على السطح خلافاتها الداخلية وخاصة الحزبية وبالطبع ينعكس ذلك على موقف الشارع الذي بات لا يهمه من يأتي الى رئاسة الوزراء سواء كان عماليا او ليكوديا بل يهمه أمنه وإن كان هذا الامن مرتبطا بتنازلات اسرائيلية للفلسطينيين، وهذا الواقع بدأ يظهر واضحا في الشارع الاسرائيلي كما تصوره صحفهم رغم انهم اختاروا شارون الجزار ليرتكب مجازر اخرى بحق الشعوب العربية، وقد يقول البعض ان الشارع الاسرائيلي بات يطالب بتدمير المناطق الفلسطينية، ولكنه يطالب بذلك نتيجة ادراكه العجز السياسي لشارون وهذا ما تناقلته الصحف العبرية التي تابعت ان الشارع الاسرائيلي يطلب الأمن بأي ثمن حتى عن طريق التنازلات. كل ذلك يدعونا الى القول ان استمرار الانتفاضة هو الخيار الوحيد للشعب العربي من محيطه الى خليجه، لأن توقفها يعني الاستسلام الكامل لارادة اسرائيل وأحلامها التوراتية القديمة. فهل مازال العرب يتخيلون ان اسرائيل ستقدم لهم الحد الادنى من طموحاتهم بتنفيذ القرارات الدولية التي رفضها العرب سابقا لانها لا تحقق ادنى طموح؟!! ـ كاتب فلسطيني