إلى عهد قريب كان الشعر العربي مصدر الحكمة العربية وكان الشاعر العربي رائداً يرتاد آفاق الحياة ويخوض غمارها خوضاً يغاير عوام الناس، فالشاعر الحقيقي ليس شاعر وجد وآهات وعشق وحسب، فتلك نظرة ظالمة للشاعر العربي. الشاعر الحقيقي كان صاحب بصيرة ونظر في الحياة ليس هو كسواه من الناس، وكل ذلك يدلك على أن الشعر ليس هواجس ولهواً وطرباً لأوزان الشعر وألحانه وحسب، بل هو مزج لكل ما في الانسان من أحاسيس ومشاعر ومركبات نفسية مضاف إليها رقة الشاعر وحساسيته، واحساسه المختلف وبصره المغاير لسواه بالحياة والكون مضاف إليه تلك الموهبة الفذة في اختيار الألفاظ المناسبة لأحوال النفس ومواضيع الشعر وتلك الموهبة الخاصة بجمع عقود الكلام كالجمان المنَضد في سلك من حرير وفق موسيقى شعرية خلاّبة ذات وقع فريد على الآذان. وكلما تميز الشاعر بالقدرة على مزج كل ذلك بخلاصة تجاربه في الحياة، تمكن من ان يخرج لنا قصائد خالدة في مسمع الدهر حتى ولو اصتكت مسامع البشر عنها في زماننا هذا بهذا الضجيج، مما يسمى موسيقى صخّابة وافدة، وبهذا الهراء من الكلام المسمى زوراً وظلماً شعراً والشعر منه براء. والحديث حول الشعر حديث أجد له حلاوة لو تركت لقلمي ان يذهب وراءها لما رجع حتى ينقطع مداده. ولكنني أجعل مما تقدم مقدمة لأعرض لشيء من ذلك الشعر المغموس بتجارب الحياة المصهور في نار صدر شاعرٍ موهوب هبت رياح العصر وأحداث السياسة والتغيير فحجبت عنا لوحاته وعَفَت على رسومه فمحت منها ما محت وتركت ما تركت، ذلك هو الشاعر السوداني المسمى «القاضي». وهو باختصار شاعر مجيد من شعراء السودان الذين حجبهم عنا ما حجبهم من ظروف السودان وتقلبات الحياة الثقافية والأدبية العربية التي لم تبق على حالها بل انقطع كثير من وديانها الرقراقة الصافية عنا وحال بيننا وبينها ما حال من دعاوى التجديد التي لا جديد فيها. وشاعرنا هذا من مواليد سنة 1911م، من القرن العشرين ذلك القرن الحافل بنوابع الأدب والثقافة والعلوم العربية خصوصاً في أوائله. ولشاعرنا شعر جميل متماوج بين العاطفة والوطنية والحياة الاجتماعية يتخلل كل ذلك أو يمزج بينها تجربة انسانية وشعورية انتجت حكمة جميلة جميل ان نعود إليها في هذا الزمن الذي أضحت فيه الفوضى في الفكر والأدب بديلة عن الحكمة خاصة في حياتنا الأدبية العربية التي لم تستعر في كثير منها من الغرب الا مدارس الفوضى والضبابية من مدارس التعبير الأدبية الغربية. ومن جميل شعر القاضي قصيدته المسماة «غرور الحياة» التي أستطيب منها قوله: كم نطلب الدنيا وليس بها إلا الضنى .. والحزن والكدرُ ولكم سعيت مسابقاً أملاً يمضي ويقصر دونه العمر لؤم الحياة وسوء مقصدها يتنازعان الناس لو نظروا وسفاهة الأيام تدفعهم نحو الشرور فهل هم ادكروا ولقد تمر بهم مطوفة من بارقات حياتهم عبر عبر يزجيها ويرسلها وحي الحياة.. فهل هم اعتبروا هيهات! فالإنسان ما فتئت تلهو به وبعقله العصر وتذيبه آماله قطعا في ثورة الاعصار تنتثر وتظل تمعن في نكايَتِهِ وتظل تكسره وينكسر حتى يعود كما بدا حدثا ما عنده ناب ولا ظفر كم ناشئ متوسد أملاً جم النواحي ليس ينحصرُ يرنو بعيني خالد أبدا وأمامه الآمال تشتجرُ يتخيل الدنيا له وزراً ان ضاق بالمتواكل الوزرُ حتى إذا ما اخضر يابسه ودنا إليه.. وأشرق الثمرُ وقفت يد الأيام بينهما وأجال فيه سهامه القدرُ فثوى صريع شقائه ومضى والكون أجمعه له وطرُ أتراه يرضيه ويسعده دمع من الآماق ينهمرُ ما أجمل الآمال في سعةٍ لو لم يكن في عمرها القصرُ بل ما ألذ العمر في قصر لو لم يقدنا المركب الخطرُ لو يعرف الأحياء قيمتهم طاب الزمان لهم فما ضجروا